لم يعد الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون في الضفة المحتلة يُنظر إليه بوصفه سلسلة من الاعتداءات الفردية أو ردود الفعل العشوائية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة منظمة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والقومية والسياسية والأمنية، ضمن مشروع استيطاني يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموجرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومع اتساع رقعة الاستيطان وازدياد أعداد البؤر الاستيطانية، برزت جماعات متطرفة تقود هذا التصعيد الميداني، مستندة إلى مرجعيات دينية وفكرية تعد الضفة الغربية، أو ما تسميه "يهودا والسامرة"، جزءاً من "أرض إسرائيل" التي يجب إخضاعها بالكامل لسيطرة الاحتلال.

ولا تتحرك هذه الجماعات بمعزل عن البيئة السياسية المحيطة بها، إذ تستفيد من سياسات صهيونية عززت التوسع الاستيطاني، ومن غطاء أمني وفرته قوات الاحتلال، إلى جانب شبكة واسعة من الحاخامات والناشطين اليمينيين الذين يمثلون مرجعيتها الفكرية. وقد تحولت مستوطنات عديدة، إضافة إلى البؤر الاستيطانية المنتشرة على قمم الجبال، إلى قواعد انطلاق للاعتداءات على الفلسطينيين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى تنامٍ غير مسبوق في أعداد الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي، بالتوازي مع تسارع عمليات الاستيطان وشرعنة البؤر الجديدة.

وبرغم اختلاف البنية التنظيمية لهذه الجماعات، فإنها تلتقي عند هدف واحد يتمثل في ترسيخ الوجود الاستيطاني، ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن أراضيهم، وإفشال أي مسار سياسي يمكن أن يحد من التوسع الاستيطاني، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

 

الشبكة الأكثر إرهاباً في المشروع الاستيطاني

تُعد جماعة "فتية التلال" أو "شباب التلال" أبرز الجماعات الاستيطانية المتطرفة الناشطة في الضفة الغربية، وهي شبكة غير مركزية تضم في معظمها شباناً يهوداً تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين عاماً، يقيمون في البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية المنتشرة على قمم التلال، ويشاركون بصورة مباشرة في توسيعها وحمايتها.

ويضم أفراد الجماعة شباناً طُرد بعضهم من المؤسسات التعليمية، بينما ينتمي آخرون إلى عائلات دينية معروفة، من بينها أسر حاخامات وقيادات استيطانية بارزة، الأمر الذي منحها امتداداً داخل الأوساط الدينية والقومية المتشددة في كيان الاحتلال.

ولا تمتلك "فتية التلال" قيادة مركزية أو هيكلاً تنظيمياً واضحاً، إلا أنها استطاعت أن تتحول إلى إحدى أكثر أدوات المشروع الاستيطاني فاعلية، من خلال إنشاء بؤر جديدة فوق قمم التلال، ثم فرض أمر واقع يدفع سلطات الاحتلال لاحقاً إلى السعي لشرعنة هذه البؤر وإدخالها ضمن الخارطة الاستيطانية.

من خطاب شارون إلى ولادة فتية التلال

يرتبط ظهور الجماعة سياسياً بخطاب ألقاه وزير الحرب الصهيوني الأسبق أرييل شارون في السادس عشر من نوفمبر عام 1998، دعا فيه المستوطنين إلى الإسراع في السيطرة على قمم التلال وتوسيع رقعة الاستيطان، معتبراً أن كل أرض يتم الاستيلاء عليها ستبقى تحت سيطرة الاحتلال، بينما ستذهب الأراضي التي لا يتم الاستيلاء عليها إلى الفلسطينيين.

 

وقال شارون آنذاك: "ينبغي على كل شخص هناك أن يتحرك ويركض، أن ينتزع المزيد من التلال ويوسع المنطقة. كل ما يتم الإمساك به سيكون بين أيدينا، وكل ما لا نمسك به سيكون في أيديهم".

وشكل هذا الخطاب، وفق مراقبين، الأساس السياسي لفكرة إقامة البؤر الاستيطانية فوق التلال، وهي الاستراتيجية التي اشتقت منها الجماعة اسمها. فمصطلح "التلال" لا يشير إلى الطبيعة الجغرافية فحسب، بل إلى نموذج استيطاني يقوم على احتلال المرتفعات، وإقامة بؤر استيطانية جديدة خارج حدود المستوطنات القائمة، ثم فرض وجود دائم فيها تمهيداً لشرعنتها.

مرجعيات دينية وقومية متشددة

ويتبنى أفراد "فتية التلال" فكراً دينياً وقومياً متطرفاً يدعو إلى فرض السيطرة اليهودية الكاملة على الضفة الغربية، ويرفض أي تسوية سياسية يمكن أن تؤدي إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة أو إقامة دولة فلسطينية.

وتتأثر الجماعة بتيارات دينية عدة، أبرزها "الحسيدية الجديدة" وبعض أفكار "العهد الجديد"، وهي تيارات تمزج بين الرؤية الدينية والقومية، وتعتبر الاستيطان واجباً دينياً، فيما يحرص أفرادها على إظهار هويتهم الدينية من خلال إطالة الشعر الجانبي، وارتداء القبعات الدينية الكبيرة "الكيباه"، وإظهار خيوط "التزيتزيت" بصورة علنية.

قيادة موزعة بين الحاخامات والحركات الاستيطانية

برغم غياب القيادة الموحدة، فإن الجماعة تضم عدداً من الحركات والتيارات الاستيطانية التي تشكل مظلة فكرية وتنظيمية لأنشطتها.

فبعد الانسحاب الصهيوني من مستوطنات "غوش قطيف" في قطاع غزة عام 2005، توحد كثير من عناصرها ضمن حركة "شباب من أجل أرض إسرائيل"، قبل أن يتوزعوا لاحقاً على عدد من الأطر، أبرزها حركة "نحلا" بقيادة الناشطة الاستيطانية دانييلا فايس، إلى جانب الحاخام موشيه ليفينغر، كما انضم آخرون إلى "النواة التوراتية في المدن العبرية" بقيادة مئير بيرتلر، وحركتي "أرض إسرائيل" و"ديرخ هحييم" اللتين يقودهما الحاخامان أبراهام سيغرون ويتسحاق جينسبورج.

وتشكل هذه الشخصيات والحركات المرجعية الفكرية والسياسية للجماعة، وتسهم في توجيه أنشطتها الميدانية داخل الضفة الغربية.

كيف تفرض "فتية التلال" سيطرتها على الأرض؟

يعتمد نشاط الجماعة على آلية ميدانية تبدأ بالاستيلاء على قمة تل أو منطقة مرتفعة، ثم نصب كرفانات أو خيام داخل الموقع، غالباً تحت حماية جيش الاحتلال، قبل توسيع البؤرة تدريجياً وربطها بشبكات الخدمات والطرق.

وبالتزامن مع ذلك، يعمل أفرادها على السيطرة على الأراضي الزراعية الفلسطينية المحيطة بالبؤرة، من خلال رعي الأغنام فيها، ومنع أصحابها من الوصول إليها عبر التهديد أو الاعتداء، إضافة إلى اقتلاع الأشجار وإتلاف المحاصيل، بما يؤدي في النهاية إلى تحويل الأراضي الفلسطينية إلى امتداد للبؤرة الاستيطانية.

سجل طويل من الاعتداءات

ارتبط اسم "فتية التلال" بآلاف الاعتداءات التي استهدفت الفلسطينيين وممتلكاتهم، وشملت إحراق المنازل والمركبات، وتخريب المساجد والمدارس، وسرقة أو قطع أشجار الزيتون والمحاصيل الزراعية، وسرقة المواشي، إلى جانب كتابة شعارات عنصرية مثل "الموت للعرب" و"إما الطرد أو الموت" على المنازل والممتلكات الفلسطينية.

وبحسب حركة "السلام الآن"، تمكنت الجماعة حتى نهاية عام 2020 من إقامة نحو 170 بؤرة استيطانية، بدعم من مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، في مؤشر على حجم نفوذها داخل المشروع الاستيطاني.

ويُصنف كثير من هذه الاعتداءات ضمن ما يعرف بهجمات "تدفيع الثمن"، وهي عمليات انتقامية بدأ تنفيذها عام 2008 رداً على قيام سلطات الاحتلال بإخلاء أو هدم بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى سياسة تستهدف الفلسطينيين بصورة منهجية.

الدعم السياسي واللوجستي

لا تعمل "فتية التلال" بصورة منفصلة عن مؤسسات الحركة الاستيطانية، إذ تحظى بدعم من مؤسسة "أمانا"، الذراع الاستيطانية لحركة "غوش إيمونيم"، التي توفر مواد البناء والدعم اللوجستي لإقامة البؤر الجديدة، إضافة إلى تمويل من بعض المجالس الإقليمية للمستوطنات.

وفي الوقت نفسه، يوفر جيش الاحتلال الحماية للعديد من هذه البؤر، بينما عمد الصهاينة إلى شرعنة عدد منها، وتدرس تسوية أوضاع بؤر أخرى، بما يعزز استمرار التوسع الاستيطاني ويمنح هذه الجماعات مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض.

إلى جانب "فتية التلال"، برزت مجموعات "تدفيع الثمن" أو "جباية الثمن" باعتبارها واحدة من أكثر الجماعات الاستيطانية اليمينية تطرفاً في الضفة الغربية. وظهرت هذه الجماعات بصورة واضحة عام 2008، في أعقاب الدعوات الإسرائيلية لإزالة عدد من البؤر الاستيطانية غير المرخصة، إذ تبنى ناشطوها سياسة تقوم على الرد على أي خطوة تستهدف الاستيطان، أو على أي هجوم ينفذه فلسطينيون، بتنفيذ عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، بهدف رفع "ثمن" تلك الإجراءات، وهو ما اشتقت منه الجماعة اسمها.

ويرتبط تأسيس هذه الجماعات بالقيادي الاستيطاني غرشون ميسيكا، بينما يضم معظم أعضائها مستوطنين شباناً، كثير منهم من طلاب الحاخامات يتسحاق غينسبورغ، ودافيد دودكيفيتش، ويتسحاق شابيرا، الذين شكلت أفكارهم الدينية والقومية إحدى أهم المرجعيات الفكرية لهذه المجموعات. كما تتخذ المدرسة الدينية "اليشيفا" في مستوطنة يتسهار، جنوب نابلس، أحد أبرز معاقلها ومراكز نشاطها.

ولا تنظر "تدفيع الثمن" إلى الاعتداءات باعتبارها أعمالاً عشوائية، بل تعتبرها وسيلة لإيصال رسالة سياسية وأمنية، مفادها أن أي مساس بالمشروع الاستيطاني ستكون كلفته مرتفعة، ليس على سلطات الاحتلال فحسب، وإنما على الفلسطينيين أيضاً. ولذلك يتبنى ناشطوها خطاباً دينياً وقومياً متشدداً يدعو إلى طرد الفلسطينيين أو قتلهم، وهو ما ينعكس في الشعارات التي يتركونها في مواقع الهجمات، مثل "الموت للعرب"، و"الانتقام"، و"تدفيع الثمن".

وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم هذه الجماعات بمئات الاعتداءات التي استهدفت الفلسطينيين وممتلكاتهم، وشملت إحراق المنازل والمركبات، والاعتداء على المساجد والكنائس، وتخريب المدارس، واقتلاع أو إحراق أشجار الزيتون، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة على المزارعين أثناء عملهم في أراضيهم، في محاولة لإرغامهم على تركها تمهيداً للسيطرة عليها.

فرق الحراسة.. المستوطن يتحول إلى عنصر شبه عسكري

أحدثت الحرب على قطاع غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 تحولاً كبيراً في طبيعة الدور الذي يؤديه المستوطنون داخل الضفة الغربية، بعدما وسعت الحكومة الإسرائيلية تشكيلاتها الأمنية في المستوطنات، وزودت آلاف المستوطنين بالسلاح، في خطوة قادها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تحت مبرر تعزيز أمن المستوطنات.

وفي هذا السياق برزت ما يعرف بـ"فرق الحراسة"، وهي منظومة تضم فرق الحراسة، وقوات التدخل السريع، وكتائب الحامية الإقليمية، ومنسقي الأمن، لتشكل معاً جزءاً من المنظومة الأمنية المدنية ـ العسكرية داخل المستوطنات.

وترى منظمات حقوقية أن هذا التوسع في تسليح المستوطنين أسهم بصورة مباشرة في زيادة الاعتداءات على الفلسطينيين، حيث شارك مستوطنون يرتدون الزي العسكري أو يحملون أسلحة عسكرية في عمليات إطلاق نار، واعتداءات جسدية، والاستيلاء على الأراضي، وتخريب الممتلكات، وإتلاف المزروعات، وسرقة المواشي.

وتشير المنظمة إلى أن بعض منفذي الاعتداءات كانوا جنوداً في إجازة، أو من قوات الاحتياط، أو أعضاء في فرق الحراسة، بينما ارتدى آخرون الزي العسكري من دون أن يكونوا في مهمة رسمية، الأمر الذي جعل من الصعب ميدانياً التمييز بين المدني المسلح والعسكري النظامي.

وتضيف تقارير منظمة "ييش دين" أن هذا التداخل خلق حالة من الغموض بشأن المسئولية القانونية عن الانتهاكات، في ظل تبادل شرطة الاحتلال والنيابة العسكرية الاختصاص في التحقيق، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى إغلاق الملفات أو تعطيلها، ويعزز مناخ الإفلات من العقاب.

تصاعد غير مسبوق في الاعتداءات

تزامن صعود الجماعات الاستيطانية مع ارتفاع غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات ضد الفلسطينيين، سواء من حيث عدد الهجمات، أو اتساع نطاقها الجغرافي، أو طبيعة الأهداف التي تعرضت للاستهداف.

فلم تعد الاعتداءات تقتصر على أعمال فردية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى هجمات جماعية ومنظمة استهدفت المدنيين، والمنازل، والمركبات، والمحلات التجارية، والأراضي الزراعية، ودور العبادة، والمؤسسات التعليمية، والتجمعات البدوية، في سياق يخدم توسيع السيطرة الاستيطانية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وشملت هذه الاعتداءات عمليات قتل وإطلاق نار، واعتداءات جسدية، وإحراق منازل ومركبات ومحال تجارية، واقتلاع الأشجار وإتلاف المحاصيل الزراعية، والاستيلاء على الأراضي، والاعتداء على التجمعات البدوية، إلى جانب كتابة شعارات عنصرية وتحريضية على الممتلكات الفلسطينية. كما وثقت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية وقوع عدد كبير من هذه الاعتداءات بحماية مباشرة من قوات الاحتلال .

أبرز الجرائم خلال العقد الأخير

خلال العقد الأخير، ارتبط اسم الجماعات الاستيطانية بعدد من الجرائم التي شكلت محطات بارزة في مسار تصاعد عنف المستوطنين.

ففي عام 2014، اختطف مستوطنون الطفل المقدسي محمد أبو خضير من حي شعفاط في القدس، قبل أن يقتلوه حرقاً، في جريمة أثارت موجة إدانات دولية واسعة.

وفي عام 2015، هاجم مستوطنون منزل عائلة دوابشة في قرية دوما جنوب نابلس باستخدام القنابل الحارقة، ما أدى إلى استشهاد الرضيع علي دوابشة ووالديه سعد وريهام دوابشة، بينما نجا شقيقه أحمد بإصابات بالغة.

أما في عام 2018، فقد استشهدت عائشة الرابي بعد استهداف المركبة التي كانت تستقلها بالحجارة قرب حاجز زعترة جنوب نابلس.

وفي عام 2022، استشهد علي حسن حرب طعناً أثناء تصديه لمحاولة مستوطنين الاستيلاء على أراضٍ في قرية اسكاكا شرق سلفيت.

وتشير المعطيات الخاصة بالفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 إلى تنفيذ أكثر من اثني عشر ألف اعتداء في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد اثنين وثمانين فلسطينياً، بالتوازي مع إقامة نحو مئتي بؤرة استيطانية جديدة.

الاستيطان بالأرقام خلال عام 2026

تكشف بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تسارع ملحوظ في النشاط الاستيطاني خلال النصف الأول من عام 2026، إذ أقام المستوطنون اثنتين وأربعين بؤرة استيطانية جديدة، بينها أربع بؤر في مناطق مصنفة "ب"، وهي مناطق تخضع للإدارة المدنية الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو، في تطور يعكس اتساع النشاط الاستيطاني إلى مناطق لم تكن تشهد هذا النوع من التوسع سابقاً.

وخلال الفترة نفسها، درست سلطات الاحتلال مئة وثلاثة عشر مخططاً هيكلياً لتوسعة مستوطنات قائمة أو إنشاء مستوطنات جديدة، بينها واحد وسبعون مخططاً في الضفة الغربية، واثنان وأربعون مخططاً في القدس، بهدف السيطرة على أكثر من أربعة عشر ألف دونم من الأراضي الفلسطينية، وتمرير آلاف الوحدات الاستيطانية.

كما أقرت حكومة الاحتلال إنشاء أربع وثلاثين مستوطنة جديدة خلال النصف الأول من العام، ليرتفع إجمالي المستوطنات التي وافقت عليها منذ تشكيلها إلى مئة وأربع مستوطنات، في خطوة تعكس تسارعاً غير مسبوق في إعادة رسم الخريطة الاستيطانية في الضفة الغربية.

وفي موازاة ذلك، وثقت الهيئة ثلاثة آلاف وأربعمئة وثمانية وثمانين اعتداء نفذه المستوطنون خلال الفترة نفسها، أدت إلى تهجير ثمانية عشر تجمعاً بدوياً بصورة كاملة، وثمانية تجمعات بصورة جزئية، إلى جانب إقامة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة، بما يؤكد الترابط بين توسع الاستيطان وتصاعد اعتداءات الجماعات الاستيطانية.

الإفلات من العقاب

لا يقتصر الجدل حول اعتداءات المستوطنين على حجم الجرائم المرتكبة، وإنما يمتد إلى آليات التعامل معها قضائياً. فوفق بيانات منظمات حقوق الإنسان، أغلقت الشرطة الإسرائيلية نحو 91% من ملفات الشكاوى المتعلقة باعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين من دون الوصول إلى إدانات.

كما لا تتجاوز نسبة القضايا التي تنتهي إلى تقديم لوائح اتهام 7.4%، بينما لا تزيد نسبة القضايا التي تنتهي بتحقيق وإدانة فعلية على 1.8%، وهي أرقام تعتبرها المنظمة دليلاً واضحاً على اتساع ظاهرة الإفلات من العقاب في الجرائم ذات الدوافع القومية، الأمر الذي يسهم، وفق تقديراتها، في تشجيع استمرار الاعتداءات وتكرارها.

تعكس المعطيات المتعلقة بالجماعات الاستيطانية في الضفة الغربية تحولاً لافتاً في طبيعة المشروع الاستيطاني، الذي لم يعد يقتصر على بناء المستوطنات وتوسيعها، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على جماعات منظمة تتبنى العنف كوسيلة لفرض السيطرة على الأرض، مستندة إلى مرجعيات دينية وقومية متشددة، وشبكات دعم سياسية ولوجستية وأمنية.

ومع استمرار التوسع الاستيطاني، وارتفاع أعداد البؤر الجديدة، وتزايد عمليات التسليح، إلى جانب محدودية المساءلة القانونية، تبدو هذه الجماعات أكثر قدرة على فرض وقائع ميدانية جديدة، تجعل من الاستيطان مشروعاً متكاملاً يجمع بين التوسع العمراني والعنف المنظم، في إطار سياسة تهدف إلى تكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية وإعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية.