![]() |
|
د. يحيى الجمل |
في سنة ١٩٠٧م كانت مصر خاضعةً للاحتلال البريطاني، وكان عدد سكانها أقل من ١٤ مليون نسمة، وكانت نسبة التعليم متدنية، ونسبة الأمية بالغة الارتفاع، وكانت التوجهات الدستورية التي حلم بها الخديو إسماعيل قد عصف بها الاحتلال البريطاني وذهبت أدراج الرياح.
كانت مصر تعيش تحت حكم الطاغية كرومر، وفي عام ١٩٠٧م أي منذ قرنٍ كاملٍ من الزمان وقعت حادثة دنشواي الشهيرة.
وفي عام ١٩٠٧م أيضًا كان قد ظهر في مصر شاب اسمه مصطفى كامل، وقد استغلَّ هذا الشاب الذي لم يكن قد جاوز الثلاثينيات إلا بقليلٍ هذا الحادث ليقود حملةً عاصفةً ضد الاحتلال البريطاني وضد ممثله في مصر لورد كرومر، وأثمرت حملته أنَّ اضطرَّ الاحتلال إلى خلع ممثله الجبار وتعيين آخر مكانه؛ تهدئةً لغضبِ المصريين وثورتهم التي كان يقودها آنذاك هذا الشاب العظيم مصطفى كامل.
وكان مصطفى كامل قد بدأ الظهور مع بداية القرن العشرين، بل مع نهايات القرن التاسع عشر عندما أنشأ جريدة "اللواء"، وأخذ يكتب فيها مقالات نارية ضد الاحتلال من ناحية، وللمطالبة بوضع دستورٍ عصري لمصر من ناحيةٍ أخرى.
ومنذ وقتٍ مبكرٍ تنبَّه مصطفى كامل لضرورةِ التعليم، وكيف أنَّ التقدم العلمي والدستور هما الدعامتان الأساسيتان للاستقلال والتقدم، وتركَّزت دعوة مصطفى كامل حول المحورين الأساسيين: الاستقلال والدستور، واجتمع حول مصطفى كامل مجموعةٌ من الشباب الوطني المثقف وكان في مقدمتهم "محمد فريد".
ورأى مصطفى كامل أنَّ الصحافةَ رغم أهميتها وأنَّ خطبه النارية رغم ما كانت تؤدي إليه من التهاب المشاعر، تفتقدان الاستمرارية والتنظيم فاستقرَّ رأيه مع المجموعة التي التفَّت حوله من الشباب المصري الوطني الثائر على تكوين حزبٍ سياسي باسم "الحزب الوطني".
وبالفعل أعلن مصطفى كامل في اجتماعٍ حاشدٍ في مدينة الإسكندرية- في زيزينيا- خلال عام ١٩٠٧م، أي منذ قرنٍ كاملٍ من الزمان، إنشاء الحزب الوطني، وقام "الحزب الوطني" بمجرَّد أن أعلن عنه زعيمه مصطفى كامل والمجموعة التي شاركت في تأسيسه وفي مقدمتها محمد فريد وأحمد لطفي وعبد العزيز جاويش وكثيرون آخرون.
قام الحزب بمجرَّد إعلان مؤسسيه قيامه، وتأسست له فروعٌ في المدن المصرية الرئيسية، وفي مقدمتها القاهرة والإسكندرية والمنصورة، وكان ذلك في عام ١٩٠٧م منذ قرنٍ كاملٍ من الزمان.
وكان ذلك في ظلِّ الاحتلال البريطاني، وحكم الخديو عباس حلمي الثاني، وسكان مصر يزيدون قليلاً على عشرة ملايين نسمة، وبعد إنشاء الحزب بقليل- أقل من عام- تُوفي مصطفى كامل، وانتخب "محمد فريد" بعده رئيسًا للحزب.
واستمرَّ الحزبُ في كفاحه، وحاربه الاحتلال، وحاربه الخديو، وقُبض على محمد فريد أكثر من مرة وقُدِّم للمحاكمةِ أكثر من مرة، وأخيرًا قررت سلطات الاحتلال متواطئةً مع الخديو نفي محمد فريد إلى خارج مصر.
وظل محمد فريد يجوب بلاد أوروبا داعيًا إلى استقلال مصر، وألَّف في كثيرٍ من العواصم الأوروبية مجموعاتٍ من الطلبة المصريين الذين انضموا للحزب الوطني ورفعوا لواء مبادئه وشعاراته.
ثم قامت الحرب العالمية الأولي، وقبل أن تنتهي الحرب بقليلٍ مات محمد فريد على سطح منزلٍ في باريس، ولم يجد محمد فريد مَن ينقل رفاته إلى مصر إلا "تاجرًا" من الزقازيق كان من شباب الحزب الوطني نقله على نفقته الخاصة لكي يُدفن في مصر، نقله من باريس إلى مارسيليا بالقطار ومن مارسيليا إلى الإسكندرية بالباخرة، ومن الإسكندرية إلى القاهرة بالسيارة.
وقال العقاد آنذاك:
ما كان أطولها طريق جنازة وكذاك شأنك في الكفاح طويلاً
وانتهت الحرب وعُقد مؤتمر فرساي وقامت ثورة ١٩١٩م، وتكوَّن الوفد المصري الذي سيذهب لمفاوضة الإنجليز.
وبدأ شباب الحزب الوطني بزعامة مصطفى النحاس الذي كان من أبرز قيادات شباب الحزب الوطني في جمع التوكيلات لسعد ورفاقه، وهكذا ساهم الحزب الوطني ممثلاً في شبابه وعلى رأسهم مصطفى النحاس في تكوين الوفد المصري الذي أصبح هو البيت السياسي الكبير في الفترة ما بين ١٩١٩م و١٩٥٢م.. حدث ذلك كله منذ قرنٍ من الزمان عام ١٩٠٧م.
ونحن الآن في عام ٢٠٠٧م
كيف ينشأ الحزب السياسي في مصر الآن؟
قيودٌ غِلاظٌ شداد؛ لأن مصرَ في أزهي عصور الديمقراطية، ولأنَّ مصر أنجزت التعديلات الدستورية وخطت خطواتٍ واسعة في سبيل الحرية!
أليس هذا هو ما يقوله الحزب الوطني (موديل) ٢٠٠٧م.
قرن كامل من الزمان اكتملت فيه الثورة الصناعية، وبدأت فيه الثورة المعلوماتية وخطا العالم فيه- كل العالم- خطواتٍ واسعة إلى الأمام، وتقدمت فيه أمم كانت نائمة، وتحررت شعوب كانت محتلة، وقامت ثورات هنا وهناك.
تحررت دول شرق أوروبا وبدأت مسيرة ثابتة وواثقة نحو الديمقراطية، ودول كثيرة في آسيا لعل في مقدمتها الهند التي جمعت إلى الديمقراطية السياسية التقدم العلمي الذي جعل منها دولة نووية وماليزيا التي أصبحت مثلاً من أمثلة التقدم، وغير الهند الكبيرة، وماليزيا الصغيرة دول عديدة في آسيا وفي أفريقيا تسير بخطوات ثابتة نحو تعزيز مكانتها العلمية والسياسية.
وبالقرب منا تركيا من ناحيةٍ وإيران من ناحية أخري، ومعنا في وسط القارة الأفريقية وجنوبها دول عديدة تبني نفسها، وفي جنوب القارة تخطو دولة جنوب أفريقيا، نحو أن تكون من الدول المؤثرة في محيطها وفي قارتها، بل في عالمها، خطواتٍ سريعة في ظلِّ التقدم العلمي والديمقراطية والتعددية الحزبية وتداول السلطة.
هذا كله يحدث من حولنا.
ونحن.. أين نحن الآن؟
يقول الكارهون والمغرضون والمرجفون إنَّ أحوالنا تتدنى في كل شيء: في المكانة الدولية: في الأوضاع الداخلية السياسية والتعليمية والصحية وكل شيء، كل شيء يتدنى، كل شيء راكد، كل شيء يُشعرك بالتخلف والهوان، الفساد هو المؤسسة الأقوى والأكثر نفوذًا وتبجحًا.
هكذا يقول الكارهون الحاقدون الذين لا يرون ثمار التعديلات الدستورية وكل مظاهر التقدم والديمقراطية.
وماذا يعني إذا كانت هناك قيودٌ غِلاظٌ شدادٌ على تكوين الأحزاب؟ وماذا يعني أن يكون الحزب الحاكم هو الحَكَمُ في عدم إنشاء الأحزاب الجادة؟ ماذا يعني ذلك كله؟
إنها ليست إلا مبالغات وتهاويل من الحاقدين الكارهين.
ما أبعد المسافة بين عام ١٩٠٧ وعام ٢٠٠٧.
ومَن يدري ماذا يكون المصير؟
الأردن يبني مفاعلاً نوويًّا
جاء في الأنباء- في هدوء- أنَّ الدكتورَ محمد البرادعي- مدير المنظمة الدولية للطاقة الذرية- سيتوجه اليوم إلى الأردن ليبحث مع المسئولين هناك مشروع الأردن لبناء مفاعل نووي يعمل من أجل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ولم تصدر بيانات عنترية ولم يعقب الإعلان مشاجرة مفتعلة بين الآثار ووزارة الطاقة على المكان الذي كان مُعدًّا من منتصف الخمسينيات- عندما كانت مصر هي مصر، وكانت لها أهداف قومية- لهذا الغرض الذي يتصل بالأمن القومي.
ثم بعد فترة وبعد الإعلان الجماهيري عن الدخول في عصر الطاقة النووية إذا بالستار يسدل وإذا بالركود يعود وإذا بكل شيء يعود إلى أصله كلام في كلام، وإذا بمصر تحتل مكانها بجدارة في كل الإحصائيات الدولية خلف غالبية دول العالم إلا في إحصائيات الفساد؛ حيث تأتي دائمًا في المقدمة.
لكِ الله يا مصر
لا أملَ إلا بأمرين لا ثالثَ لهما: التقدم العلمي الحقيقي، والديمقراطية وسيادة القانون والتعددية الحزبية وتداول السلطة، هذان هما الدعامتان اللتان حملتا التقدم في كل مكان، وعلينا أن نسأل أين نحن من التقدم العلمي؟ وأين نحن من الديمقراطية؟
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-------------
* المصدر: (المصري اليوم)
