قدَّم محمد اليازغي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي والوزير بدون حقيبة في الحكومة الحالية، استقالته من قيادة الحزب يوم الإثنين ثالث ديسمبر الجاري.

 

ويمثل اليازغي أبرز الوجوه القيادية بحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يمثل أقوى الأحزاب المشاركة في حكومة عباس الفاسي الحالية؛ مما يعني أن استقالته تُمثِّل إيذانًا بخريف الحكومة الحالية.

 

وقال اليازغي في رسالة "تجميد"، فتحت شهية الإعلام المحلي والدولي بالنظر إلى وزن صاحبها وحزبه السياسي: "حرصًا على وحدة الحزب، فإني أعلن مغادرة موقعي ككاتب أول وتجميد نشاطي بالمكتب السياسي إلى حين انعقاد المجلس الوطني للحزب".

 

وأضاف مخاطبًا أعضاء حزبه: "وثقوا جميعًا أنني سأظل وفيًّا لهذا الحزب العظيم الذي عاشرت كل شهدائه وقادته الكبار وعاهدتهم على خدمة مثله العليا وقيمه النبيلة".

 

وجاء قرار تجميد القيادي اليساري لمسئوليته القيادية على خلفية انقلابٍ سياسي من داخل حزبه ارتباطًا بفشله في إدارة المفاوضات أثناء تشكيل الحكومة الحالية والضغط لتمرير قانون المالية في الأسبوع الماضي، رغم اعتراض بعض نوابه على بند الامتيازات الضريبية للشركات الكبرى والبنوك.

 

وذكرت مصادر مطلعة من مكتبه السياسي للحزب أن أعضاءً من المكتب السياسي، البالغ عددهم 22 عضوًا، قرروا إلغاء منصب الكاتب الأول ونائبه وتسيير الحزب بصورةٍ جماعيةٍ بناءً على تحليل مسار الانتخابات السابقة، وتدبير المفاوضات الخاصة بتشكيل الحكومة.

 

واعتبرت المصادر أن إلغاء المنصبين يهدف إلى إتاحة الفرصة لترميم الحزب بعد سلسلة إخفاقاته السياسية، سواء في تدبير حكومة التناوب (عشر سنوات) أو بالنظر إلى وضعه في الحكومة الحالية.

 

وفي رسالة مؤازرة للقرار الاستقالة، قدَّم عبد الواحد الراضي، وزير العدل في الحكومة الحالية ونائب الكاتب الأول، استقالته من المسئولية مع الاحتفاظ بنشاطه السياسي، بعد اطلاعه على قرار اليازغي لموقعه، وقال في رسالةٍ ثانيةٍ لأعضاء الحزب: "ونظرًا لاقتناعي بحيثيات القرار ونظرًا لتلازم المنصبين في المكتب السياسي منذ انتخابنا بالإجماع من طرف أعضائه، فإنني قررتُ التخلي عن مهام الكاتب العام بالنيابة، معربًا لكم عن إرادتي في مواصلة كل المهام الموكولة إليَّ سواء داخل المكتب السياسي أو خارجه وفقًا لمبادئ الاتحاد، ومقررات مؤتمراته ومثله العليا".

 

قرار التجميد أو الإقالة أو الاستقالة، حسب التعليقات الإعلامية حول الحدث، كان من الممكن أن يمر بصورةٍ عاديةٍ في إطار تشبيب النخبة السياسية بالمغرب، لكن الرجل أو "ستالين"الحزب- كما يلقب- والماسك بزمام الإعلام لحزب (الاتحاد الاشتراكي، ليبراسيون)، يعد مبرر وجود الحزب في أغلبية الحكومة الحالية، التي خرجت من الخيمة مائلة، مما يرجح بانفجارها قبل انتهاء ولايتها الممثلة في خمس سنوات.

 

وينتظر أعضاء الحزب انعقاد المؤتمر الثامن للحزب لانتخاب قيادات جديدة، رغم وجود تحركات مكثفة لليازغي لتطويق الوضع السياسي بالحزب، في وقتٍ تطالب أصوات باستقالته من الحكومة، ما دام لا يُمثِّل الحزب.

 

وقد سبق لليازغي أن صرَّح قبيل تشكيل الحكومة بأن الحقائب الممنوحة لحزبه لا تمثل "ثقله السياسي في المجتمع".

 

وقد تعددت القراءات السياسية والإعلامية لحدث تجميد محمد اليازغي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي لمسئوليته في قيادة الحزب، وتأثيراتها السياسية على الوضع الداخلي للحزب والعلاقة بالحكومة الحالية.

 

واعتبرت التعليقات أن قرار الاستقالة كان منطقيًّا؛ لأن الحزب لا يملك خطًّا واضحًا بعد سلسلة الإخفاقات المتعلقة بمسار الحزب من معارضةٍ قويةٍ دامت أربعين سنةً ومشاركة في إطار "التناوب التوافقي" دامت عشر سنوات.

 

وبعد سلسلة حوارات من داخل الصفِّ الاشتراكي، تم تبني خيار التسيير الجماعي في المرحلة المقبلة إلى حين عقد المؤتمر الوطني للحزب في ربيع السنة المقبلة.

 

وتساءلت بعض الصحف المقربة من الحزب هل: إقالة اليازغي من قيادة الاتحاد الاشتراكي عقاب مخزني أم محاسبة حزبية مشروعة"؟

 

وبعد التجميد فلم يعد لليازغي أي ورقة سياسية يرفعها أمام الحكومة الحالية، فهو لا يُمثِّل الحزب وأعضاء الحزب قبلوا باستقالته، وبالتالي فهو سيراهن على مسئولي الحزب في الفروع لإعادة الثقة له، وهو ما ليس ممكنًا بالنظر إلى النتائج التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة (المرتبة الخامسة)، بخلاف الولاية السابقة، التي احتل فيها المرتبة الأولى.

 

غير أن عبد الواحد الراضي، وزير العدل الحالي وأحد المعنيين بالحدث، أكد في تصريحٍ صحفي عقب اجتماع المكتب السياسي، أن الاستقالتين هي أمور تهم الشأن الداخلي والتنظيمي للحزب، مبرزًا أن الاتحاد الاشتراكي "سيظل ملتزمًا بتعهداته، سواء داخل الحكومة، أو على صعيد الكتلة الديمقراطية".

 

وقد تأسس حزب الاتحاد الاشتراكي أو "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" من رحم حزب الاستقلال سنة 1959، وقاد معارضةً شرسةً للنظام المغربي دامت أربعين سنةً، دخل بعدها الحزب سنة 1997 في مرحلة التناوب التوافقي بين ملك البلاد الحسن الثاني، وزعيمه عبد الرحمان اليوسفي، إلا أن سوء التدبير السياسي للمرحلة جعل الحزب يتراجع اجتماعيًّا وسياسيًّا، خاصةً مع بروز الأحزاب الإسلامية على الساحة المغربية (حزب العدالة والتنمية).

 

وعلى المستوى الفكري، انتقل من تبني خيار المد الثوري الانقلابي إلى النهج الإصلاحي، رغم معاركه الشرسة لمقاومة كل ما هو إسلامي بالمغرب بدفاعه عن كل ما هو تقدمي شيوعي.