د. حلمي القاعود

 

في تاريخ الإسلام كله، كانت المعارضة الحقيقية للطغيان والظلم والفساد، تأتي من جانب علماء الدين الذين كانوا يحرسون العقيدة والشريعة، ويرفضون أن يعتدي عليها طاغية، أو يشوهها سفاح، أو يمسخها ظالم أو فاقد للضمير.. وكان الدفاع عن العقيدة أو الشريعة يعني ضمنيًّا حماية المسلمين وغيرهم، وخاصةً الضعفاء من العسف والجور وتقييد الحريات، وفي تاريخ الإسلام صفحات ناصعة لعلماء ضحوا بأرواحهم من أجل العقيدة والشريعة، بعضهم ضرب عنقه على النطع، وآخرون علَّقوا على المشانق مثل الأراجيح، وبعضهم الثالث تم اغتياله في جنح الليل أو عز الظهر.. ولكن كل ذلك لم يفت في عضد علماء الدين المخلصين، الذين أخلصوا لله، ولم يخلصوا للدينار أو الدولار!

 

وصحيح أيضًا، أن صفحات التاريخ الإسلامي حملت صفحات مخزية ومجللة بالعار لبعض المنتسبين لعلماء الإسلام الذين ناصروا الظلم وأفتوا بالباطل، وتحوَّلوا إلى خدمٍ في بلاط السلاطين، وهؤلاء لم ولن يرحمهم التاريخ، واستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

 

وهناك من الناس- ومن بينهم العلماء- مَن لا يستطيع أن يجاهر بالحق، أو يواجه الطغيان، ولكنه في الوقت نفسه، لا يرضى لنفسه أن يؤيد الباطل، أو ينافق الطاغية، فيلزم بيته أو يبتعد عن موضوع المساءلة، كي لا يتحمل أمام الله والناس مسئولية الباطل والنفاق!

 

في زماننا صار علماء السوء أكثر من الهمِّ على القلب، وصارت الدنيا شاغلهم الأوحد، حتى لو كانوا على شفا القبر، أو اقتربوا بأعمارهم الطويلة من لقاء العادل الذي لا يُظلم عنده أحد، ولكنهم للأسف يظلون متمسكين بأهداب السلطان وأعراض الدار الفانية!

 

ومن أسف أن هؤلاء يجدون لذة حين يضفى عليهم مثقفو الحظيرة، ومرتزقة الفكر، وخدام الغرب والصهيونية، بعض الألقاب التي توقعهم في المحظور، وتجعلهم كأنهم يؤيدون الشيطان في إجرامه ومكائده!

 

قلت إن المعارضة الحقيقية يقودها علماء الإسلام، أصحاب العقيدة والخلق والضمير، الذين يدفعون ثمن معارضتهم قربة لله واحتسابًا، وهؤلاء موجودون في كل عصر، ومهما اشتدت الظلمات، فإنهم يظهرون من خلالها نجومًا مضيئة، تهدي الحيارى، وتزرع الأمل في نفوس المستضعفين، وتشد من أزر الحائرين وتمدَّهم بالسكينة واليقين، وهو ما نراه، في هذه المنطقة أو تلك من عالمنا الإسلامي، المترامي الأطراف، ولولاهم، ومن خلال تمسّكهم بالكتاب والسنة والإجماع، لضاعت منذ زمان بعيد!

 

ومع ذلك فإن العدو الصليبي الاستعماري، وتابعه العدو الصهيوني الاستيطاني، لا يملان ولا يكلان من انتقاء بعض علماء السوء، والترويج لهم تحت شعارات مدوية مغرية مثل التقدم والتنوير والحداثة، بوصفهم خارجين عن سلطان الكنيسة (الإسلامية) والسلطان (الديني)، وما كان في الإسلام كنيسة، وما كان عند المسلمين سلطة دينية في أي وقت من الأوقات.. المؤكد أن السلطة التي وجدت أحيانًا، كانت سلطة العسس، أو سلطة البوليس أو السلطة العسكرية، التي يقيمها أعداء البلاد والعباد، بعد الغزو أو في أعقابه!

 

قبل عدة ليال، خرجت علينا إحدى الفضائيات بتقديم أحد علماء الزمان، وصفته بأنه عميد سابق لإحدى كليات الشريعة في بلد عربي، واستنطقته القناة في عدة قضايا وتكلم الرجل وليته أغلق فمه بالضبة والمفتاح كما نقول في ريف مصر، لأنه أثبت ولاءه المطلق لفكر أعداء الإسلام، وخدامهم هنا وهناك، وتحول إلى نوع جديد من المارينز، أسميه (المارينز الديني)!

 

قال الرجل إنه يفضّل الجلوس بقرب إحدى الممثلات أو الغانيات، ولا يفضل الجلوس بقرب الشيخ يوسف القرضاوي، طبعًا لأن الممثلة جميلة وأنثى وقد تضاحكه أو تشبع لديه رغبة القرب من جمال محروم منه في حياته. أما القرضاوي فهو- كما وصفه- رجل متشدّد مشغول بالدفاع عن الدين وقضاياه، فضلاً عن "تكشيرته" أو عبوسه ال