د. حسن نافعة

 

سيسجل التاريخ بأحرف من نور يوم الثلاثاء الموافق 8 مايو من عام 2007 باعتباره يومًا مشهودًا في تاريخ القضاء المصري، ففيه أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا قضى بوقف تنفيذ قرار رئيس الدولة بإحالة متهمين من جماعة الإخوان المسلمين إلى القضاء العسكري، وتنبع أهمية هذا الحكم من عدة اعتبارات:

 

أولها: يتعلق بثقل الجهة التي أصدرته.

وثانيها: يتعلق بتوقيته.

وثالثها: يتعلق بطبيعته.

ورابعها: يتعلق بدلالاته وتأثيراته المحتملة على مستقبل الحياة السياسية في مصر، فالحكم صدر عن أحد أركان النظام القضائي الأساسية في مصر وهو مجلس الدولة، والذي يفترض قيامه بدور مكمل لدور المحاكم الدستورية العليا باعتباره إحدى الجهات المخولة بضبط أداء السلطة التنفيذية وضمان عدم تعسفها في استخدام صلاحياتها، خاصةً ما يتعلق منها بإدارة شئون العباد وأحوالهم، وصدر في توقيت بالغ الحساسية يتسم بحالة استقطاب حادة تشهدها الحياة السياسية والاجتماعية في مصر وتثير شعورًا بالقلق على مستقبل البلاد ومصيرها، ولأن الحكم يتعلق بموضوع يريد البعض إظهاره ماسًا بأمن الدولة ويمثل تحديًا شخصيًّا لرئيسها، فمن المتوقع أن تكون له نتائج سياسية بعيدة المدى.

 

إن إقدام جهة قضائية في ثقل مجلس الدولة على إلغاء قرار اتخذه رئيس الدولة بنفسه في موضوع على هذه الدرجة من الخطورة وفي توقيت على هذا القدر من الحساسية، ليس بالحدث العادي الذي يمكن أن يمر بلا أثر، ففي تقديري أنه سيكون لهذا الحدث تداعيات مهمة ستبقى معنا لفترةٍ طويلة قادمة سواء امتثلت له الحكومة ونفذته أم لم تمتثل له وقررت تحديه.

 

فامتثال الحكومة له سيقوي موقف جماعة الإخوان وقوى المعارضة في مواجهتها، وعدم امتثالها له سيزيد حالة الاحتقان القائمة سوءًا، وربما يقترب بها من نقطة الانفجار، وفي كلا الحالتين ستخسر الحكومة والنظام وربما المجتمع ككل، وما لم يبادر الجميع ببذل جهود مخلصة للخروج من الحلقة الجهنمية التي أوقعتنا فيها حالة عناد مرضية تتسم بها تصرفات الحزب الوطني، فليس أمامنا سوى انتظار مصير مجهول ومخيف.

 

ليس في نيتي هنا مناقشة الحيثيات التي استند إليها الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري، غير أن تعليقات سمعتها من بعض المنتمين إلى لجنة السياسات على بعض القنوات الفضائية، ترفض الحكم وتجرحه باعتباره مخالفًا لنصوص دستورية وقانونية صريحة، تتطلب وقفة سريعة قبل أن ندلف إلى جوهر الموضوع.

 

ومن نافلة القول إنه لم يكن خافيًا على محكمة القضاء الإداري أن لرئيس الدولة صلاحيات واسعة تعطيه الحق في إحالة ما يراه من قضايا إلى المحاكم العسكرية، ورغم أن المتخصصين في الدراسات السياسية من أمثالي يميلون إلى عدم الاعتراف أصلاً بشرعية أي سلطة تمنح لأي حاكم مستبد حصل على مقعده بالقوة أو عبر عملية انتخابية مشكوك في نزاهتها، إلا أن رجال القانون يتعاملون مع أمور كهذه بمنطق أكثر حصافة، فهم يدركون إدراكًا واعيًا أن مهمتهم تنحصر في تطبيق الدستور والقانون، بصرف النظر عن رأيهم الشخصي فيما يمكن أن يكون قد شابهما من عورات تشكك في شرعيتهما!.

 

وهنا يثور سؤال مهم: ما الركيزة القانونية التي استند إليها القضاء الإداري للحكم بإبطال قرار لرئيس دولة يعطيه الدستور والقانون صراحةً، لا ضمنًا أو اجتهادًا، حق إحالة ما يراه من قضايا لمحاكم عسكرية وليس مدنية؟ الإجابة التي يتعمد أنصار لجنة السياسات إغفالها تبدو بديهية ولا تحتاج لفطنة كبيرة.

 

فالدستور والقوانين التي خولت رئيس الدولة صلاحية الإحالة للمحاكم العسكرية هي ذاتها التي كفلت لأي مواطن يتهم حق المثول أمام قاضيه الطبيعي، وحين يتعين على القاضي النظر في قضايا تضع أصحاب الحقوق في مواجهة أصحاب السلطان،