بقلم: د. أحمد دياب*
التشويش على وعي الناس والتدليس على أفكارهم من أخطر الجرائم التي تمارس عليهم، وعندئذٍ يفقدون البوصلة وتتوه الخطوات، فيصبح الوهم حقيقةً والحقيقة وهمًا!! وحينها لا تكون هناك عبرةٌ حكيمةٌ من ماضٍ، ولا استشرافٌ دقيقٌ للمستقبل، ومن هنا كان ولا بد في تحليل الأحداث وتقييم المواقف من إزاحة غبار الهوى والمصالح الشخصية وأساليب التمحُّل- تحميل الأمر ما لا يحتمله- وإشاعة جو من المنهجية العلمية والموضوعية.
من هذا المنطلق دعونا نناقش بهدوء تلك الحملة التي يمارسها البعض بدوافع مختلفة على جماعة الإخوان المسلمين، والتي لا تكاد تهدأ حتى تثور، متخذةً أشكالاً عدة من التشكيك والتحريض والهجوم والاتهام.. والتي يدفع ثمنها الإخوان، تضييقًا واعتقالاً وأحيانًا تعذيبًا وقتلاً، والتي كان آخرها إحالة 39 من قيادتها- من بينهم النائب الثاني للمرشد العام- للمحاكمة العسكرية، رغم أحكام متتالية من القضاء الطبيعي ببراءتهم، ثم تلا ذلك القبض على مجموعة أخرى من القيادات، من بينهم نائبان في البرلمان، ثم رفْع الحصانة عنهما!!
والخاسر جراء هذه الممارسات المتشنِّجة التي تستبدل عقل السياسي بعصا الأمن حقيقةً ليس الإخوان وحدهم ولكن الوطن كله والأمة كلها، بل والنظام نفسه أيضًا.. فهل الإخوان خطر حقيقي أم متوهَّم؟ وإذا لم يكونوا فهل هناك خطر حقيقي؟ وما هو؟!
بدايةً.. المُشاهِد للحملة التي تتعرَّض لها جماعة الإخوان المسلمين على صفحات الجرائد وفي وسائل الإعلام المختلفة وخاصةً الرسمي منها يدرك حجم هذه الجماعة وتأثيرها الكبير في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر والعالم العربي والإسلامي، ومن ثم فهي دائمًا تحت المجهر، وفي مرمى النقد الذي ترحِّب به وتستفيد منه، كما أنها في مرمى الهجوم والضغوط والابتلاءات التي تتحمَّلها طيلة مسيرتها، محتسبةً ذلك عند الله، شعارها في ذلك قوله تعالى: ﴿..وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)﴾ (إبراهيم) وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)﴾ (الشورى).
ومن ثم فقد حزمت أمرها، وتوكلت على ربها منذ نشأتها وحتى الآن، وتبنَّت المنهج السلمي التدريجي المتأني، والنضال السياسي طويل النفس؛ لتحقيق الإصلاح والتقدم لأمتها ووطنها، ليس من قبيل "التكتيك" المرحلي أو الإجراء الآني فقد مضى من عمرها ما يقارب ثمانين سنة، مرَّت فيها بمراحل مختلفة من القوة والانتشار الذي قد يغري باستخدام القوة أو العنف والقدرة على تعجُّل الثمرة واختصار المراحل والقفز على السلطة، ومع ذلك لم تفعل.
وتحملت ما وجِّه إليها من نقدٍ لاذعٍ واتهامٍ بالغباء السياسي والعجز والفشل، ولم تتخلَّ عن منهجها السلمي المتدرِّج، رائدها في ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ (النحل).
وكذلك مرَّت الجماعة بمراحل من الاضطهاد والتعذيب والقتل والتشريد والحصار، فلم تفقد البوصلة في هذا الجوِّ الغائم، ولم تحوِّلها رياح البطش والعنَت عن وجهتها, بل خرجت من أزمتها أصلب عودًا وأكثر ثباتًا على مبادئها، وتصدَّت وهي في أوج محنتها للانحراف الفكري المتمثل في قضية التكفير, والانحراف الحركي المتمثل في تبنِّي منهج العنف أو التغيير المسلَّح, فكانت رؤيتها الثابتة ومنهجها الواضح في الدعوة والإصلاح والتغيير من خلال الوسائل الشرعية الدستورية والقانونية والسياسية، ولم يثبت حتى الآن- ورغم كل ما لاقاه الإخوان من أهوال- تورُّط الإخوان على المستوى الجماعي أو الفردي في قضايا عنف أو قتل أو تخريب، ولو حدث ذلك لقامت الدنيا ولم تقعد، ومن يملك دليلاً أو إدانةً فليتقدم به وليأخذ القانون مجراه.
إن الذين يتهمون الجماعة بالعنف والإرهاب لا يجدون في تاريخها الطويل الناصع إلا حوادث فردية كمقتل الخازندار أو النقراشي, وهي حوادث أدانتها الجماعة بشدة في وقتها، ونفَت علمها بها قبل حدوثها، فهي شذوذ أفراد وليست انحراف جماعة.
ورغم أن الجماعة في أدبياتها ومنهجها وممارستها خلال تاريخها الطويل ومراحلها المختلفة تؤكد- قولاً وفعلاً.. فكرًا وحركةً- أنها تؤمن بالإصلاح السلمي الدستوري المتدرِّج إلا أن البعض ما زال مصرًّا على منهج التجنِّي والاتهام دون دليل.
وإن كنا نعذر البعض في حكمهم لأنهم وقعوا لفترة طويلة أسرى تلك الصورة المشوَّهة والكاذبة التي ظلَّت- وما زالت- أجهزةٌ عديدةٌ ترسِّخها في أذهان الناس عن الإخوان، مستغلةً احتكارها لفترة طويلة لوسائل الإعلام في فرض هذه الصورة.. فإن بعض هذا العذر الآن قد يزول بحدوث هذه الانفراجة والانفتاح المعرفي والمعلوماتي، من خلال الإنترنت والفضائيات وغيرها، فندعوهم إلى التعرف علينا من خلالنا أو من خلال المحايدين من غيرنا.
أما الفريق الآخر.. أولئك المتحاملون.. الذين يعملون وفق مصلحتهم الخاصة، ويأكلون على كل الموائد، لا يكتبون إلا بثمن، وهم يعرفون من الذي يعطيهم الثمن.. فهؤلاء لا نملك لهم إلا الدعاء أن يشفي الله صدورَهم من الحقد، وأن يريَنا وإياهم الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتباعه والباطلَ باطلاً ويرزقَنا اجتنابَه.. فهل الإخوان- وهذا تاريخهم وتلك أفكارهم ومبادئهم وممارساتهم في أرض الواقع أيضًا- يمثِّلون خطرًا على الوطن؟! أم أن هناك مَن يريد أن يصرف الناس عن خطر حقيقي بهذا الخطر المتوهم؟!
حقيقة الأمر أن هناك أصحاب مصالح في شغل الناس وصرف انتباههم بخطر متوهَّم عن الخطر الحقيقي الذي يسلب حريتهم ويقيِّد حركتهم ويضيِّق عليهم معيشتَهم ويُصدِّر إلى كل بيت من بيوتهم مشكلة، إما عاطلاً.. وإما عانسًا.. إما مريضًا.. وإما معتقلاً!!
- الخطر الحقيقي في تكريس الاستبداد وحالة الانسداد السياسي وتقييد الحريات مما يصنع مناخًا خانقًا يُنذر بالكوارث..
- الخطر الحقيقي في هذا الفساد الذي استشرى في معظم القطاعات والذي تزكم رائحته الأنوف من الفساد المالي والإداري، الذي مصَّ دماء الشعب، وجعل غالبية الشعب تحت خط الفقر يتسوَّل حتى لقمة العيش، علمًا بأنه أول بلد زراعي في التاريخ، وبه أعظم أنهار الدنيا، وبه مخزون هائل من المياه الجوفية، ومع ذلك لا يجد شربة ماء نظيفة، ولا يجد علاجًا لمرضه, ناهيك عن توفير بيئة صحيَّة تكون وقايةً من الأمراض.. هذا الفساد هو الذي هرَّب المليارات إلى الخارج.
- الخطر الحقيقي في هذا التخلُّف العلمي والتقني الذي نعيشه بلا مبرِّر، اللهم إلا عجز الإرادة وفشل الإدارة.
- الخطر الحقيقي في هؤلاء النفر من المصفِّقين للاستبداد، المروِّجين للفساد، الذين يلبسون الحق بالباطل وهم يعلمون، الذين يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالح شعبهم وأمتهم، فيساعدون على سرقة أوطانهم، وسحق شعبهم جوعًا ومرضًا وكبتًا!!
هذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن ينشغل به الجميع، والذي هو محل إجماع من كافة القوى والأحزاب السياسية وغالبية الشعب المصري.
وأخيرًا سيبقى الشعب بخبرته وتجاربه صاحب الكلمة الفصل في تحديد مَن الذي يمثل الخطر الحقيقي عليه وعلى الوطن ومصيره، وهو من الوعي بواقع حياته اليومية بحيث يستطيع أن يفرز ما هو الخطر الحقيقي وما هو الخطر المتوهم.. فقط ارفعوا وصايتكم عنه، وكفُّوا عن التشويش عليه، وأعطوه حقه كمصدر للسلطات كما ينص الدستور، واتركوا له الحكم.. ونحن بحكمه راضون ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17) صدق الله العظيم.
---------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري.