عُقد في شرم الشيخ يومي 3 و4 مايو 2007م مؤتمران، أولهما لمساندة الحكومة العراقية في برامج المصالحة الداخلية والمساعدة في إعمار العراق بأكثر من 30 مليار دولار فضلاً عن إسقاط الجزء الأكبر من الديون المستحقة للدول الأخرى عن العراق, والمؤتمر الثاني يبحث في علاقة العراق مع الدول المجاورة وفي مجمل مستقبل التسوية في العراق.

 

تقييم هذا المؤتمر الذي يبحث المأساة العراقية من جوانب متعددة يتجه اتجاهين متناقضين, الاتجاه الأول يرى أن هذا المؤتمر الذي دعت إليه الولايات المتحدة وأنها لا تزال تأمل في تهيئة الأوضاع في العراق على أي شكل من الأشكال؛ بحيث يمكن لها أن تستمر وأن تحقق أهدافها التي ذهبت إلى العراق من أجلها وأن ترفع الحرج عنها داخل الولايات المتحدة وخارجها وأن تعتبر حملتها في العراق أكبر إنجازات الإدارة الأمريكية منذ التجربة اليابانية خاصة أن الولايات المتحدة كانت تردد دائمًا بأنها تنجز في العراق مهمتين غير مسبوقتين.

 

إذا كانت في اليابان قد حققت مهمةً واحدةً وهي وضع الدستور الذي قامت على أساسه حكومة ديمقراطية مسالمة, فإن واشنطن في العراق زعمت أنها أسقطت الحكم المستبد في العراق وهو بذاته إنجاز ربما يُجمع الشعب العراقي بجميع طوائفه عليه وهو الذي أغرى الولايات المتحدة بأن تحلم بأن إسقاط تمثال صدام سوف تتبعه الورود والزغاريد ومظاهر البهجة والامتنان للرئيس بوش والمهمة الثانية هي استبدال هذا النظام المستبد المكروه في الداخل وفي جيرته القريبة بنظام ديمقراطي مشرق تزدهر فيه حدائق الحرية ويشعر فيه الشعب العراقي بالامتنان للمرة الثانية لصاحب اليد البيضاء.

 

وفقًا لهذه الرؤية فإن مؤتمر شرم الشيخ هو أحد المؤتمرات التي تضاف إلى سابقاتها والتي تحاول أن تجمع بين المتناقضات ولا تريد أن تعالج الأمور معالجةً جذريةً. ويلاحظ أتباع هذا الاتجاه أن المؤتمرين في اليومين المتتاليين في شرم الشيخ قد أسفرا عن محفزات دولية وتعبيرات عالية عن حسن النية تجاه الشعب العراقي مقابل تعهد حكومة المالكي بعمل الكثير وهي أعجز عن أن تحمي نفسها وأن تغادر المنطقة الخضراء وأن تعمل بعيدًا عن دائرة الحماية العسكرية الأمريكية السياسية.

 

يرى هذا الفريق أيضًا أن الولايات المتحدة التي مكنت لإيران في العراق هي نفسها التي تحاول مغازلة إيران من أجل ورطتها في العراق, وإيران تتمنع لأنها تعلم أن ورقتها الرئيسية ضد الولايات المتحدة هي الورقة العراقية ولذلك فإن التناقض واضح داخل هذا المؤتمر فكيف يدعو المؤتمر إيران والدول المجاورة للعراق بأن تكف عن مساندة المقاومة العراقية ضد الاحتلال وهي التي سماها المؤتمر بقوى الإرهاب واعتبر المالكي أنها فزعت بسبب إنجازاته الخارقة في خطته الأمنية لأنها لا تريد أن يولد العراق الجديد المتعافي من أزمته الطاحنة؟.

 

وفي نفس الوقت فإن الدول المجاورة تدرك أن هذه المقاومة بالذات هي التي ستخرج الولايات المتحدة من العراق وأن المقاومة بذاتها هي الورقة الكبرى في يد هذه الدول والدليل على ذلك هو أن هذه الدول إذا كفت عن مساندة المقاومة فسوف تستغني عنها الولايات المتحدة ويستقر قرارها في العراق ويزدهر المشروع الأمريكي في عموم المنطقة العربية بما في ذلك هذه الدول المجاورة, وإذا كانت إيران لوحت للولايات المتحدة على لسان رئيسها بأن واشنطن لديها الخيار بين التفاهم أو الصدام مع إيران, فإن التفاهم مع إيران يمر عبر ورقتين كبيرتين كبراهما العراق وأقلهما الملف النووي, وكلا الورقتين تظهر "لإسرائيل" فيهما مصلحة محققة.

 

يرى هذا الفريق أيضًا أن إسقاط الديون عن العراق هو هدف أمريكي دائم وأنه خطوة متهورة من جانب الدول العربية لأنها تعني مساندة النظام القائم وتوفير الأموال لكي تنهبها الحكومة مع مجموعة المافيا الأمريكية في العراق, ويفهم هذا الفريق أن تقديم الأموال للعراق وزيادة قدرته المالية بإسقاط الديون يجب أن يكون مكافأةً لحكومة وطنية غير طائفية وليس لمجرد وعود لا تستطيع الحكومة ولا تريد أن تنفذها لأن مجرد تنفيذها يعني زوال هذه الحكومة.

 

ولذلك عندما اقترح عمرو موسى في المؤتمر أن تشارك المقاومة العراقية في التسوية وأن تكف الحكومة العراقية عن مساندة فرق الموت التي تقطع أوصال الشعب العراقي وتتصدى لأبناء السنة فيه بدعم من إيران, أحدث ذلك ارتباكًا في الدوائر الأمريكية والعراقية, ولحسن الحظ فإن أطرافًا عربيةً رئيسيةً من بينها مصر والسعودية قد تعاطفت مع هذا الخط صراحةً في كلمات وزرائها الرسمية وكانت مطالبات هذه الدول للحكومة العراقية نقيضًا كاملاً لما وعدت به الحكومة ووثيقةً دامغةً بأن الحكومة في ذاتها لا تصلح لتنفيذ هذه الوعود, فضلاً عن إصرار هذه الدول على جدولة انسحاب القوات الأمريكية وهي لغةٌ جديدةٌ في الخطاب السياسي العربي.

 

أما الفريق الثاني في تقييم مؤتمر شرم الشيخ فيرى أن المؤتمر لم يخل من فائدة وأبرز الفوائد التي ظهرت في المؤتمر هي أنه يعقد لأول مرة لكي يضم كلَّّ أطراف المجتمع الدولي وأكثر من 60 دولةً من أركان الدنيا الأربعة, والتي أظهرت إصرارًا على إنقاذ العراق من محنته, ووضعت يدها على ما يعاني منه العراق ولكنها غفلت عن أن تضع يدها على أسباب المعاناة فكأن هذه الدول أرادت لجرح العراق أن يشفى بأي ثمن قفزًا على واقع يرون جميعًا أسبابه ومسبباته.

 

ومن مزايا هذا المؤتمر أنه أتاح للحكومة العراقية الفرصة الأخيرة لكي تكتب بنفسها ولنفسها وثيقة بقائها أو إعدامها ولكن فات المؤتمر أن يضع آليات للمراقبة والمتابعة. أما المزية الثالثة فهي تلك الاتصالات الجانبية التي تمت في ردهات المؤتمر خصوصًا بين الولايات المتحدة وسوريا وإن كان الاتصال الأمريكي مع إيران قد كشف أن الولايات المتحدة تريد التفاهم مع إيران ولكن دون أن تفصح عن ذلك أو أن تلتقي بها علنًا, مما دفع إيران إلى الاعتقاد بأن واشنطن هي التي بحاجة إليها وعليها أن تتحمل ثمن ذلك راضيةً أو مرغمةً.

 

وقد اتجه بعض المراقبين إلى المبالغة في قيمة المؤتمر بالنسبة لهذه النقطة لدرجة أنهم اعتبروا أن المؤتمر قد نظم خصيصًا لكي يكون ستارًا لهذا اللقاء. ويذكر الجميع أن اللقاء الأمريكي الإيراني هو أحد أهم توصيات لجنة بيكر هاملتون وكذلك الاتصال بسوريا, ولكن في الوقت الذي ترك لنانسي بيلوسي- رئيسة مجلس النواب الأمريكي- أن تتصل بسوريا إزاء الانتقادات الحادة من جانب البيت الأبيض, ويتردد أنها تنوي زيارة إيران أيضًا، إلا أن الإدارة الأمريكية تتجه رغمًا عنها إلى ترتيب اللقاء مع إيران مما يعكس الإدراك الأمريكي بالدور المركزي الإيراني في العراق, فضلاً عن فشل الولايات المتحدة في محاولة حصر التفاهم مع إيران في المسالة العراقية.

 

يرى هذا الفريق أيضًا أن الوضع في العراق قد وصل لمرحلة بالغة التعقيد تداخلت فيها خطوط داخلية وخارجية وقاسمها المشترك الأعظم هو الوجود العسكري الأمريكي, مركز الثقل في دائرة التفاعلات داخل العراق, رغم أن المقاومة العراقية بدأت تفرض نفسها ولو بشكل هامشي في الظلال السياسي للمشهد العراقي, ورغم أن إشارة الجامعة العربية إليها بهذا القدر من الجسارة يمهد لإدخالها كحقيقة سياسية ونقلها من مستوى الافتراض السياسي أو الاحتمال في الحسابات السياسية, ولذلك يؤكد هذا الفريق على أن استمرار الحكومة الطائفية في العراق والتي تعتبر نفسها حكومةً ديمقراطيةً منتخبةً سوف يشجع الحكومة والأطراف الأخرى على تحقيق المصالحة الوطنية تمهيدًا لتغيير الساحة السياسية في المستقبل وأنه من العبث أن نفترض المثالية الكاملة في وضع غير مثالي كما لا يمكن أن نفترض سهولة إعادة ترتيب الأوضاع في العراق بنفس القدر من السهولة التي تعقد بها هذا الوضع منذ البداية.

 

والخلاصة أن مؤتمر شرم الشيخ هو سوق كبير ذهب إليه أعضاؤه بأجنداتهم الخاصة وخرجوا منه بحسابات خاصة, ولا أظن أن العراق وأمنه واستقراره قد خرج بالكثير, بل لعل الانطباع العام الإيجابي يتناقض مع احتمالات الخواء في التنفيذ, كما قد يعطي انطباعًا واهمًا بأنه لا حاجة للانسحاب الأمريكي للعراق ما دامت الحكومة العراقية قادرةً على المصالحة الوطنية في ظل الحماية الأمريكية وقادرة على تصفية الميليشيات, بل على العكس فإن نتائج المؤتمر بهذه الطريقة تتجاهل حقيقة أساسية عمدًا وتقفز عليها وهي أنها لا تزال تنظر إلى المقاومة العراقية على أنها تمرد وإرهاب وأن فكرة المصالحة دون إعادة توزيع الأوراق السياسية في الساحة العراقية بما في ذلك قوى المقاومة سوف يكون عبثًا وسوف يكون إصرارًا على التمسك بأن المقاومة يجب أن تستبعد من ساحة التسويات. وقد يتساءل القارئ من هو الكاسب الأكبر؟ ومن هو الخاسر الأكبر في سوق شرم الشيخ السياسي؟

 

ورغم وجاهة السؤال إلا أن لدينا نوعين من الحسابات السياسة: النوع الأول لا يخرج به المراقب بناءً على رؤيته للكسب والخسارة لدى الأطراف المختلفة, أما النوع الثاني فهو تقدير كل طرف لما كسبه أو خسره في هذه المباراة, ولكن المحقق أن انعقاد المؤتمر لتكريس الأهداف الأمريكية ومعها أهداف الحكومة العراقية التي انفض عنها حلفاؤها في البرلمان وذلك إذا نفذ السنة تهديدهم وانسحب من الحكومة وزراء جبهة التوافق العراقية فلن يكون لقرارات شرم الشيخ لتشفع في ستر عورة الحكومة العراقية, أو مبرر للحديث عن مصالحة وطنية شاملة.

------------

* السفير د. عبد الله الأشعل