مصطفى بوكرن

بقلم: مصطفى بوكرن- باحث مغربي

 يوم 11 مارس فجَّر نفسه عبد الفتاح الرايدي، ويوم 10 أبريل فجَّر نفسه أخوه أيوب الرايدي، وفي هذا اليوم قام بالعملية نفسها عمر ماها، ليلتحق به أخوه محمد ماها بعمليةٍ انتحاريةٍ يوم 14 أبريل..

 

فهل ما وقع هو مجرد صدفة أم أنَّ الأمر مرتبط بتخطيط مدبر له؟

هل أصبحنا في المغرب ننتج الأسرة الانتحارية لا الفرد الانتحاري؟

 

إن الفكر الانتحاري- بهذا الحدث- أصبح يستهدف الأسرة لا المواطن الفرد، وهذا يُشكِّل تحديًا كبيرًا للوضع الأمني في المغرب، فأن تحتضن الأسرة الفكر الانتحاري بين أفرادها فهذا مؤشر يبين مدى هشاشة التربية الدينية التي تتوفر عليها الأسرة المغربية، مما يجعلها لقمةً سائغةً للأطراف التخريبية، فالفرد الذي له هذا الفكر قد تنتقل عدواه إلى إخوانه من الإناث والذكور، وهذا ما وقع، فأيوب وعمر الرايدي من أسرة واحدة وكذلك الشأن بالنسبة لعمر ومحمد ماها، وحتى إن لم تنتقل العدوى تبقى إمكانيات التأثير فيمن له هذا الفكر الانتحاري منعدمة، لا لأن الأسرة جاهلة بدينها، بل لأن من له هذا الفكر يحفظ محفوظات فقهية متمركزة على معلومات دينية بسيطة في موضوعات محدودة، يستطيع أن يتغلب بها على مَن ليس له دراية بالموضوع.

 

فمثل هؤلاء الشباب، لما يكون في خليته المؤطرة له يعتقد أنه في جنة من جنان الدنيا، لكن لما يأتي إلى أسرته يجد الأب والأم والإخوة في جهة مناقضة لما هو عليه، مما يجعله يعلن حربًا شعواء على أسرته، ويوظف سلطة "الفتوى الدينية" لإكراه معارضيه، لتنتهي المعركة إما بتركه لأسرته والارتماء في أحضان التطرف أو بإقناع الأسرة وتحويل بعض أفرادها إلى مقربين من أفكاره.

 

فبرنامج الوقاية من الفكر الانتحاري ينبغي أن توجه للأسرة بكاملها لا للفرد الواحد منها، وبرنامج الوقاية ينبغي أن يركز على قضايا بعينها تكون سهلة الاستيعاب وغير عصية على الفهم.

 

إن ما نجح فيه أهل هذا "الفكر المتطرف"، تجد كتابًا أو شريطًا يتناول على سبيل المثال قضية "الكفر والردة" ليس بنظرةٍ معرفيةٍ منهجيةٍ وإنما بنظرة تهدف إلى تقديم معلومات قصيرة المبنى خطيرة المعنى بلغة بسيطة سهلة، سريعة التداول والانتشار.

 

وعليه فالخطاب الديني الرسمي أو غير الرسمي ينبغي أن يستحضر في برامجه العلمية والتأطيرية هذه القضية، ومحاولة إخراجها من الكتب الفقهية والابتعاد بها عن لغة الخلاف الفقهي، وتقديمها بشكلٍ معاصرٍ سهل الفهم والتمثل، وفي هذه القضية، التأليف المغربي المعاصر يكاد يكون فيها منعدمًا، بل منابر الجمعة على حدِّ علمي لم أر خطيبًا من الخطباء يتكلم عن الموضوع مع أنه من الأهمية بمكان؛ لأن كل مبررات الانتحاريين المنفذين هي مبررات الكفر والردة، الكفر بالنسبة للأجانب، والردة بالنسبة لأهل البلد، إلا أن المخططين والمدبرين لهذه الأعمال لهم أهداف أكثر من دينية.

 

إننا نحتاج في هذا الوقت، إلى منهج لقمان في تربية أبنائه، بل نحتاج إلى من يربي الآباء على منهج لقمان، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ (لقمان: من الآية 13)، والمتأمل في هذا المقطع يتبين له، أن القول هنا بمنهج الموعظة، وهو منهج تربوي قرآني أصيل مضمونه الشفقة والرحمة والحجة الدامغة، يقول حسين فضل الله: "إن الوعظ يتضمن بالإضافة إلى الفكرة عنصر اقتحام العاطفة الإنسانية والشعور الإنساني حتى تكون المسألة مزيجًا من العقل ومن العاطفة، وبذلك فإنها تنفذ إلى عقل الإنسان وقلبه" (1).

 

كثير من الناس يستهينون بقوة الموعظة ويعتبرونها كلامًا عاطفيًّا وفقط، بل على العكس من ذلك إنما الموعظة هي قوة الفكرة ال