في أقل من أسبوع انتفضت كلٌّ من حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان (أهم حركتين إسلاميتين بالمغرب) ضد الفساد الأخلاقي والسياسي، الذي يستشري في المغرب.
وجاء "نداء من أجل العفة والكرامة"- الصادر عن التوحيد والإصلاح- لينبِّه على التردِّي الاجتماعي والأخلاقي بالمغرب، فيما فضَّلت جماعة العدل والإحسان، عبر بيان دائرتها السياسية حول الوضع السياسي بالمغرب بعنوان "جميعًا من أجل الخلاص"، الإعلان عن موقفها الرسمي من كل الانحرافات التي يرزح تحتها المغرب باقتراح "ميثاق" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
هذا الخروج الإعلامي للحركتين الإسلاميتين يشير إلى تحوُّل نوعي في التعامل القريب مع ما يجري في المجتمع، والسعي لترسيخ أسلوب الانفتاح على قضايا المجتمع الحقيقية، رغم اختلاف أسلوب وزاوية المعالجة لكل حركة في سعيها لفضح الفساد.
ودعت حركة التوحيد والإصلاح في بيان وجهته "إلى العلماء والدعاة والمفكرين والمسئولين السياسيين والجمعويين، والصحفيين والمشرفين على المنابر الإعلامية، إلى مقاربة شمولية ينخرط فيها الجميع لمواجهة الفساد الأخلاقي، وخصوصًا في ظل عولمة الفساد".
وبعد تشخيص الواقع الأخلاقي- الذي عرفه المغرب أخيرًا- "حفل تذوق الخمور بمكناس، قران الشواذ بالقصر الكبير، تنظيم رحلة جنسية إلى مراكش" أكدت الحركة أن "أخلاقَنا وقيمَنا أكثر أهميةً من أرضنا وسائر ثرواتنا مما يعدُّ من مقوماتنا الوجودية"، معتبرةً زعزعة الأسس الأخلاقية للمجتمع: "ليس مجرد إضرار بفئة أو طائفة أو جزء من كياننا، بل هو ضررٌ وخطرٌ على الكيان برمَّته وبمجموع مكوناته، فكل هذه القيم والمبادئ تشكِّل جوامع مشتركة تعزِّز وحدتَنا وتؤسِّس نهضتَنا، في إطار هويتنا الدينية والحضارية، التي لا كينونة لنا بدونها، وبدون تمتينها والتمسك بها".
وأوضح نداء الحركة أن القضية "هي قضية المجتمع كله بجميع فئاته وتوجهاته، تحتاج إلى جهد استثنائي وجماعي لاستدراك الخلل وتصحيح الاعوجاج"؛ من أجل عزة المغرب والمغاربة، وبناء نخبة مغربية متضامنة ومتماسكة ومعتزة بثوابت بلدها قادرة على الفعل الرشيد لتجنيب البلاد السقوط في الرذيلة والفاحشة والغرق في مستنقع الفساد الذي يدمر الحضارات والأمم.
وطالب نداء الحركة "إيلاء القضية ما تستحقه من عناية وأولوية، ومن جهد وتضحية؛ باعتبارها قضية مصيرية"، مشيرًا إلى: "أن خطورة الوضعية الأخلاقية وجسامتها لا تسمح بإلقاء تبعاتها ومتطلبات علاجها على جهة واحدة أو على مؤسسات محددة"، وإنما تتطلَّب "تجديد الإرادة الجماعية لمواجهة هذه الانتهاكات والوقاية منها، مع الاستعداد للانخراط في هذا المسار من أجل وقف هذا التدهور والحد من آثاره المدمرة؛ ليبقى المغرب كما كان منارةً للهدى والخير وقلعةً حصينةً لا تنال منها الخطوب".
وبخلاف بيان الحركة في السنة الماضية حول المهرجانات التي تعتريها عدة مفاسد أخلاقية، يظهر أن النداء الحركة الحالي حاول تلطيف اللهجة ودعوة باقي الشركاء للانخراط في تغيير الفساد الأخلاقي بالمغرب، دون اقتراح وسائل عملية للتنفيذ.
جميعًا من أجل الخلاص
وفي دورة المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، صادَقَ المجلس على وثيقة سياسية اختار لها عنوان: "جميعًا من أجل الخلاص".
واعتبرت الوثيقة- التي تعد واحدةً من سلسلة رسائل قوية وجَّهتها الجماعة ومرشدها- "الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرةً إلى من يهمه الأمر".. إلى النظام الرسمي بالمغرب، أن يوم (الانتخابات المغربية) وما سبقه وما لحقه يمثل "علامةً بارزةً في تاريخ الخراب السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عقود طويلة؛ حيث أثبتت الانتخابات المعلومة وما تلاها من فصول غير مُشَوِّقَةٍ وغير مُشَرِّفَة لتشكيل الحكومة أن الوضع في البلاد لا يزداد على مر الشهور والسنين إلا ترديًا وانحطاطًا، وأن الهوَّة بين الشعب والحاكمين لا تزداد إلا اتساعًا وانسحاقًا".
وبعد أكثر من نصف قرن من الترقُّب والتطلُّع والأمل، يضيف بيان الدائرة السياسية: "يتحول المغرب الآن إلى قاعة انتظار كبرى مفتوحة على المجهول؛ نتيجة أخطاء فادحة، وخطايا كارثية، يتحمل النظام المخزني المسئولية المباشرة عنها؛ لأنه كان ولا يزال المستفرد الوحيد والحقيقي بالسلطة في هذا البلد، ولم تكن الحكومات المتعاقبة إلا بمثابة لجان تصريف أعمال تأتمر وتنفِّذ".
ويقدم البيان عدة مؤشرات عن تردي الوضع المغربي اقتصاديًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا وتعليميًّا، مؤكدًا أن المجتمع المغربي أمام: "مأساة حقيقية؛ فأمننا أصبح مهددًا بكل جوانبه: الجسدي والروحي والخلقي، وعلى الجميع أن يتحمل مسئوليته بكل شجاعة ووضوح، من علماء "أُسكِتُوا- إلا من رحم ربك- تحت صولة الحكم القُرُونِيِّ الوِرَاثِي، وأهل الدعوة والفاعلين السياسيين والاقتصاديين وعموم الأمة وكل من لهم غيرة على هذا البلد".
وحمَّلت الجماعة: "النظام المخزني بصيغته الحالية وبمنهجيته السياسية" المسئولية في هذا الوضع: "أصبح يمثل عائقًا أمام الديمقراطية والتنمية في هذا الوطن، كما أصبح مهدِّدًا لهوية الأمة في الصميم ومهدِّدًا لمصالحها المختلفة، بل أصبح مهدِّدًا للاستقرار الإقليمي والمتوسطي بعشرات الآلاف من هكتارات المخدرات، وبهجرة يغذيها بسياسته التفقيرية القاتلة".
ودعت الجماعة في آخر بيانها إلى "ميثاق" و"توبة نصوح جماعية"؛ لأن "الأمر يحتاج إلى كل يد نظيفة".
وفي أول ردود إعلامية على الوثيقة- التي يمكن اعتبارها مشروعًا سياسيًّا للجماعة- اعتبرت تحليلاتٌ إعلاميةٌ أن لهجة البيان الشديدة وهجومها المباشر على النظام المخزني (النظام الملكي) محاولةٌ من الجماعة لتعبئة أعضائها بعد فترة خفوت والضغط لتكوين حزب سياسي.
وكشف الخروج الإعلامي والسياسي للجماعتين الإسلاميتين وبصورة منفردة عن التباعد السياسي في مقاومة الفساد المستشري؛ حيث أشار النداء والبيان إلى أنه يجب أن يكون مسئوليةً جماعيةً بالنظر إلى حجمه، وهو ما يستدعي من الجماعتَين تفعيل لجان الحوار بينهما لتكوين ميثاق إسلامي أولاً قبل المطالبة بميثاق وطني، والاقتداء بسابق تجربة اليسار المغربي فيما يسمَّى بـ"ميثاق الكتلة الديمقراطية"؛ حتى لا تضيع جهود الإصلاح ومقاومة الفساد في التحليق النظري.