بقلم: حسين عبد الظاهر
كان معيار الإنجاز في أية انتخابات حرة يتمثل في قدرة المرشح على حشد أكبر عدد من الأنصار والمؤيدين، وطرح برنامج انتخابي متميز، يمكنه من الفوز بالمقعد المرشح له، سواءٌ كان في انتخابات مجلس شعب أو شورى أو مجلس محلي أو حتى مجلس نقابة أو جمعية أهلية.
شيئًا فشيئًا هبط سقف الحريات في مصر؛ حتى أصبح معيار نجاح المرشح هو قدرته على تمكين الناخبين من مجرد دخول اللجان والإدلاء بأصواتهم، بغض النظر عما يحدث بعد ذلك من تزوير أو تلاعب في النتائج أو استبعاد للمرشح بحكم قضائي أو غير ذلك، فمجرد أن يجتاز الناخب الحواجز الأمنية، ويفلت من البلطجية، ويصل إلى صندوق التصويت.. كثَّر ألف خيره ويُشكر.
وقد رأينا جميعًا كيف تحايل المصريون على اختراق الثكنات العسكرية التي أقامها الأمن حول اللجان الانتخابية عامي 2000 و2005 بالتخفي، أو بتسلُّق الجدران، واستخدام السلالم والحبال، ولم يبقَ غير حفر الأنفاق- ربما نشهدها الانتخابات المقبلة- فيما يشبه العمليات الفدائية في حرب السويس وغيرها من الحِيَل التي أبدعها الناخبون لتمكنهم من التصويت؛ إبراءً للذمة وقول كلمة حق عند رجل أمن جائر.
لكن على ما يبدو أن رجال الأمن رأَوا أن الانتخابات بهذه الطريقة فيها نوعٌ من التسيُّب والاستهتار، والعملية بهذا الشكل مفتوحةٌ على البحري، والحرية الزائدة قد تأتي بأضرارٍ بالغةٍ على المواطنين؛ لذلك كان من المصلحة أن يهبط سقف الحريات أكثر هذه المرة حتى كاد أن يلتصق بالأرض.
فبات معيار الإنجاز في انتخابات الشورى هو أن يتمكَّن المرشح من مجرد الترشيح، فالانتخابات لم تبدأ بعد، وما زلنا نقول يا رب يا هادي، وإذا بالأمن يمنع ويطارد ويعتقل ويضرب.. أصبح الذي يحصل على لقب "مرشح" يتلقى التهاني كأنه حقَّق إنجازًا لم يسبق له مثيل؛ الأمر الذي جعل الزملاء في (إخوان أون لاين) يحتفون بـ"15 مرشحًا للإخوان قدَّموا أوراقهم في انتخابات مجلس الشورى" ويجعلونه خبرًا متصدِّرًا الصفحة الرئيسية للموقع.
الصورة التي التُقطت للمهندس حمزة صبري- المرشح بالغربية- ورجال الأمن يمسكون بتلابيبه توحي للمشاهد كأنهم قبضوا على أحد تجَّار المخدرات، أو أمسكوا بواحد من الذين نهَبوا أموال البنوك، أو الذين جلَبوا المبيدات المسرطنة، أو أغرقوا المصريين في عبَّارات الموت!!
لا أدري لماذا يصرُّ النظام- في تعنُّتٍ غريبٍ- على أن يكون هو وحده في الساحة ولا أحد معه؟! عندما بادر الإخوان بإعلان خوض انتخابات مجلس الشورى بـ20 مرشحًا فقط، كانت المبادرة تنمُّ عن نية الإخوان في تمثيل جزئي محدود في الانتخابات، وكان المتوقع من النظام أن يتيح لهم ولغيرهم الفرصة للترشيح؛ على اعتبار أنه لو حدث وفاز جميع مرشحي الإخوان، فهم في نهاية الأمر مجرد 20 عضوًا، وهو رقمٌ لا يتناسب بطبيعة الحال مع عدد مرشحي الحزب الحاكم أو مرشحي الإخوان في انتخابات مجلس الشعب الماضية- نحو 150 مرشحًا- أو عدد أعضائهم بالمجلس (88 عضوًا).
لكن النظام الحاكم لا يترك شاردةً أو ورادةً إلا ويعلن فيها أنه حريصٌ كلَّ الحرص على محاربة الإخوان أو أي معارضة فاعلة والتضييق عليهم، سواءٌ قلُّوا أو كثروا؛ حتى يكون وحده في الساحة اللاعب الوحيد.
غلطة حمزة صبري وغيره من مرشحي الإخوان أنهم حاولوا رفع السقف أو على الأقل تثبيته على ما هو عليه، بينما يريد النظام أن يُطبِق السقف على الجميع.
ليست "شطارة" أن يصادر النظام كل شيء، ويمنع كل شيء، ويقبض كل شيء، ثم يقف منفردًا، ويتباهى بشعبيته والقاعدة الجماهيرية العريضة.. ليست "جدعنة" أن أقف وسط الميدان وحدي صائحًا: "أنا جدع".