بقلم: علم الدين السخاوي*

اقتضت حكمة الخالق في تسويته للإنسان وتعديله له أن نَصَبَه واقفًا بشكل مختلف ملحوظ عن باقي المخلوقات، فالرأس لأعلى في مقابل القدم لأسفل، في استقامةٍ غير مرئية في مخلوق آخر، إيذانًا بأن العقل يسمو بصاحبه إلى أعلى، فإن أذن العقل لنفسه أن يهوِيَ إلى أسفل فقد اختار انتكاسةً جعلته مكان النعْل في القدم.

 

وإنْ أذن لنفسه كذلك أن يهبط لحساب غيره فأجدني مضطَّرًّا لذكر ما قاله شيخنا الغزالي- رحمه الله- حين قال: "إن العرب صنعوا "القبقاب" لاستخدامه في خوض النجاسات ولِوَضعه أمام المراحيض تحت الاستخدام"، ثم أشار- رحمه الله- إلى أن بعض الحكام يستخدمون بعض أصحاب الأقلام كما العرب في فعلهم عند خوض النجاسات!!

 

وهنا أدعوك أخي القارئ للتأمُّل فيما قاله البعض لمعاوية- رضي الله عنه- في مقتل عمار بن ياسر "إنما قتله من أخرجه"، فقلبوا الحقَّ باطلاً بعد وضوح البرهان، بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "يا عمار، تقتلك الفئة الباغية".

 

وأصحاب هذا التسفُّل صنفان: الأول مُعَدٌّ ومُدرَّبٌ وتحت الجاهزية الكاملة ووُضع أمام المرحاض، وهؤلاء قد يكون أحدهم صاحب لقب أو صاحب قلم أو غير ذلك.. أما الثاني فهو ما عناه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: 175، 176).

 

تأمَّل في الانسلاخ من القيم والمبادئ.. تأمل في الانسلاخ مما درس لتلاميذه.. تأمل في الانسلاخ مما كتبت يداه وخطَّ به قلمه في الكتب.. تأمَّل في الانسلاخ من محاضراته السابقة التي ملأ بها القاعات والمؤتمرات، ويأخذ منه طلبة العلم والدارسون!! قارن بينه وبين الغواية والخلود إلى الأرض، من تاج الرأس إلى قبقاب القدم، فصار فاعلاً غاويًا، حيث كان مطلوبًا للغواية، فصار لها أستاذًا!! نصبت له الفخاخ فصار صانعًا لها!! تأمَّل قول القائل: "وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليسُ من جندي".

 

إذا أردت أن تتأمل أكثر فانظر واقرأ افتتاحيات بعض الصحف؛ لترى عصارة الرأس في تاجها وقد هَوَت تحت قدم موجِّهيها، فترى النموذج العملي للصنف الأول.

 

وإذا أردت أن تتأمل أيضًا أكثر وأكثر فانظر واسمع إلى صاحب أي إطلالة فضائية منهم فتراه كالذي استهوته الشياطين في الأرض "ليس شيطانًا واحدًا" حيرانَ له أصحاب يدعونه إلى الهدى.. لكنك تراه إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، فصاروا وكهنة القصر وكهنة المعبد في نفس الوقت سواءً، فترى النموذجَ العملي للصنف الثاني متجسِّدًا في هؤلاء!!

 

---------

* عضو مجلس الشعب.