في موقفٍ تاريخي يُحسب للقضاء المصري ويُكتَب على جبين مصر بمداد الفخر والاعتزاز جاء حكم مجلس الدولة ببطلان إحالة مجموعة الإخوان إلى المحاكمات العسكرية ليؤكد أن القضاء النزيه لا يهاب أي جهةٍ مهما علت وأصدرت من قراراتٍ تخل بميزان العدالة وتخل بالمواطنة.
فكما يقول د. حسن نافعة في مقاله الأخير: "الدستور والقوانين التي خوَّلت رئيس الدولة صلاحية الإحالة إلى المحاكم العسكرية هي ذاتها التي كفلت لأي مواطن متهم حق المثول أمام قاضيه الطبيعي، وحين يتعين على القاضي النظر في قضايا تضع أصحاب الحقوق في مواجهةِ أصحاب السلطان، مثلما هو الحال في القضايا التي تُعرض عادةً على مجلس الدولة والمحاكم الإدارية، تُصبح مهمته الأولى التأكد من عدم تعسف صاحب السلطة في ممارستها ضمانًا لحصول صاحب الحق على حقه، وتلك سلطة تقديرية يمنحها الدستور والقانون للقاضي وليس للحاكم الذي يتحول إلى خصمٍ في مثل هذه الحالات.
والحكم الذي أصدره القضاء الإداري ببطلان قرار رئيس الجمهورية بإحالة متهمين من جماعة الإخوان إلى محاكم عسكرية، بدلاً من المحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي واعتبر أن رئيس الدولة استخدم السلطة الممنوحة له في غيرِ موضعها وبطريقةٍ ألحقت ضررًا بمواطنين حين أنكرت عليهم حقًّا يكفله لهم الدستور، ومن ثَمَّ وجب رفع الضرر وإعادة الحقوق لأصحابها.
ولأن وضع رئيس الجمهورية، في مواجهة مواطنيه أمام مجلس الدولة، لا يختلف عن وضع رئيس أي دائرة حكومية في مواجهة مرؤوسيه، فمن الطبيعي أن يكون للقاضي سلطة إبطال أي قرارٍ إداري يرى فيه مصادرة على حقٍّ يكفله القانون لأحدٍ أو يلحق ضررًا لا يجيزه القانون لأحد، حتى ولو كان صادرًا عن رئيس الدولة نفسه، ولهذا يمكن القول بإن الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بإبطال قرار رئيس الجمهورية بإحالة مواطنين إلى محكمةٍ عسكريةٍ هو حكمٌ يتسق نصًّا وروحًا مع صحيح القانون".
وإن كنا بصدد تهنئة القضاء المصري على هذا الحكم التاريخي فنحن نُهنئ الإخوان كذلك على ثباتهم وقدرتهم على النضال السياسي المستمر وصبرهم على السلطة الظالمة حتى ولو اشتدَّ ظلم الظالمين.
وهنا يبقى السؤال.. إلى متى يستمر الصراع الذي لم يُعرَف له نهاية بين النظام ومواطنيه الذي لم يهدد سلامة الأمة وتماسكها ويحول بينها وبين التقدم والرقي؟!
---------
*م. محسن القويعي- رئيس المجلس المحلي لبندر دمنهور