لقد حققت المادة الثانية من الدستور أمل الشعب المصري في أن يتم صياغة التشريع القانوني طبقاً للشريعة الإسلامية وأيًّا كان الهدف من إقرار هذه المادة في الدستور في نفس الرئيس السادات- رحمه الله- إلا أنها واقعًا صارت نصًّا دستوريًّا يُعبِّر تعبيرًا دقيقًا على معتقدات ومرجعية الشعب المصري تحتاج إلى تفعيلٍ وتطبيق.

 

ولقد جاء في حديث الدكتور صوفي أبو طالب ردًّا على سؤال لماذا لم يقم أحد أعضاء مجلس الشعب بتقديم طلبٍ جديدٍ حتى تأخذ قوانين الشريعة دورتها ويتم المصادقة عليها من مجلس الشعب؟ قائلاً: "للأسف لم يتقدم أحدٌ من أعضاء المجلس بتقديم اقتراحٍ بقانون لإقرار قوانين الشريعة"، وقال مستطردًا: "إن كثيرين من الغيورين والراغبين في تطبيق الشريعة من أعضاء المجلس جاءوني فقلتُ لهم تقدموا أنتم باقتراح بقانون، ونرى ماذا يفعلون, لكن أحدًا لم يتقدم..".

 

وقد كانت هناك مواجهات دائمة بين النواب الإسلاميين من الإخوان وغيرهم كلما كان الأمر متعلقًا بقانون أو قوانين تخالف الشريعة الإسلامية، وكان أسمى الأهداف خلق حياة كريمة يسودها العدل والاحترام؛ تلك هي غاية تطبيق الشريعة الإسلامية الذي كنا نأمله، وما زلنا وسنظل ننادي به أملاً في تساوي العباد بالحق وكف الظلم والأذى عن ضعفاء هذه الأمة ومنح القدرة للشعب على اختيار ومراجعة ومحاسبة حكامه ومسئوليه في إطار الشرعية والعدالة.

 

لذا عندما قام أحد نواب المجموعة 17 من نواب الإخوان المسلمين، وهو الحاج محفوظ حلمي عن دائرة المحلة الكبرى مستنكرًا في ردِّه على موازنة الحكومة أن تكون الضرائب والجمارك على الخمور والمحرمات إحدى موارد الدولة التي ينص دستورها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فتصدى له على الفور عضوان ممن تمَّ تعيينهم بالمجلس لمواجهة نواب الإخوان، وكأننا نتصارع حول تسجيل مواقف.. لا نتناصح حول حق وباطل.. فأما الصراع فنهايته وخيمة على الجميع، وأما المناصحة فستجمع شمل الأمة وتمنع التفرد والتسلط.

 

لذا فقد انبرت د. زينب رضوان و د. عبد المعطي بيومي للزود عن حقِّ المسيحيين وغير المسلمين في شرب الخمر وحرمة حياتهم الخاصة وتشديد الشريعة على عدم انتهاك حرماتهم ومجاملتهم (انظر المضبطة).. فإذا بإحدى العضوات المسيحيات المحترمات وهي د. جورجيت قليني تتكلم فتبطل حجج أنصار الإباحة ممن تحدثوا من نواب الحزب الوطني وتستنكر أن يكون الدين المسيحي قد أباح الخمور!

 

فتكهرب الجو تحت القبة فانتفض وزير مجلس الشعب (كمال الشاذلي) ليؤكد بأن الأديان كلها حرَّمت الخمر، وأن النواب من حقهم تقديم أي مشروعات قوانين أو تعديلها فلماذا لا يستعملون حقهم؟

 

ومن هنا بدأت حملة لتحويل المطالب النظرية إلى مشروعات عملية.. ذهبتُ إلى مكتبة المجلس ومركزه العلمي للبحث عن قوانين الشريعة التي تمَّ تقنينها منذ عشرين عامًا وحصلتُ على مضبطة الجلسة (70 ) في 2 يوليو 1982م والتي أعلن فيها د. صوفي أبو طالب انتهاء اللجان المُشكَّلة لتقنين الشريعة الإسلامية، ووجدتُ أنه قد تمَّ الانتهاء من تقنين 6 قوانين هي:

1- القانون التجاري والمدني (776 مادة)

2- قانون العقوبات (635 مادة)

3- القانون التجاري والبحري (443 مادة)

4- قانون التقاضي (513 مادة)

5- قانون الإثبات (181 مادة)

6- قانون المعاملات المدنية (1000 مادة)

 

والتي وُضعت كلها كملاحق للجلسة.. وعند البحث عن هذه الملاحق لم يُمكن العثور عليها بل قيل لنا بالنص "هذه الملاحق تمَّ فرمها ولن تجدوها"، وحاولنا مع بعض العاملين في الأمانة العامة معرفة أماكن وجودها فلم نصل إلى نتيجة، وجرى بيني وبين رئيس المجلس د. فتحي سرور مكاتبة بذلك (ما زلتُ أحتفظ بها) أستفسر منه عن أماكن وجود هذه القوانين التي شُكلت لها لجان كان هو عضوًا في إحداها وضمَّت كل أساطين القانون وعلماء الشريعة وشيخ الأزهر والمفتي، ولكنه أوضح بكل بساطةٍ أن هذه القوانين قد سقطت بانتهاء الدور التشريعي الذي قُدمت فيه، وإذا أردت أن تبث فيها الروح فلا بد من تقديمها مرةً أخرى وتعتبر الآن من الوثائق الهامة للاستفادة منها.

 

ولكن أين هي؟ لا يعلم أحدٌ إلا الله كيف ضاع هذا المجهود العظيم الذي تمَّ في أكبر مؤسسات الدولة والتي شارك فيها كل الأساتذة والعلماء تحت إشراف الدولة بمثل هذه السهولة وذلك الهوان؟

 

لا تجد إجابة شافية أو واضحة، فالغموض يلف الأمر برمته.. لذا لم نجد مفرًّا من البحث عن الأعضاء الذين حصلوا على هذه القوانين كملاحق للمضبطة المذكورة سابقًا، وبدأ عدد من النواب يشاركني هذا الأمر مثل الأستاذ عزب مصطفى نائب الجيزة والأستاذ مصطفى عوض الله نائب الفيوم حتى حصلتُ بفضل الله على نسخةٍ من القانون المدني وقانون العقوبات، وتسرَّب الأمر للصحافة فأفردت له جريدة الحقيقة نصف صفحة تتساءل فيها أين قوانين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب المصري هل سُرقت؟ أم تمَّ إخفاؤها؟ ولماذا؟

 

وبدأ الأستاذ حسين محمد- نائب الإسكندرية- في تقديم أول قانون من قوانين الشريعة التي تم إقرارها بالمجلس في عام 1982م وهو عن تحريم وتجريم الخمر وقد سبب مشروع هذا القانون وما تلاه من قوانين مستمدة من إنجاز مجلس د. صوفي أبو طالب قلقًا شديدًا وذعرًا في أوساط الحكومة؛ حيث تم تقديم المشروع إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى فرفعته إلى وزير العدل الذي تخلَّص منه إلى المفتي الذي لم يجد مفرًّا من إرساله لمشيخة الأزهر فإذا بها ترسله إلى مجمع البحوث الإسلامية الذي أقرَّ المشروع وعاد مرةً أخرى كي ينامَ في أدراج لجنة الاقتراحات والشكاوى.

 

ورغم تقدُّم نواب الإخوان بطلبٍ لاستكمال بحث مشروع القانون كي يُحوَّل إلى اللجان المختصة في دور الانعقاد التالي (والذي خرجت فيه من المجلس بمؤامرة إبطال العضوية)؛ تمهيدًا لعرضه على جلسة المجلس إلا أن شيئًا لم يحدث حتى هذه اللحظة فلقد قُبر مشروع القانون في أدراج لجنة الاقتراحات والشكاوى، وهكذا كان مصير كل قوانين الشريعة التي أُرسلت بعد ذلك لتلك اللجنة العتيقة.

 

وعلى هذا فإن موقف نواب الإخوان خاصةً في برلمان 2000م كان متجاوزًا مرحلة المطالبة إلى تقديم نماذج من القوانين التي تم الانتهاء منها في مجلس الشعب تحت رئاسة الدكتور صوفي أبو طالب، لكن ربما أنه لم يعرف بما تمَّ، وهو ما أردتُ أن أوضحه هنا شهادةً للتاريخ على تهرُّب الدولة من تفعيل المادة الثانية من الدستور والتي لم تحظ بما حظت به مواد أخرى في الدستور تم تفصيل القوانين لها بمجرد الانتهاء من إجراءات الاستفتاء المزور في بضع ساعات، أما قوانين الشريعة إعمالاً للمادة الثانية فما زالت منكورة مختفية لا تجد مَن يطالب بها في هذا المناخ المعادي للفكرة الإسلامية ذاتها من قِبل حكومات الحزب الوطني التي جعلت من الإخوان المسلمين معبرًا للنيل من ثوابت الإسلام وتهجَّمت وتهكَّمت على شعار "الإسلام هو الحل" بغير حياءٍ، وامتدت أيدي الزبانية لتمحوه كلما رأوه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.. اللهم بلغتُ اللهم فاشهد.

--------------

* دكتور محمد جمال حشمت- drhishmat@yahoo.com