بقلم: د. أحمد دياب*
منذ أن أعلن السيد رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي عن تطبيق كادر خاص للمعلمين، ونحن نسمع من الحكومة- التي تؤكد مرارًا وتكرارًا- أن التزامها بتطبيق برنامج السيد الرئيس خطٌّ أحمر لا يمكن تجاوزه.. ضجيجًا ولا نرى طحينًا.
والمتابع لضجيج الحكومة فيما يخص كادر المعلمين يجد أنه بدأ ضجيجًا عاليًا ثم أخذ يخفت رويدًا رويدًا، ففي بيانها في يناير أمام المجلس أعلنت في ضجَّة كبيرة أنها ستطبِّق الكادر الخاص بدايةً من 1/7/2006م، وقالت إنها رصدت مبلغ 5 مليارات جنيه لهذا الغرض، لكنَّ الضجيج لم ينتج طحينًا، ثم عادت وأكدت رصد مبلغ 3 مليارات جنيه لتطبيق الكادر في بيانها للعام التالي، ولكن الضجيج لم ينتج طحينًا أيضًا.
ثم عادت الحكومة على لسان وزير التربية والتعليم أمام لجنة التعليم بمجلس الشعب في منتصف أبريل الماضي لتتحدث عن رصد مبلغ 1.25 مليار جنيه في موازنة هذا العام، ولما استعرضنا أبواب الموازنة ولم نجد لهذا المبلغ أثرًا قال الوزير: إنه في بند الاحتياطي، يعنى على الخط وجاهز للنزول للملعب في أية لحظة!!
وحتى تشعرنا الحكومة بأن هذا المبلغ لن يظلَّ على "الدكة" طويلاً، وأنه قام "للتسخين", خاصةً بعد أن أدركت أنه "ليس في كل مرة تسلم الجرَّة"، وأن المعلمين قد أعادوا قراءة التوجيه النبوي "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"؛ حيث وعدتهم العام الماضي قبل امتحانات الشهادات العامة بأنها ستطبِّق الكادر، وما هي إلا أيام لاستكمال الإجراءات ثم نكثت عهدها، ومن ثم فلن يصدقها أحدٌ هذا العام أيضًا، فقد تقدمت أخيرًا بمشروع القانون إلى مجلس الشعب لإقراره، فهل اقتربنا من تجاوز الضجيج إلى الدقيق أو الطحين؟! وهل هو طحين فعلاً يسمن ويغني من جوع أم أنه لا يعدو شيئًا من "نخالة " تذر في العيون ولا تصلح طعامًا للبطون؟!
لقد جاء قانون الحكومة قانونًا "لتكدير" المعلمين وليس "لكادر" المعلمين؛ حيث استوفت الحكومة شروطًا ووضعت عقوباتٍ رادعةً تصل حدَّ الفصل والشطب, ولكن ما هو المقابل الذي ستُعطيه للمعلم حيالَ تلك المنظومة العقابية..؟! 50%من الراتب الأساسي "بدل معلم" أي والله "بدل معلم"، هكذا تسميتها في الجدول الملحق بقانون الحكومة!! وهي ما تعادل حوالي 70 جنيهًا للمعلم الحديث ويا له من كادر!!
ولما سألنا وزير التنمية الإدارية عمَّا وعدت به الحكومة بأن يكون راتب المدرس عند التعيين 500 جنيه كحد أدنى؟! أدخل في الحساب 150جنيهًا مكافأةَ امتحانات..!! وهو نوع من التدليس للإيحاء بزيادة وما هي بزيادة، المعروض باختصار هو "علاوة" ليس إلا، ولم تكن هذه العلاوة في حاجة إلى عامَين كاملَين من الضجيج والمشاورات والأخذ والردّ، فلم تكن تحتاج إلى أكثر من قرار وزاري أو من رئيس الوزراء, أما الكلام عن مرحلة أولى ومراحل تالية فيبدو أنه حديثٌ للاستهلاك المحلي وتمضية للوقت, فإذا كانت المرحلة الأولى شهدت مخاضًا وآلامًا لأكثر من عامين، فماذا عن المراحل القادمة؟! وما أدراك ما مراحل الحكومة؟! ولماذا خلا القانون من أية إشارة لتحديد جدول زمني لتطبيق المراحل التالية حتى لا تترك للتسويف أو المماطلة؟!
وعلى طريقة جحا- أقصد الحكومة- يربط قانون الحكومة بقية المراحل التي لم تحدد أصلاً، بتأسيس أكاديمية لتصنيف وتدريب واعتماد من ينطبق عليهم الكادر الخاص.. فأين نقابة المعلمين؟ وأين مراكز التدريب في الوزارة؟ ألا يمكن- توفيرًا للوقت والجهد, وتفعيلاً للمتاح من الموارد- أن تقوم هذه المراكز بالتدريب والتأهيل، وضمانًا للجودة وحتى لا يغضب السيد وزير التربية والتعليم- وهو دائم الحديث عن منظومة الجودة- يمكن أن تقوم كليات التربية بالأشراف على هذه العملية.
أما عن الدروس الخصوصية وتجريمها وفصل من تثبت في حقه- ولو كانت بالمجان- كما جاء في القانون، فإن اختزال الحل في تشديد العقوبة هو تسطيح للموضوع, فهي ظاهرة متشابكة الأسباب والعناصر اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وتحتاج إلى دراسة عميقة وحلول متدرجة، أما اختصار المشكلة في المدرّس فهو لن يُجدي حلاًّ، خاصةً أن المعروض عليه مقابل امتناعه تمامًا عن الدروس الخصوصية هو "بدل المعلم" إياه!!
نحن لا نطالب برفاهية للمعلمين، بل بالضروريات لحياة كريمة فقط، بثلاث وجبات يومية حتى ولو "فول وطعمية", إضافةً إلى الإيجار والملبس العادي جدًّا والمواصلات.. وكفاية.
إن زيادة 100 % على الراتب الأساسي لجميع المشاركين في العملية التعليمية هو الحد الأدنى للبدء في تطبيق الكادر الخاص للمعلمين، لتحقيق بعض الاستقرار، وتوفير مدخل لإصلاح العملية التعليمية، ولا يقولن أحد من أين؟ فهناك ملياراتٌ تُنهَب وتضيَّع سنويًّا في قضايا فساد مالي وإداري، كما تشير تقارير رسمية، فضلاً عن أن هناك بنودًا في الموازنة العامة, بل من ميزانية وزارة التربية والتعليم نفسها يمكن توفيرها لصالح الكادر الخاص، كما أعلن من قبل الوزير السابق الدكتور أحمد جمال الدين من أنه سيطبق كادرًا خاصًّا للمعلمين دون حاجة إلى زيادة من الحكومة، ولكنه لم يمهل الفرصة للتنفيذ, بل إن الحكومة نفسها- كما ذكرت في أول المقال- كانت قد رصدت 5 مليارات جنيه للكادر في برنامجها للعام 2006م، فهل آن الأوان أن تملأ الحكومة أكياس الدقيق دقيقًا، وليس ضجيجًا؟!
-------
*عضو مجلس الشعب.