د. عوض بن محمد القرني

بقلم: د. عوض بن محمد القرني

بين وقتٍ وآخر تثور قضية العلاقة بين أمريكا والإسلاميين في أي موقعٍ من العالم الإسلامي، ويتطرق إليها في سياقاتٍ مختلفةٍ باختلافِ الأحوال والظروف والأهداف والغايات واختلاف تفاصيل الحدث، واختلاف إطاره الزمني والمكاني المحدد، وكذلك باختلاف المعنيين بهذه العلاقة على وجه التحديد من الطرفين على مستوى التفاصيل والتكتيك، بغض النظر عن الاستراتيجيات العامة، والمبادئ الكلية المتحكمة في الجملة في العلاقة بين الطرفين.

 

وهذه العلاقة يتم التعبير عنها عمليًّا، إما بالحوار، أو التواصل عبر القنوات الرسمية أحيانًا، أو من خلال القنوات غير الرسمية غالبًا، أو يتم التعبير عن هذه العلاقة عمليًّا أيضًا من خلال التأزيم والمواجهة، ولعل ما يجري في العراق وتركيا مثالٌ واضحٌ للنموذج الأول وفي السياق نفسه، وإنْ كان بصورةٍ أقل في أفغانستان وإندونيسيا واليمن، وبعض بلدان شمال إفريقيا، وبعض بلدان الخليج.

 

أما النموذج الثاني فتمثله العلاقة الأمريكية مع حماس والمقاومة في العراق وفي أفغانستان، وربما إسلاميو الأردن إلى حدٍّ ما، وكذلك علاقتها مع بعض إسلاميي دول الخليج والقرن الإفريقي وآسيا الوسطى والباكستان ومصر، وهذه الإثارة تظهر من خلال وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية والأبحاث الصادرة من مراكز شبه مستقلة.

 

ولعل من مصلحة شعوب المنطقة وحكوماتها والقوى الفاعلة المؤثرة فيها، وفي مقدمتها الحركات والأحزاب والجماعات والشخصيات الإسلامية، ولعل من مصلحة العالم كله أيضًا وخاصةً الشعب الأمريكي إلقاء مزيدٍ من الضوء على هذه العلاقة، وإجراء مزيدٍ من البحث حولها، وطرح الكثير من الأسئلة عنها، ومعرفة الحقائق ورسوخ الفهم وتضييق مساحة الوهم واكتشاف الفرص والمصالح الممكنة والسعي نحوها بحسن توظيف وتفعيل مجالات ونقاط القوة لدينا، ومعرفة المخاطر والمهددات، وبذل الجهد لإضعاف أثرها أو تجنبها إن أمكن، من خلال تقليل وتضييق مساحة نقاط الضعف التي تعاني منها.

 

على أن يتم ذلك كله وفق فقهٍ شرعيٍّ راسخٍ ينطلق من عقيدتنا وثوابتنا وأصالتنا، مع استصحاب واستخدام الممكن من منجزات العصر والمدنية في المعلوماتية والتحليل والتواصل والاتصال والتأثير، سواءٌ على مستوى التقنية والآلة أو على مستوى العلوم الإنسانية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

 

وهذه الأبعاد في الرؤية وتحديد المواقف والخطط في جميع قضايانا- وفي هذه القضية بالذات- ليست من باب الترف والتنظير، بل هي ضرورة لا بد منها؛ للتخفيف من مآسي ومعاناة شعوب أمتنا ومصائبها والسير في الطريق الصحيح لحل مشكلاتنا، التي أؤمن بأننا نحن كشعوبٍ السبب الأول، والمسئول الأول عنها.

 

وأؤمن كذلك بأن الاستعمار الغربي- والذي تمثله أمريكا في هذه الأيام- هو السبب الخارجي والأهم في ذلك، كما تثبت الحقائق والوثائق والدراسات على الأقل من بداية القرن العشرين الميلادي.

 

وهو أيضًا ضروري لاعتبارٍ آخر لا يقل أهميةً عما سبق ذكره، أعني بذلك تحقيق أحلامنا في سلوك طريق النهضة والتقدم والتنمية والقوة والوحدة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52).

 

والذي أؤمن به أيضًا أننا كشعوبٍ مسلمةٍ نحن المسئولون بالدرجة الأولى عن تحقيق ذلك، قال