دشنت الدورة العادية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المغربي مطلع الأسبوع الجاري بدايةَ حوارٍ داخليٍّ بين أعضاء الحزب الإسلامي بعد عشر سنوات من العمل في الساحة المغربية.

 

وناقش المشاركون في المجلس الوطني- الذي يمثل بصيغة أخرى برلمان الحزب- السلبيات والاختلالات التي شابت إدارة الأمانة العامة لانتخابات السابع من سبتمبر التشريعية وتكوين الحكومة الحالية؛ حيث احتلَّ الحزب الرتبة الثانية بـ46 مقعدًا.

 

وبعد نقاشٍ صريحٍ وساخنٍ بين أعضاء المجلس لأداء الحزب، صادَقَ المشاركون على تاريخ يومي 19 و20 يوليو 2008م لانعقاد المؤتمر الوطني السادس للحزب وتكوين لجنة تحضيرية للمؤتمر، عهد إلى عبد الله باها رئاستها للتحضير للمؤتمر، وأكدوا ضرورة الحوار الداخلي الذي يرصد التيارات الموجودة بالحزب وطبيعة خطابها السياسي، والعمل لإعادة الثقة في المشروع السياسي للحزب.

 

وكانت الدورة (والتي عُقدت أيام 28- 29- 30 ديسمبر) فرصةً أمام المشاركين لمناقشة ميزانية الحزب للسنة الماضية والراهنة؛ حيث قدّرت الموارد بـ892 مليون سنتيم، أما النفقات المتوقَّعة فستكون 960 مليون سنتيم بنسبة عجز تقدَّر بـ7.75%، سيتم تجاوزها باقتطاعات المنخرطين.

 

وتضمن التقرير- الذي حصل (إخوان أون لاين) على نسخة منه- سبعة عناصر كبرى: الحاجة للتنزيل الجريء للحكم الذاتي (قضية الصحراء)، انتخابات 7 سبتمبر وسؤال المصداقية، التصريح الحكومي والحاجة إلى إرادة حقيقية للإصلاح، اختيار موقع المعارضة، صعوبة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، غليان الساحة الدولية، على سبيل الخلاصة والختم.

 

وأكد سعد الدين العثماني (الأمين العام للحزب)- في سياق عرضه للتقرير- "أن الإصلاح السياسي لا يأتي بقرارات فوقية، ولكن بالتكوين الداخلي والتأطير الخارجي والتحلِّي بروح المسئولية لإنجاح الأوراش الكبرى لبلادنا بإرادة وطنية ومسئولية جماعية للإصلاح، وأيضًا للمصداقية في التعاطي مع البرامج والمقترحات"، واعتبر أن الدورة تُعَدُّ محطةً للتقييم والمراجعة والاستدراك وإعطاء الانطلاقة لتفكير جماعي يدرس تطورات الساحة السياسية وآفاقها وموقع الحزب ودوره المستقبلي في أفق المؤتمر السادس".

 

وأضاف العثماني أن حزبه "إزاء مرحلة حسَّاسة أكدتها على الخصوص مجمل المعطيات التي أفرزتها محطة الانتخابات التشريعية الأخيرة وما عرفه الحقل السياسي المغربي بعد ذلك من تفاعلات وهزات فعلت فعلها في النسيج الداخلي لمجمل النخبة السياسية ولبعض الأحزاب، وجدَّدت النقاشات العميقة حول منظومتنا السياسية برمَّتها".

 

وعلى المستوى الدولي ندَّد الحزب بالاعتداءات الصهيونية المتواصلة، مجدّدًا مساندته للشعوب الإسلامية، خاصةً فلسطين والعراق والصومال ولبنان وتفعيل المبادرات الشعبية والرسمية لدعمها.

 

وخلص العثماني إلى التأكيد أن "الوضع العام للبلاد يستدعي إصلاحًا شجاعًا يُعيد للمؤسسات قيمتَها وصلاحياتِها الحقيقية، ويخرج حالة العبث والانتظارية والميوعة السياسية إلى دولة المؤسسات القوية والأحزاب المسئولة"، مؤكدًا أن "الأحزاب التي تركن إلى واقع الركود السياسي ولا تستطيع تجديد أدواتها وبرامجها محكوم عليها بالتراجع".

 

وبعد قراءة الأمين العام للحزب للتقرير السياسي- والذي شخَّص الوضعَ السياسيَّ بالبلاد والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي تميّز المغرب- ناقش الحاضرون تدبير الأمانة العامة للانتخابات السابقة، والتي لا تتناسب مع مكانة الحزب، رغم حصوله على الرتبة الأولى من حيث الأصوات والثانية من حيث المقاعد البرلمانية، ودعوا إلى تجاوز الاختلالات استعدادًا للانتخابات البلدية والجماعية في سنة 2009م.

 

وشدَّد البيان الختامي للحزب- الذي سيَصدُر في الأيام المقبلة بعد تعديله من لدن الأمانة العامة- على أن الحزب من خلال عدة حقائق على الأرض ومعطيات وقرائن كان هو المستهدف الأكبر في الانتخابات الأخيرة؛ للحيلولة دون حصوله على مرتبة الصدارة المستحقة على مستوى المقاعد والأصوات".

 

وأكد البيان ما سبق أن أشارت إليه الأمانة العامة عقب الاستحقاقات المغربي بأن: "اقتراع السابع من سبتمبر يمثِّل نكسةً حقيقيةً في المسار الديمقراطي للمغرب، في الوقت الذي كان الجميع فيه يأمل أن يكونَ إضافةً نوعيةً في اتجاه انتقال ديمقراطي حقيقي"، وجاءت النتائج لتؤكد ما عرفته انتخابات تجديد ثلث المستشارين في سبتمبر 2006م من غياب إرادة حقيقية للقطع مع عصور الإفساد الانتخابي وسيادة سلطة المال وتقاعس السلطات وحيادها السلبي أمام عمليات الإفساد الانتخابي، وتحوُّلها إلى آلية متواطئة مع هذا الفساد، من خلال التلاعب بالنتائج، وامتناع بعض رؤساء المكاتب الفرعية عن تسليم محاضر اللوائح المحلية واللائحة الوطنية.

 

 الصورة غير متاحة

جانب من الدورة العادية للمجلس الوطني لحزب العدالة المغربي

وسجَّل المجلس الإقصاء المقصود للجالية المغربية المقيمة في الخارج؛ بهدف "التحكُّم في الخريطة الانتخابية ووضع عراقيل أمام أعداد كبيرة من المواطنين لممارسة حقِّهم الانتخابي؛ مما كرَّس ظاهرة العزوف السياسي، وأنتج مؤسساتٍ ضعيفةً ناقصةَ المصداقية والجدوى والدوس على قانون الأحزاب وتشجيع ظاهرة الترحال بتشكيل فرق نيابية هجينة".

 

وطالب البيان الختامي بوضع حدٍّ لمسلسل العبث السياسي والشروط المولّدة للإحباط والعدمية والتطرف وتكريس ظاهرة العزوف، وإقرار إصلاحات دستورية سياسية جوهرية تنتج شروط ممارسة سياسية وحزبية شفافة.

 

ودعا إلى أن تكون "محطة الانتخابات الجماعية المقبلة والمهنية فرصةً لإعداد القانون وتنظيمه من الممارسات المشينة، التي عرفتها الانتخابات التشريعية"، مجدِّدًا إصرارَه على مواصلة "خطه الإصلاحي وصموده على خط المشاركة السياسية الفاعلة النازلة على أرض الميدان، وبكل الوسائل النضالية المشروعة بتفانٍ، بدون ضعف أو استكانة".

 

وعلى المستوى الخارجي، ذكَّر بيان المجلس الوطني بمواقفه الثابتة في دعم القضايا الإسلامية العادلة والتنديد بالحصار الظالم على الشعب الفلسطيني و"فرض التركيع والاستسلام عليه بمباركة الاحتلال الصهيوني الغاصب ومحاولة شراء تنازله عن حقوقه التاريخية عن طريق رشاوى تحت قناع الدعم الدولي ليرضى بفتات موائد المفاوضات".

 

وندَّد الحزب بالتدخل الأمريكي المباشر في العراق وأفغانستان، أو من خلال الوكالة كما يحصل في الصومال، أو سعيها لإحداث بؤر توتر جديدة تحت شعار الحرب الوقائية والأخطار الإرهابية المحتملة، مثل التحرُّش على النووي الإيراني، مسجِّلاً اعتزازه بخط المقاومة المشروعة وإدانة المناورات الاستخبارية المباشرة أو عبر وكلائها لإلصاق تهم بالمقاومة المشروعة والشعوب الإسلامية.

 

وحسب المادة 29 من القانون الأساسي للحزب، فإن المجلس الوطني- الذي يُعدُّ ثاني هيئة يعهد إليه مراقبة عمل الأمانة العامة بعد الجمع العام الخاص بالمؤتمر- يعقد بصفة عادية مرةً في السنة، وبصورة استثنائية بقرار من الأمانة العامة أو بدعوة من مكتبه؛ بناءً على طلب ثلث أعضاء المجلس على الأقل.

 

ويتكوَّن المجلس من مكتب ولجنة مراقبة مالية للحزب، ويمكن للمجلس إحداث لجان دائمة ينص عليها في لائحته الداخلية أو لجان مؤقتة، ويعهد إلى مكتب المجلس على التحضير لدورات المجلس ومتابعة أشغاله ومتابعة وتنفيذ القرارات وتفعيل التوصيات الصادرة عن المجلس، وتسيير أشغال المجلس وتوثيقها.