بقلم: د. سعد عمارة
بدأت نغمة جديدة تتسرَّب في بعض وسائل الإعلام تتحدث عما أسموه استغلال بعض القوى السياسية لأزمة القضاة، وطلب بعضهم بشكلٍ واضحٍ أن يرفع الإخوان أيديَهم عن القضاة (مقال بـ"المصري اليوم").
ولكن ما أزعجني أكثر هو تبنِّي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان نفسَ النغمة؛ حيث كنت شخصيًّا مشاركًا في ندوه للمنظمة في 30/4/2007م، وتعجَّبت أن يتبنَّى الأستاذ حافظ أبو سعدة- مدير المنظمة- ذات المنطق الذي يتفق مع منطق الحكومة المصرية، التي تسعى بشكل واضح لخلط الأوراق من أجل الإجهاز على انتفاضة القضاة.
والحقيقة أن ظهور تلك النغمة في هذا الوقت بالذات يثير علامات استفهام كثيرة، خاصةً أن قمة الأزمة قد مرَّ عليها عام تقريبًا حين تمَّ تحويل المستشارَين الفاضلين مكي والبسطويسي للجنة صلاحية؛ بسبب موقفهما من تزوير الانتخابات، وحينها أعلنت الأحزاب المعارضة الرئيسية والقوى السياسية الفاعلة تضامنَها الكامل مع القضاة، وحين جاء المحك العملي للتضامن وكشَّر النظام عن أنيابه وحذَّر من عواقب وخيمة بالنزول إلى الشارع لمساندة القضاة، فتراجع الجميع، ما عدا الإخوان وكفاية، حيث نزلت جماهير الجماعتَين مستهينةً بالمواجهة الأمنية وما ترتب عليها من ضرب وسحْل ومعتقلات، ولقد ضحت هذه الجماهير إيمانها بضرورة استقلال القضاء وحمايته من تغوُّل السلطة وشراستها، فتحمَّلت الضرب على ظهورها كي لا يَصِلَ إلى القُضاة أيُّ سوء، ولسوف يسجِّل التاريخ بأحرف من نور هذا الموقف الوطني للجماعتَين، ولولا هذا الموقف لربما قصَم النظام ظهرَ القضاة.
ولا ننسى في هذا الصدد موقف نواب الإخوان والمستقلين حين استجابوا لنداء الواجب ووقفوا مع القضاة بكل ما يملكون.. أقول إذن أين الاستغلال الذي حدث من جماعة الإخوان للقضاة؟! خاصة أن أحدًا من الجماعة لم ولن يطلب من القضاة شيئًا مقابل هذا الموقف الذي اتخذته الجماعة ودفعت الثمن؛ حيث دخل المئات من أفرادها السجون- دونما منٍّ على أحد- إحساسًا منها بالأهمية العظمى لاستقلال القضاة من أجل رفعة هذا الوطن، بعدما عمَّ الفساد والاستبداد، وأصبح لا أمل لأي مواطن مظلوم إلا في حصن القضاء، بعد الله سبحانه وتعالى.
وهنا يثور تساؤل: ماذا كان يريد هؤلاء الذين يدَّعون اختراق الإخوان للقضاء؟! هل كانوا يريدون من الإخوان لنفي تلك التهمة أن يتركوا القضاةَ يُلاقون مصيرهم أمام السلطة التي اغتصبت حصانَتَهم وسَحَلَت أحد القضاة أمام ناديهم؟! هل كانوا يريدون من الإخوان أن يكتفوا بإصدار بيانِ شجبٍ وتنديدٍ كما فعلت بعض الأحزاب؟!
إن الأمر المثير للعجب أن تأتي هذه الاتهامات متطابقةً تقريبًا مع المزاعم الحكومية، وأيضًا مع إجراءات على الأرض تقوم بها الحكومة لضرب نادي القضاة، وأصبح واضحًا للجميع أن الذي يقوم باختراق القضاة واستغلال بعضهم هو النظام الحاكم وليس الإخوان.
وفي النهاية أقول إن واجب المنظمة المصرية لحقوق الإنسان- من وجهة نظري- الدفاع عن استقلال القضاة من التدخلات الحكومية؛ حتى تضمن حقوق الإنسان، كما يجب أن تكون مستقلةً عن الحكومة والمعارضة.
أخيرًا.. فإنني أحذر من طبخة حكومية- برائحة كريهة- تتم في الكواليس هذه الأيام تحديدًا؛ لضرب حركة القضاة الإصلاحية، وهذا يحتاج من جديد إلى الاصطفاف الوطني بكل أطيافه خلف القضاة؛ باعتبارهم حصنًا أخيرًا لهذا الشعب الصابر، وأدعو جميع الأحزاب والقوى السياسية إلى عدم الخلط بين مصالحها الضيقة والمصلحة العليا للوطن.