بقلم: د. محمد السيد حبيب*
انتهز إيهود أولمرت- رئيس الوزراء الصهيوني- فرصة الاقتتال الداخلي بين عناصر من فتح وحماس لكي يشنَّ غاراتٍ على غزة، فيسقط العشرات ما بين شهيدٍ وجريح (إضافةً إلى الاعتقالات التي جرت مؤخرًا)، ويقتحم الشريطَ الحدودي لها لكي يقوم- على حدِّ زعمه- بعملية جراحية (تأديبية) لحماس التي أطلقت على بلدة سديروت بعضًا من صواريخ القسام كردِّ فعلٍ لأعمال التصفية والاغتيال التي قام بها العدو الصهيوني منذ أيام قليلة.. ولن يجد أولمرت أفضلَ ولا أحسنَ من هذه الظروف الصعبة والشائكة التي يمرُّ بها الفرقاء في غزة والتي يلعب هو فيها المحرك الأساسي كي يمضي قدمًا نحو إتمام مخططه الذي يستهدف تصفية المقاومة، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإدخال القضية إلى دائرة النسيان.
ويبدو أنَّ عناصرَ الفتنة لم تكتفِ بالحصار المضروب حول الشعب الفلسطيني منذ أكثر من عام والذي أدَّى إلى توترات واحتقانات داخلية ومعاناة يقاسي منها المواطن الفلسطيني على كافة الأصعدة والمستويات (عقوبة له على انحيازه إلى خيار المقاومة وبهدف إفشال حكومة حماس)، أقول لم تكتفِ هذه العناصر بذلك وإنما أضافت إلى مصيبة الشعب الفلسطيني مصيبة أخرى أشد كارثيةً وأعظم خطرًا.
لقد جاء اختيار محمد دحلان مستشارًا للرئيس أبو مازن للأمن القومي وقائدًا لجهاز الأمن الوقائي والإصرار على تعيين اللواء رشيد أبو شباك نائبًا لرئيس جهاز مدير الأمن الوقائي بقطاع غزة والعميد علاء حسني مديرًا عامًا للشرطة (والمعروفون بميولهم ومواقفهم من حماس) لكي يصب الزيت على النار ويزيد من تفاقم الموقف (نظرًا لوجود جهاز أمني برأسين)، ويؤدي بالتالي إلى إفشال الخطة الأمنية، ومن ثم شلل أي وزير للداخلية يتولى المسئولية.
إنه مما لا شك فيه أن الاقتتال بين عناصر من فتح وحماس يُعدُّ جريمةً كبرى في حقِّ شعب فلسطين وفي حق القضية الفلسطينية برمتها.. نعم هناك عناصر من فتح تؤجج نار الفتنة وتحاول بكل الوسائل والأساليب أن تستدرج عناصر من حماس للوقوع في شباك الاقتتال، ولكن العقلاء والحكماء وأصحاب الرأي يجب أن يكون لهم دور حاسم.. فأيًّا كانت البواعث وراء ذلك فإن الخاسر هو شعب فلسطين.. وهو حكومة الوحدة الوطنية وهو السلطة كلها.. وأن المستفيد هو العدو الصهيوني.. وهو ثانيًا المشروع الأمريكي الذي يسعى إلى الهيمنة والسيطرة والقضاء على الإسلام المقاوم؛ وذلك بإشعال الحرائق (أو الفوضى الخلاقة) في كلِّ المواقع، وفي هذا الموقع بالذات لأسباب نحن نعلمها جميعًا.. وهو ثالثًا بعض الأنظمة العربية التي تسعى إلى إقصاء حماس من الحكومة، أو شل فاعليتها، أو إنهاء وجودها إن أمكن.
إنَّ عدمَ إدراك كل هذه الحقائق أو التغافل عنها، أو حتى عدم إعطائها حقَّها من التفكير والاهتمام يعد في حدِّ ذاته كارثةً بكلِّ المقاييس، ولا يمكن أن يغفر التاريخ، ولا الشعوب لأحد ساهم- ولو بحظٍّ قليل- في هذه الغفلة، فكيف بمَن عمل على إذكاء هذه الفتنة أو المشاركة فيها على أي نحو، أو حتى سكت على ما يجري.
إنَّ ما يحدث في فلسطين الآن هو قضية حياة أو موت بالنسبة للقضية الفلسطينية، هو قضية أمن قومي، وهو قضية الأمة العربية والإسلامية، الأمر الذي يستدعي بالتأكيد أن تحزم قيادة السلطة أمرها، وأن تضع المصلحة العليا لشعب فلسطين والمقدسات الفلسطينية فوق كل اعتبار، ويجب على الهيئات والمؤسسات، على مستوى العالم العربي والإسلامي ألا تألو جهدًا في سبيل درء هذه الفتنة والعمل على إيقاف الاقتتال فورًا، وعلى العقلاء من الفصائل الفلسطينية أن يعملوا على تغليب لغة الحكمة والعقل والحوار، بل والتنبه وعدم الاستسلام لما يقوم به دعاة الفتنة وضرورة تفويت الفرصة على المحرضين ومثيري الأحقاد، وعلى "أبو مازن" على وجه الخصوص البدء بصفةٍ عاجلةٍ وبكلِّ حزم في الالتزام بخطة أمنية تعطي كامل الصلاحيات لوزير الداخلية حتى يضبط إيقاع الحركة والأوضاع الأمنية بعيدًا عن تأثير ضعاف النفوس، فضلاً عن الأجندات الخاصة لبعض دول الجوار (سواء بدافعٍ من عندها أو بضغطٍ يمارس عليها من الإدارة الأمريكية، أو بدافعٍ من الاثنين معًا) والتي لا تفتأ تُغذِّي طرفًا على طرفٍ حتى تسقط حكومة الوحدة الوطنية وتسقط حماس.
--------------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين- Habib1928@hotmail.com