في الدول الديمقراطية يتم الحديث دائمًا عن التنمية المستدامة، والمقصود بها أن تستمر التنمية في الحاضر والمستقبل، ولأن الموارد الأولية هي من العناصر الرئيسية لأي عملية تنموية لذلك يجب حفظ حق الأجيال القادمة في الثروات، وضمان الحفاظ على بيئة صالحة؛ لأن التنمية لا تكون أبدًا مستدامةً إذا نتج عنها تزايد في حدود التلوث البيئي نتيجة النشاط الصناعي عن الحدود المسموح بها دوليًّا. وإذا طبَّقنا هذا المفهوم في مصرنا الحبيبة فإننا نجد أن هذا المفهوم لا يمكن تطبيقه أبدًا في مصر لأن التلوث البيئي وصل حدًّا غير مسبوق يتجاوز كل المعايير العالمية في الماء والهواء والتربة. كما أن الثروات الطبيعية- وفي مقدمتها البترول والغاز- سوف تنفذ على أكثر تقدير بحلول عام 2020، ولأن البترول سلعة إستراتيجية تتأثر بالظروف السياسية فإن أي أزمة دولية في الشرق الأوسط يمكن أن تؤدي إلى إعاقة عملية تصدير البترول التي تؤدي إلى ارتفاع أسعاره بصورة فلكية. وعلى سبيل المثال فإن أي هجوم أمريكي لتدمير المنشآت النووية الإيرانية يمكن أن يقفز بأسعار البترول إلى ما يتجاوز حد الـ100 دولار، خاصةً إذا قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز، وتعطلت إمدادات البترول من الخليج، وقد يقول قائل ولكننا دولة منتجة للبترول بل إنها تصدّر في بعض الأحيان، والواقع أن هذه الصورة المعلَنة غير دقيقة، ولا تَصِف الواقع الحالي؛ حيث إن المعلومات الصادرة عن وزارة البترول معلومات محدودة، وفي كثير من الأحيان يتم عرضها بطريقة تعطي رسائل خاطئة، ولا يمكن أبدًا أن نفترض حسن النية؛ لأن هناك نوعًا من التعتيم المتعمَّد على المعلومات من وزارة البترول، والمؤسسات التابعة لها. وقد كانت لي تجربة شخصية في هذا المجال؛ حيث حاولت- ومن خلال صديق نافذ في قطاع البترول- الحصول على معلومات دقيقة عن احتياطي البترول والغاز في مصر، وأرسلني هذا الصديق إلى مسئول نافذ في الوزارة فأخبرني بأنني لولا أني جئتُه عن طريق صديق عزيز لحوَّلني "كعب داير" كما يفعل أحبابنا أهل الأمن عندما يريدون أن "يدوِّخوا" أحدًا، بأن يرسلني من مسئول إلى آخر ثم لا أحصل على شيء في النهاية، وقال بلهجة صدق: هناك تعليمات صارمة من الوزير شخصيًّا بمنع إعطاء أي معلومات لأحد في الإعلام إلا بموافقته الشخصية، وأنا أشفق عليك من الكعب الداير؛ ولذلك فلا تحاول الحصول على أية معلومات. تجربة أليمة ولكنها الحقيقة المرة هناك مجموعة من الحقائق الأولية التي يجب أن نعلمها؛ حتى نحصل على صورة تقديرية لوضع البترول والغاز في مصر: 1- مجموعة الاحتياطات المحلية من الغاز والبترول 2006- 2020= 1100 مليون طن. 2- الاحتياطات المعلنة من وزارة البترول= 2150 مليون طن. 3- نصيب مصر من هذه الاحتياطات 62%= 1330 مليون طن، والباقي للشركات الأجنبية العاملة. ومعنى ذلك أن هذه الاحتياطات ستنفَّذ بحلول عام 2020 أو بعده بسنوات قليلة، وذلك بافتراض عدم تصدير بترول أو غاز من نصيب مصر من الإنتاج، أما إذا تم التصدير من نصيب مصر فسوف يلزم زيادة الإنتاج إلى الحد الذي يفي باحتياجات مصر المحلية ويحقق فائضاً للتصدير، وبذلك فإن عمر الاحتياطات يمكن أن ينتهي قبل عام 2020 بسنوات. 4- إعلان وزارة البترول عن تصدير 19 مليون طن عام 2005 هو في الغالب من نصيب المستثمر الأجنبي من البترول ومن الغاز بالأسعار العالمية، ومعنى ذلك أن مصر- وبكل أسف، وعلى خلاف ما تعلن وزارة البترول- صارت مستوردًا إضافيًّا وليس مصدرًا صافيًا. 5- هناك بالتأكيد تسارُعٌ في نضوب الاحتياطات بالتصدير، فقد قفز الإنتاج من 58 مليون طن عام 2005 إلى 71 مليون طن عام 2006، ويُتَوقَّع أن يصل إلى 81 مليون طن في عام 2007، وبذلك تبلغ قفزة الإنتاج خلال عامين 23 مليون طن أو ما يعادل 40%، ومن شأن ذلك أن يعجِّل بنفاذ الاحتياطات، والمفروض ألا تتجاوز الزيادة في الإنتاج معدل الزيادة في الاستهلاك المحلي (5%) تأمينًا لحقوق الأجيال القادمة. 6- قفزت الزيادة في إنتاج الغاز نتيجة التصدير من 23 مليون طن عام 2005 إلى 39 مليون طن عام 2006 بمعدل نموّ نحو 70%، وإذا استمرت هذه القفزات للتوسع في التصدير فإن احتياطات الغاز على فرض صحة تقديرها لن تعمِّر طويلاً. 7- أعلن مؤخرًا أن قطاع البترول باع حصة 2.5% من الإنتاج المستقبلي، وهو توجُّهٌ خطيرٌ يؤثِّر بالتأكيد على حقوق الأجيال القادمة، بل إنه قيل إن الجانب المصري لا يسدِّد ما يشتريه من الشريك الأجنبي وإنما يعتبر دينًا في المستقبل عينًا أو نقدًا. 8- بلغ الاستهلاك المحلي من الزيت والغاز عام 2006 نحو 52 مليون طن تقدَّر قيمته بـ20 مليار دولار بالأسعار الجارية في السوق العالمية، فإذا بقيت الأسعار عند مستواها الحالي وهو أمرٌ غير محتمل، واضطُّرَّت مصر إلى الاستيراد فإن فاتورة الاستيراد سوف تتصاعد سنةً بعد سنة إلى أن تبلغ 40 مليار دولار عند استيرادِ كاملِ احتياجاتها في عام 2020، والتي ستبلغ 103 ملايين طن، والدراسات المعتمدة تؤكد أن سعر البترول يمكن أن يتجاوز 90 دولارًا في عام 2020 في ظل ظروف دولية مستفزة اعتمادًا على سعر حالٍ يبلغ 60 دولارًا ومعدل نمو سنوي 3% لتعويض التضخم عبر 14 عامًا. ومعنى ذلك أن فاتورة الاستيراد يمكن أن تقفز إلى 65 مليار دولار بحلول عام 2020، فمن أين لنا بهذا المبلغ إلى جانب الباقي من وارداتنا؟ وماذا يحدث إذا لم نستطع توفير احتياجاتنا من الطاقة؟! 9- هناك نوع من المغالطة العلمية في تقدير احتياطينا من البترول والغاز، والمعروف أن الاحتياطي لا يعتبر مؤكدًا إلا بعد أن تتم تنمية الحقل ويستخلص بالإنتاج ثلثي ما فيه، وهناك دول عديدة قامت بخفض أرقام الاحتياطات في ضوء ما تبيَّن من معلومات أثناء التنمية والإنتاج، ومن تلك الدول بريطانيا والمكسيك؛ حيث خفَّضت كل منهما احتياطاتها المؤكدة إلى النصف. نحو إستراتيجية للإنتاج والاستهلاك الصورة كما سبق مظلمة، ولا بد أن نتجه فورًا إلى عدد من البدائل والضوابط: 1- وضع برامج صارمة لترشيد واستغلال الطاقة. 2- البدء فورًا في استئناف المشروع النووي المصري لتوفير احتياطاتنا من البترول والغاز لأطول مدة ممكنة. 3- فرض تسعير عالٍ للطاقة الكهربية للمشروعات الصناعية، وإيقاف الهدر في استخدام الطاقة في المصالح الحكومية. 4- التوقف تمامًا عن تصدير البترول والغاز والالتجاء إلى التوسع في صناعة البتروكيمائيات لتعظيم القيمة المضافة. 5- عقد اتفاقيات مع دول حوض النيل لإقامة مشروعات لتوليد الطاقة الكهربية من المصادر المائية، وربط دول حوض النيل بشبكة موحدة؛ لأنه تم استنفاد معظم الطاقة الكهربية التي يمكن توليدها مائيًّا في مصر. 6- خفض إنتاج البترول والغاز إلى حدود الاحتياجات المحلية تأمينًا لتلك الاحتياجات، وخاصةً خلال المستقبل المنظور عندما تشتدُّ ندرة الإمدادات البترولية وترتفع أسعارها إلى مستويات فلكية لما أوضحنا من قبل. 7- التوسع في استغلال الطاقة الجديدة والمتجددة، وخاصةً الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحيوية. 8- فرض رقابة صارمة على تسويق البترول والغاز المصري، والتمسك التامّ بالشفافية في كل العقود، والالتزام القانوني بإعلان كل المعلومات حتى لا يتم أي شئ في الخفاء.