المقاومة العراقية هي مجموعة العناصر الوطنية التي تتصدَّى للاحتلال الأمريكي للعراق، وتهدف إلى تحرير العراق، بصرف النظر عن مشروع المقاومة لمرحلة ما بعد التحرير؛ لأن الخوض في هذه النقطة له سياق آخر، في ضوء وضع عراقي معقَّد أدى إلى أن يكون قدر المقاومة متوازيًا مع الفرز الطائفي.
فقد قدرت القيادات العراقية الشيعية أن واشنطن تزيح المستبدّ الذي عجزت عن إزاحته؛ ولذلك فإن تركها لهذه المهمة هو خدمة لها، ولم تشأ أن تخدمهم، والأكراد الذين رأوا في الغزو ليس فقط خلاصًا من حاكم يتمسك بعروبة العراق وإنما خدمة لآمالهم القومية في الاستقلال داخل الدولة التي يقيمون فيها، كمقدمة لضمهم في دولة واحدة يتحقَّق بها حقُّهم في تقرير المصير كسائر شعوب المنطقة.
وكانت نتيجة هذه الحسابات الكردية والشيعية أن واجه السنة وحدهم الاحتلال بكل عنفوانه، بل والقوات الحكومية التي تشكلت على أساسٍ طائفي لمساعدة قوات الاحتلال في القضاء على المقاومة، وقد غزت واشنطن هذا الوضع في سعيها لكسر شوكة المقاومة بعددٍ كبيرٍ من السياسات أخطرها الخلط المتعمَّد للقوى داخل الساحة العراقية حتى تلتبس المقاومة الصحيحة بأعمال الإرهاب الطائفي في معظم الأحيان، وتعمد إشعال الفتنة الطائفية تمهيدًا لتقسيم العراق على أساسٍ طائفي.
كذلك عمدت السياسة الأمريكية إلى إشاعة الاعتقاد لضرب المقاومة بأن هذه المقاومة تحارب الولايات المتحدة التي قضت على انفراد السنة بالحكم دون سائر الطوائف الأخرى، وزعمت أن صدام حسين كان يدافع عن سلطة طائفته، وأنه آن الأوان لغيرهم لكي ينعموا بالحرية الطائفية، وكرَّست هذه المبادئ في دستور وضعه الاحتلال؛ حتى يسن قانونيًّا العملية السياسية التي تقوم على الفرز الطائفي، فتحيّر السنة بين قبول الاحتلال من خلال العملية السياسية بنسبة عددهم، أو التخلف عن الركب فتوزع في غيابهم وفي ظل شرعية واضحة لنسبة المؤيدين للاحتلال والراعين إلى استمراره لحمايتهم من العقاب.
فالمقاومة العراقية إذن ظهرت كرد فعل لغزو أجنبي للعراق تذرع بذرائع واهية، وأنزل بالعراق أفدح الضرر في حضارته وتاريخه وحاضره وبدد أمواله وعرض أهله للإبادة والعداء الأهلي.
ولكن المقاومة العراقية ليس مجمعًا عليها عالميًّا، كما لا تعترف بها الحكومات العربية حتى لا تغضب الولايات المتحدة، فضلاً عن أن واشنطن عمدت إلى إدخالها في عداد قوى الإرهاب التي تقضي على العراق كوحدة سياسية وقانونية واجتماعية، نحن نعتقد أن أخطر ما تواجهه المقاومة العراقية هو هذا التحدي في الداخل وجحود الخارج العربي، لدرجة أن صفة المقاومة لم تسجل في الخطاب السياسي الرسمي العربي، وإن كان الشارع العربي يراهن على آثار نجاحها في إحباط المخطط الأمريكي ليس فقط في المنطقة، وإنما أيضًا على مستوى العالم، وإذا كان بدء تجريم الاحتلال الأمريكي للعراق هو مقدمة طبيعية للاعتراف بالبديل المشروع وهو المقاومة، إلا أن التباس الوضع في العراق بين طوائفه من ناحية، وبين قواه المختلفة التي تمس الإرهاب الطائفي ثأرًا أو حماقةً، وهو أمر مقصود، أدَّى بالفعل إلى تبرير التقاعس عن الاعتراف بها، خاصةً أن تدخل إيران على أساسٍ طائفي وسياسي لمحاربة واشنطن في ساحة بعيدة، قد شغل المقاومة عن مقصدها الأساسي والانخراط بدلاً من ذلك في الصراع الطائفي والتمزق المذهبي، فأصبحت الحرب الطائفية مدخلاً إلى التقسيم وليس بديلاً له كما زعمت واشنطن.
وليس الطبيعي أن يختلف العالم العربي حول المقاومة وأن يكون الشباب في مأزقٍ لسبب تعدد الاتجاهات والمواقف من المقاومة لسبب الخلط بين الإرهاب الذي يضرب الساحة العراقية والمقاومة التي تستهدف المحتل، وترتب على ذلك اختلاف الفتوى ودخل رجال الدين على الخط، فالدول العربية الموالية لواشنطن لا تريد لشبابها الانخراط مع المقاومة في محاربة القوات الأمريكية، كذلك فإن هذه الدول تعاني إرهابًا انخرط فيه بعض القادمين من العراق مما يُذكرِّنا بمجموعة الأفغان العرب الذين تعلموا في مدرسة القاعدة وانقلبوا على نظمهم بسبب علاقتها بالمستعمر الأمريكي وحيث أفتت القاعدة بأن إسقاط هذه النظم أو فك ارتباطها بالمستعمر الأمريكي له أولوية متقدمة على محاربة المحتل الأمريكي في العراق، وقد أفتى رجال الدين بأن الذهاب إلى العراق هو انخراط في الفتنة ومروق عن الدين، بينما أفتى غيرهم بأنه نصرة للمسلمين في العراق ضد أعداء الدين والوطن وشركاء المشروع الصهيوني، فرض عين.
وحار الشباب بين الاتجاهين، ولكن معظم العائدين من العراق إما يئسوا وسكنوا في أوطانهم، أو عادوا لاستئناف الجهاد ضد حكوماتهم، فاتخذت الحكومات العربية عمومًا موقفًا معاديًا من الذاهب إلى العراق والعائد منه كليهما، والأغلب أن هذا الموقف تركته غريزة الأمن التي لا تنفصل عن الحاسة السياسية، ولو استقام الأمر للحكومات العربية لشجَّعت المقاومة ما دامت تدين الاحتلال ولاعتبرت نصرتها واجبًا سياسيًّا ودينيًّا ما دامت النصرة لشقيق اعتدى عليه بغير جريرة، ولكن المشكلة هي أن واشنطن تمكَّنت من منع الإجماع العراقي على طلب الانسحاب وخلقت لكل فريقٍ مصلحة في إبقاء القوات الأمريكية حتى بتنا نجد الأمريكيين أكثر حرصًا على عودة أبنائهم من العراق، بينما غالبية العراقيين من الأكراد والشيعة يرون الوجود الأمريكي ضمانًا لنفوذهم، ومعلوم أن الجهاد ضد المحتل السوفيتي كان جهادًا دينيًّا ضد عدو ملحد، وعزى الإعلام والسياسة الأمريكية هذا الخط، مما دفع الحكومات الإسلامية إلى تشجيع أبنائها على الانخراط في هذا الجهاد وتسابق المفتون في تبشير قتلاهم بالشهادة والجنة.
فلما تحقق لواشنطن ما أرادته ضد موسكو في أفغانستان من توريطٍ ثم الإجهاز عليها بتحالفٍ كاملٍ مع العالم الإسلامي وتوجيه كافة العداء الإسلامي للغرب وإباحيته وتاريخه الاستعماري نحو المحتل الملحد السوفيتي، انقلب الصراع في أفغانستان من معاداة الغاصب السوفيتي إلى صراعٍ على السلطة بين رفقاء الأمس، وقد كررت واشنطن مقولات موسكو ضد المقاومة في أفغانستان فصورتهم على أنهم متمردون إرهابيون عصاة ضد الحكومة الشرعية التي لعبتها موسكو مثلما فعلت واشنطن، كما حاولت موسكو أن تنزع رداء الوطنية عن الجهاد واعتبرته إرهابًا إسلاميًّا وحربًا دينيةً بين المؤمنين الموحدين وبين الملاحدة، وفق تركيز الخطاب الديني السياسي والإعلامي الغربي.
بنفس المنطق، تحارب واشنطن المقاومة العراقية بمعدلات مماثلة أخطرها في هذا المناخ الطائفي أن المقاومة هم فقط السنة الذين لا يدافعون عن الوطن العراقي المحتل وإنما يدافعون عن مكتسباتهم ونظامهم السابق، وأنهم يعملون على استرداده بكل صوره القبيحة التي اجتهدت واشنطن في تغييرها حتى صارت حملتها لمحو هذه الصورة البشعة تكتسب مشروعيةً أخلاقيةً وسياسيةً واسعةً؛ لذلك تُركز واشنطن على أن المقاومة السنية محدودة إذا قُورنت بأغلبية الشعب العراقي من الأكراد والشيعة الذين عانوا الكثير على يد تسلط حكم الأقلية السنية، الذين يحاربون تحول العراق إلى حكم "الأغلبية" الديمقراطي حتى إنه لو أُجري استفتاء في العراق على ذلك لقالت هذه الأغلبية إنها تشكر واشنطن وترجو أن تستمر مهمتها الأخلاقية حتى تدحر الأقلية التي تريد جر العراق إلى ماضٍ مظلم لا يخدم سوى مصالحها.
وإذا كان الجهاد الأفغاني والمقاومة العراقية كلاهما رد فعل لغزو أجنبي، فإن صفة الجهاد تغلب الطابع الديني على الطابع الوطني السياسي، صحيح أن بعض طوائف المقاومة العراقية تنتمي إلى تيارات دينية وتجعل الدين مرجعيةً لقتال الغزاة، إلا أن القضية في النهاية تتعلق بتحرير وطني، أما الفارق الحاسم الآخر، بالإضافة إلى الطابع الديني للجهاد الأفغاني فهو أن أفغانستان كلها أجمعت على قتال السوفيت، بينما نقطة الضعف الأساسية في العراق هو غياب الإجماع الوطني عن المقاومة، ولو تحقق الإجماع لرحلت واشنطن منذ اليوم الأول، وهذه الحقائق الطائفية هي أكبر ضمان لبقاء الاحتلال وبث الاضطراب في الداخل والخارج من المقاومة الوطنية.
هذه الحقائق المرتبطة بالموقف من المقاومة سوف تلقي بظلال قائمة على عراق ما بعد الاحتلال؛ لأن معيار الجدارة بمكان في العراق الجديد هو المشاركة في المقاومة، بينما التفاضل بين المواطنين في العراق وفقًا للغالبية للشيعة والأكراد هو عدم التعارض مع الاحتلال الذي ناب عنهم في التخلص من الحكم المستبد الذي عجزوا عن إزالته.
يترتب على ما تقدَّم أنه إذا كان الجهاد الأفغاني قد لقي إجماعًا في الداخل والخارج، سياسيًّا ودينيًّا، بسبب وجود المصلحة الأمريكية في هذا الجهاد في إطار الصراع الأمريكي- السوفيتي "الحرب الباردة"، فإن الإجماع قد انعقد أيضًا على أن العائدين من أفغانستان بعد الجهاد قد تحولوا من أصدقاء إلى شياطين بعد أن تغيرت مصلحة واشنطن، وبصلتها السياسية أوعزت إلى هؤلاء العائدين لاستخدامهم ضد نظمهم الوطنية للضغط عليها حتى تنسجم هذه النظم مع المصالح الأمريكية، وكانت هذه المجموعات العائدة تحظى بالرعاية الأمريكية فأحدث تناقضًا بين المصالح الوطنية للدول العربية والمصالح الأمريكية، ولما انقلب ميزان المصلحة الأمريكية ضد هؤلاء العائدين تحول موقف النظم الوطنية إلى معاداتهم والصدام معهم، أما العائدون من العراق فإنهم يعاملون نفس معاملة المجاهدين بعد أن انقلبت عليهم الولايات المتحدة، والسبب في ذلك واضح وهو أنهم خرجوا ضد رغبة حكوماتهم وقاتلوا حليفًا لهذه الحكومات فوقعوا ضحية التناقض بين المواقف العربية والفتاوى الدينية.