أصبح السلوك الصهيوني يُثير القلق كما يُثير الاضطراب في الرؤية, لكنه يُثير القليل من المصداقية.. هل عروض السلام الصهيونية تغطية لخط هجوم على سوريا أم محاولة جديدة لفك تحالف سوريا مع غيرها؟

 

اللافت للنظر أن تل أبيب تبالغ في مواقفها السياسية تجاه سوريا، فخلال أقل من شهرٍ عمدت إلى شنِّ حملةٍ واسعةٍ تتهم فيها سوريا بالإعداد لمهاجمتها وتتوعد سوريا بالرد العنيف، ثم يعقب ذلك حديث معسول عن غرامٍ مفاجئ للكيان في السلام مع سوريا.

 

وخلال هذا الأسبوع كانت نغمة الحملة الصهيونية أعلى من سابقتها؛ حيث أكد رئيس وزراء الكيان إنه حظر على وزرائه الحديث عن صدام مع سوريا، وأنه يسعى إلى سلامٍ معها بكل السبل، وفي نفس الوقت صرَّح وزير دفاعه بأن الجيش الصهيوني قادر على حماية الكيان من أية مغامرات سورية.

 

أما الإعلام العسكري والصحفي الصهيوني فإنه يستبعد تمامًا ما أوردته تقارير عديدة من أن الكيان يعد لهجومٍ على سوريا وإيران، مؤكدًا في مجمل الخطاب الصهيوني على أن هناك فرقًا بين سوريا التي يسعى الكيان إلى تسويةٍ معها، وبين إيران التي تعلن صراحةً عزمها على تدمير الكيان، وسربت الحكومة الصهيونية تقارير مفادها أن رئيس الوزراء إيهود أولمرت يعتزم استئذان واشنطن في فتح طريق التفاوض مع سوريا، مما يُعطي الانطباع بأن خط العقاب الأمريكي لسوريا يتعارض مع إستراتيجية تل أبيب في التفاوض معها، ويذكر المراقبون أن الكيان قد رحَّب بزيارة بيلوسي رئيس مجلس النواب لسوريا دون أن يغضب البيت الأبيض الذي اتخذ موقفًا عدائيًّا من هذه الزيارة، وهذا يدل في نظر البعض على أن خيار السلام مع سوريا من وجهة نظر الكيان قد أصبح واضحًا في الأشهر الأخيرة.

 

هذه المناورات الصهيونية توازن مع تقارير متفرقة حول نية مُؤكَّدة أمريكية وصهيونية في مهاجمة إيران، وربما مهاجمة حزب الله وسوريا وحماس في نفس الوقت، مما أوقع المراقبين في حيرة في التكهن بما يريد الكيان بالفعل.

 

إزاء هذا الموقف، فإنه يمكن فهم الموقف الصهيوني في ضوء الخداع الصهيوني المألوف، ولكن السؤال يظل ملحًا: هل يهاجم الكيان سوريا بالفعل أم أنه يحاول بالحديث عن السلام أن يغريها بأهمية هذا السلام وتبعاته لكي تتخلى عن حلفائها.

 

الحق أن احتمالات الهجوم الصهيوني على سوريا وحزب الله وإيران بالتعاون مع الولايات المتحدة تتساوى تقريبًا مع احتمالٍ آخر، وهو أن الكيان وواشنطن يعدان لضربة قاصمة لإيران، ولكنهما يريدان إبعاد سوريا بالحديث عن فرص السلام؛ حيث أكد أحد المعلقين الصهاينة بأن الكيان مستعد لرد الجولان وتسوية الصراع مع سوريا، وعلى سوريا أن تكون مستعدة لتقديم المقابل، ومن الواضح أن هذا المقابل هو التخلي عن حزب الله وحماس وإيران.

 

وقد سبق أن عالجنا هذا الموضوع في عدة مناسبات، وكنا نرى- ولا نزال- أن الورقة الرئيسية في يد سوريا هي التحالف مع الأطراف الثلاثة وأن الكيان يستميت في خلخلة هذا التحالف بكل السبل علمًا بأن وعود الصهاينة لسوريا لن تتحقق، ولكي تفهم منطق هذا التحليل فإنه لا بد أن  نبحث عن الجديد الذي دفع الكيان للانتقال من رفض المبادرات السورية والاستخفاف بها إلى مغازلة سوريا صراحةً، ولا أظن أن قراءة بسيطة لكل هذه الحقائق تجعل من الصعب على المراقب أن يدرك المخطط الصهيوني.

 

وقد يقول قائل إنه إذا افترضنا دائمًا أن رغبة السلام المعلنة لدى الكيان هي مجرد مناورة تستحق الحذر والرفض، فإن مجرد الرفض سوف يفسره الكيان على أنه تعنت من جانب سوريا إزاء غصن الزيتون الصهيوني.

 

لا أظن أنه يلتبس على صانع القرار السوري عدد من الحقائق في تحديد موقف سوريا وتقييم الموقف الصهيوني، وأهم هذه الحقائق هي أن العلاقات الإيرانية مع أمريكا والكيان تعاني الكثير، وأن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى فك التحالف الرباعي السوري الإيراني الحمساوي وحزب الله؛ وأن ذلك الهدف تجسد بوضوح بالقرار 1559 ثم باغتيال الحريري ثم بالعدوان على لبنان عام 2006م ثم القرار 1701، وأخيرًا قرار إنشاء محكمة الحريري رقم 1757، وكلها أدوات قانونية لتطويع المواقف السورية.

 

وثاني هذه الحقائق هي أن الكيان لا يتبرع بعروض السلام الموهومة؛ لأن هدفها الأساسي في المنطقة هو احتلال الأرض وإرغام الدول العربية على التطبيع معها في ظل تفوق عسكري صهيوني كاسح، ولكن الخطورة تكمن في احتمال أن يكون الكيان قد عمد إلى تغطية خطط الهجوم على سوريا بهذه الرسالة الملتبسة التي تجمع بين فرص الحرب والسلام وتبعث الحيرة عند المراقبين، فهل قرر الكيان أن يفك التحالف السوري مع الأطراف الأخرى؟

 

هذه المرة عن طريق سوريا حتى تبتلع الطعم الصهيوني فتخسر كل شيء أم أن هذه العروض السلمية تهدف إلى تحييد سوريا وخلخلة يقينها في جدوى التحالف، وسواء كانت العروض الصهيونية هدفها الخداع بالتغطية على مؤامرة الهجوم على سوريا أم لتحييد سوريا، فإن الحذر واجب في قراءة المشهد من زاويةٍ سوريةٍ وعربية.. فهل يؤثر موقف روسيا الأخير ضد الولايات المتحدة مع ميزان القوة.. بالنسبة لإيران وسوريا فيؤثر ذلك على حسابات الكيان؟.