فقدت اليمن والأمة العربية والإسلامية صباح اليوم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني ورئيس التجمع اليمني للإصلاح وشيخ مشايخ قبائل اليمن، الذي وافته المنيَّة في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض.
الفقيد الكبير تلقَّى دراستَه الأوليَّة في كتَّاب صغير بجوار مسجد (حصن حبور) على يد أحد الفقهاء، الذي علَّمه القراءة والكتابة والقرآن الكريم ومبادئ الدين والعبادات.
في نهاية الخمسينيات تصاعد الرفضُ الشعبي ضد الإمام أحمد حميد الدين، وقاد الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وابنه الشيخ حميد تحركاتٍ وطنيةً للقبائل المتحمِّسة للتخلُّص من ظلم الإمام، ومكَثَ في مقام الإمام في (السخنة) يحضر المقابلات والاحتفالات الرسمية، وعندما غدر الإمام بالشيخ حسين بن ناصر الأحمر وابنه الشيخ حميد، واعتقلهما وتم ترحيلهما إلى حجة؛ حيث أُعدِمَا الواحد بعد الآخر، حينذاك كان الشيخ عبد الله قد تم اعتقاله أيضًا في الحديدة، بعد أن تم إحضاره من (السخنة) بحجة الالتقاء بوالده، وبعد أحد عشر يومًا من الاعتقال في سجن الحديدة تم ترحيله إلى سجن المحابشة، والذي مكث فيه ثلاث سنوات حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م.
وفي اليوم الثاني لقيام الثورة توجَّه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بصحبة عدد من الجنود والشخصيات، الذين كسب تأييدَهم للثورة إلى منطقة (عبس)؛ حيث قضَوا ساعاتٍ في ضيافة القبائل، ثم اتجهوا إلى الحديدة ووصلوا إليها يوم السبت، وفي يوم الأحد الرابع من عمر الثورة وصل الشيخ إلى صنعاء واستقبله قادة الثورة في مقر مجلس قيادة الثورة، وتم تكليفه بسرعة التوجُّه إلى المناطق الشمالية الغربية لمطاردة الإمام المخلوع محمد البدر وإلقاء القبض عليه.
ومنذ ذلك اليوم قاد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر قبائلَ حاشدةً في معركة الدفاع عن الثورة والجمهورية، دون هوادة ولا توقُّف ولا تأثُّر بالظروف السياسية المتقلِّبة في صنعاء، حتى انتهت المعارك في يناير 1970م.
كان أول لقاء يجمع بين الشهيد أبي الأحرار محمد محمود الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر يوم وصول الشيخ إلى العاصمة للمرة الأولى في اليوم الرابع للثورة، ثم استمرَّت علاقة الرجلين حتى استشهاد الزبيري في 31 مارس 1965، واتسمت علاقتهما بالاحترام والإعجاب؛ فالشيخ عبد الله بن حسين الأحمر كان يرى في الشهيد الزبيري رمز الثورة اليمنية ضد الاستبداد والطغيان والتخلُّف، فيما كان أ. الزبيري يرى في الشيخ عبد الله بطل الثورة والجمهورية الذي يقف هو وقبائله سدًّا في وجه محاولات العودة إلى عهد الإمامة والاستبداد.
وكان الاثنان يشكِّلان وحدةً فكريةً وشعبيةً مهمةً في الصف الجمهوري، ووجد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر نفسَه ينحاز إلى الشهيد الزبيري عند بروز الخلاف بين الجمهوريِّين والداعين للسلام والإصلاح بقيادة الزبيري من جهة، وبين الجمهوريين الداعين لحسم الصراع بالقوة والسلاح بقيادة المشير عبد الله السلال ومعه القيادة المصرية في اليمن، ودعم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر موقف الشهيد الزبيري وإخوانه من العلماء والمشايخ والضباط.
وفي عام 1969م انتُخِبَ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيسًا للمجلس الوطني للجمهورية العربية اليمنية، الذي تولَّى صياغة الدستور الدائم للبلاد، وتأسيس قاعدة الشورى التي يقوم عليها النظام الجمهوري؛ باعتبار الشورى أهم أهداف الثورة اليمنية التي جاهد من أجلها العلماء والمشايخ والمثقفون عبر أجيال طويلة.
وفي عام 1970م تم انتخاب الشيخ عبدالله رئيسًا لمجلس الشورى في الجمهورية العربية اليمنية، والذي جسَّد تجربةً شورويةً ديمقراطيةً متقدمةً في ذلك الحين، مقارنةً بظروف التخلف والفقر التي كانت تعاني منها البلاد، وظل المجلس يقوم بواجبه حتى تم تعليق العمل بالدستور الدائم وإغلاق المجلس عام 1975م.
كان الشيخ عبد الله من أبرز المنتقدين لسوء إدارة الدولة وانتشار مظاهر الضعف في مواجهة الفساد الإداري والمالي وعمليات التخريب الدموية التي نشرت الخوف والرعب في صفوف المواطنين، وبدَّدت ثقتهم بالدولة في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني، ولا سيما في السنوات الأخيرة.
وافق الشيخ عبد الله على عملية انتقال السلطة سلميًّا، التي قام بها العميد إبراهيم الحمدي في 13 يونيو 1974م بعد استفحال الأزمة السياسية في البلاد، ودعم العهد الجديد باعتباره فترةً انتقاليةً يتم فيها إنقاذ البلاد من السلبيات التي كانت تعاني منها، ولا سيما في المجالَين الأمني والاقتصادي، ولكنَّ البلاد سرعان ما دخلت في مرحلة جديدة من التوتر السياسي؛ بسبب النزوع الفردي والرغبة في الاستفراد بالسلطة والتسويف في إعادة الحياة الدستورية.
عند تأسيس المجلس الاستشاري عام 1979 عُيِّنَ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر عضوًا فيه، كما عُيِّن عضوًا في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام منذ تأسيسه عام 1982م حتى قيام الوحدة عام 1990م.
في 12 يناير 1995م رأس وفدًا يمنيًّا رفيع المستوى إلى المملكة العربية السعودية لمواجهة التداعيات الخطيرة حول أزمة الحدود اليمنية السعودية، وظل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في الرياض قرابة 40 يومًا حتى نجح في التوصُّل إلى توقيع مذكرة التفاهم في 27 رمضان 1415هـ، التي فتحت الطريق أمام عودة العلاقات الطبيعية بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية، وصولاً إلى توقيع اتفاقية الحدود في 12 يونيو 2000م.