وقّع بنك إتش إس بي سي مصر اتفاقية نهائية لبيع محفظة الخدمات المصرفية للأفراد وأصول إلى بنك "الإمارات دبي الوطني" فرع مصر، في واحدة من أكبر صفقات الاستحواذ على قطاع التجزئة المصرفية في السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة. جاءت الصفقة ضمن استراتيجية عالمية ينفذها البنك البريطاني لإعادة هيكلة أعماله والتركيز على الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات وإدارة الثروات، وسط مخاوف خبراء من هيمنة البنوك والشركات الإماراتية على أصول بنوك وشركات للنقل البحري والعقارات بمناطق استراتيجية في مصر، يسهل إعادة بيعها لأطراف أخرى تتمتع بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع أبوظبي، بينما تؤكّد جهات حكومية أن الصفقة تظل مرهونة بالحصول على موافقة البنك المركزي المصري واستيفاء الشروط التنظيمية المعتادة قبل إتمامها.
ووفقاً لمصادر اقتصادية تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإنّ الصفقة دخلت بالقطاع المصرفي المصري مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المنافسة بعد توقيع بنك HSBC مصر اتفاقية نهائية لبيع كامل نشاط الخدمات المصرفية للأفراد والفروع وماكينات الصرف الآلي إلى بنك الإمارات دبي الوطني مصر، عبر صفقة تعد من أكبر عمليات نقل محافظ التجزئة المصرفية في السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة، بينما يحتفظ البنك البريطاني بجميع أنشطة الشركات والمؤسسات والاستثمار، في إطار إعادة هيكلة عالمية ينفذها للتركيز على الأنشطة الأعلى ربحية.
ووفق خبراء مصارف مصرية فإن قرار مجموعة إتش إس بي سي البريطانية التخارج من نشاط الخدمات المصرفية للأفراد في مصر لم يكن مجرد صفقة استحواذ بين مصرفَين، وإنما يمثل أحدث حلقات إعادة رسم خريطة البنوك الدولية في الأسواق الناشئة، ويعيد في الوقت نفسه ترتيب موازين المنافسة داخل أحد أكثر القطاعات المصرفية استقراراً في المنطقة، مشيرين إلى أنه بعد أكثر من 44 عاماً من العمل في سوق التجزئة المصرفية المصرية، وقّع البنك البريطاني اتفاقية نهائية لبيع كامل محفظة الخدمات المصرفية للأفراد إلى البنك الإماراتي، محتفظاً في المقابل بجميع أنشطة الشركات والمؤسسات والاستثمار والتمويل التجاري، في خطوة تؤكد أن البنك البريطاني لن يغادر السوق المصرية، وإنما يعيد توجيه استثماراته نحو الأنشطة التي تمثل جوهر استراتيجيته العالمية.
من أكبر محافظ العملاء مرتفعي الدخل
وفقاً لخبير البنوك والتمويل رشاد عبده، فإنّ الصفقة تكتسب أهمية استثنائية؛ إذ تنقل إلى بنك الإمارات دبي الوطني واحدة من أكبر محافظ العملاء مرتفعي الدخل في السوق المصرية، وتمنحه قفزة كبيرة في نشاط التجزئة المصرفية، كما تأتي في وقت يشهد فيه الجهاز المصرفي توسعاً غير مسبوق في قاعدة العملاء، إذ ارتفعت معدلات الشمول المالي إلى نحو 75% من إجمالي المواطنين البالغين، بما يعادل قرابة 56 مليون مواطن يمتلكون حسابات مصرفية أو محافظ إلكترونية أو أدوات مالية رسمية، وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري.
وفي المقابل، تمثل الصفقة اختباراً جديداً لقدرة البنك المركزي المصري على إدارة واحدة من أكبر عمليات نقل محافظ العملاء خلال السنوات الأخيرة، في سوق تضم 37 بنكاً مرخصاً، لكنها لا تزال تتسم بقدر مرتفع من التركز، إذ تستحوذ البنوك الخمسة الكبرى على 69.7% من إجمالي الأصول، و67.2% من الودائع، و73.1% من القروض.
وقال عبده، إن التخوفات التي أثيرت حول الصفقة لا ترتبط بطبيعتها المصرفية؛ لأن بنك إتش إس بي سي في الأصل أجنبي، وإنما تعكس وجهات نظر لدى بعض المواطنين بشأن اتّساع حجم الاستثمارات الإماراتية في قطاعات مختلفة وذات حساسية اقتصادياً وأمنياً داخل مصر، مع الارتباط الوثيق بين الشركات الإماراتية والصهيونية والتي تعززت مؤخراً باتفاقيات قانونية تسمح بشراء وإعادة التداول للإسرائيليين لأصول إماراتية داخل ولاية الدولة وخارجها، وليس بسبب عملية الاستحواذ في حد ذاتها.
وبحسب خبير البنوك والتمويل فإأن البنك المركزي المصري يمثل الضمانة الأساسية في مثل هذه العمليات؛ لأنه لا يمنح موافقته إلّا بعد مراجعة دقيقة لجميع الجوانب المالية والفنية والتنظيمية، بما يضمن قدرة البنك المستحوذ على إدارة المحفظة الجديدة دون الإضرار بحقوق العملاء أو استقرار الجهاز المصرفي.
وأكد أن الصفقة تشمل نحو 330 ألف عميل، وهو ما يفرض على البنك المركزي وضع ضوابط واضحة تكفل حماية أموال العملاء وبياناتهم الشخصية، وضمان استمرار الخدمات المصرفية بصورة طبيعية، مشدداً على أن انتقال الملكية يجري وفق إجراءات رقابية دقيقة، وليس بصورة تلقائية، بما يحفظ جميع الحقوق والالتزامات.
وأكد عبده أن البنك المركزي المصري لا يكتفي بإصدار الموافقة على صفقات الاستحواذ، وإنما يمارس رقابة مستمرة على جميع البنوك العاملة في السوق، من خلال التفتيش الدوري ومراجعة المراكز المالية وجودة الأصول ونظم إدارة المخاطر، كما يملك صلاحيات واسعة للتدخل إذا تبين وجود ما يهدّد سلامة أي بنك أو استقرار الجهاز المصرفي، بما في ذلك توجيه إدارات البنوك، أو المطالبة بتغيير مجالس الإدارات، أو تعيين إدارات مؤقتة في الحالات التي تستدعي ذلك.
البنك البريطاني لن يغادر مصر
يشير خبراء بنوك إلى أنه رغم ما أثاره الإعلان عن الصفقة من انطباع لدى البعض بأنّ البنك البريطاني يغادر مصر، فإن الواقع مختلف تماماً؛ إذ تقتصر الصفقة على نشاط الخدمات المصرفية للأفراد. ووفقاً للمعلومات البسيطة التي أفصح عنها طرفا الصفقة لوسائل الإعلام المحلية، فإنّ الصفقة تشمل نقل جميع حسابات العملاء الأفراد، والودائع، والقروض الشخصية، وبطاقات الائتمان، والفروع المخصصة لهذا النشاط، وشبكة ماكينات الصراف الآلي، إلى جانب انتقال العاملين بقطاع التجزئة، فيما لم يكشف الطرفان القيمة المالية للصفقة، واكتفت المجموعة البريطانية بالإعلان أنها تتوقع تحقيق مكاسب رأسمالية تقارب 300 مليون دولار قبل الضرائب.
وتوضح القوائم المالية للبنك حجم النشاط الذي يجري نقله، إذ بلغت ودائع الأفراد نحو 142.8 مليار جنيه بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقابل محفظة قروض بلغت 18.9 مليار جنيه، منها 13.6 مليار جنيه قروض شخصية، و5.2 مليارات جنيه بطاقات ائتمان، بينما حقق القطاع صافي أرباح بلغ 948.4 مليون جنيه خلال الربع الأول وحده، بما يعادل نحو 16% من إجمالي أرباح البنك في مصر، التي بلغت ستة مليارات جنيه (الدولار = نحو 50 جنيهاً).
تعكس الأرقام حجم النشاط، والسبب الذي جعل محفظة "إتش إس بي سي" محل اهتمام عدد من أكبر البنوك العاملة في مصر؛ إذ تتميز بقاعدة ودائع ضخمة، وانخفاض نسبة القروض إلى الودائع إلى نحو 13%، فضلاً عن تمركزها في شريحة العملاء مرتفعي الدخل، وهي من أكثر الشرائح ربحية في القطاع المصرفي، وفقاً لمحللين يؤكدون أن موافقته على استحواذ البنك الإماراتي على محفظة عملائه يتعلق بتغير خريطة أعمال المجموعة البريطانية حول العالم.
تحولات "إتش إس بي سي"
في رصد "العربي الجديد" لتحولات البنك البريطاني تبين أنه منذ عام 2023 بدأ "إتش إس بي سي" مراجعة واسعة لأنشطة التجزئة المصرفية في عدد من الأسواق، قبل أن تتسارع وتيرة التنفيذ مع تولي جورج الحيدري منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة في عام 2024، إذ تبنّى استراتيجية تستهدف "تبسيط هيكل البنك عالمياً، وتوجيه رأس المال نحو الأنشطة الأعلى عائداً، وفي مقدمتها الخدمات المصرفية للشركات، وإدارة الثروات، والخدمات العابرة للحدود".
وخلال أقل من ثلاثة أعوام، تخارج البنك من نشاط التجزئة أو قلصه في كندا وفرنسا وجنوب أفريقيا والبحرين وسريلانكا والأرجنتين، كما يواصل تنفيذ عمليات مماثلة في أستراليا وإندونيسيا، وأنهى عملياته في بنغلاديش، بما يؤكد أن ما يحدث في مصر ليس استثناءً، وإنما جزء من إعادة هيكلة عالمية تستهدف زيادة الربحية، وليس الانسحاب من الأسواق.
بدوره أكد الرئيس التنفيذي لـ"إتش إس بي سي - مصر"، تود ويلكوكس، في بيان صحفي، أن البنك "ملتزم التزاماً طويل الأجل بالسوق المصرية"، وأن استراتيجيته ستظل قائمة على دعم الشركات والمؤسسات وربطها بشبكة البنك العالمية، فيما شدّد الرئيس التنفيذي لـ"إتش إس بي سي الشرق الأوسط"، سليم كرفانجي، على أن مصر تمثل إحدى الأسواق الاستراتيجية للمجموعة، وأن البنك سيواصل الاستثمار في كوادره وقدراته لخدمة المستثمرين الدوليين العاملين في البلاد.
بالنسبة للعملاء، يؤكد عبده أنّه لن يترتب على توقيع الاتفاقية أي تغيير فوري في تعاملاتهم اليومية، إذ سيواصل عملاء البنك البريطاني استخدام حساباتهم وبطاقاتهم الائتمانية وبطاقات الخصم المباشر والقروض والخدمات الإلكترونية بصورة طبيعية حتى انتهاء جميع الإجراءات التنظيمية. وعقب صدور الموافقات النهائية لصفقة الاستحواذ، سيبدأ تنفيذ خطة انتقال تدريجية يشرف عليها البنك المركزي المصري، تتضمن نقل الحسابات والمنتجات المصرفية والفروع والموظفين، مع إخطار العملاء مسبقاً بأي تغييرات قد تطرأ على أرقام الحسابات الدولية (IBAN)، أو البطاقات، أو التطبيقات المصرفية، أو برامج المكافآت، أو الرسوم، بما يضمن استمرار الخدمات دون انقطاع.
ويشير عبده إلى حق كل عميل في الانسحاب من البنك في حالة اعتراضه على سياسات البنك في شكله الجديد، مؤكداً أن هذه الضمانة مدعومة من البنك المركزي الذي لا يقتصر دوره على اعتماد نقل الملكية، وإنما يمتد إلى تقييم قدرة بنك الإمارات دبي الوطني على استيعاب المحفظة الجديدة.
في السياق ذاته يرى الخبير المصرفي، هاني أبو الفتوح، أن نجاح الصفقة لن يقاس بالإعلان عنها أو بحجمها المالي، وإنما بقدرة البنك المستحوذ على تنفيذ عملية الانتقال بسلاسة ودون التأثير في جودة الخدمة.
وقال أبو الفتوح في تصريحات صحفية، إن المحفظة التي ستنتقل إلى بنك الإمارات دبي الوطني تضم نحو 330 ألف عميل نشط، وهي محفظة تتمتع بجودة مرتفعة. وأضاف أن القيمة الحقيقية للصفقة لن تظهر عند توقيعها، وإنما بعد اكتمال دمج العملاء والأنظمة والفروع؛ لأن الحفاظ على مستوى الخدمة والثقة التي اكتسبها العملاء على مدار سنوات سيكون الاختبار الأهم أمام البنك المستحوذ.
تمثل الصفقة أحدث حلقات التوسع الإماراتي في القطاع المصرفي المصري، إذ سيرتفع الوزن النسبي لبنك الإمارات دبي الوطني بصورة كبيرة في سوق الخدمات المصرفية للأفراد، ليصبح بين أكبر ستة أو سبعة بنوك في هذا النشاط، وفق تقديرات مصرفية. تضم السوق المصرية حالياً أربعة بنوك إماراتية هي: بنك الإمارات دبي الوطني - مصر، وبنك أبوظبي الأول - مصر، ومصرف أبوظبي الإسلامي - مصر، وبنك أبوظبي التجاري - مصر، وجميعها عزّزت حضورها خلال السنوات الأخيرة عبر زيادة رؤوس الأموال، والتوسع في تمويل الشركات والأفراد، والاستثمار في الخدمات الرقمية. ورغم وجود 37 بنكاً مرخصاً، فإن النشاط لا يزال يميل إلى التركز؛ إذ تهيمن البنوك الحكومية الخمسة الكبرى على نحو 69.7% من إجمالي الأصول، و67.2% من الودائع، و73.1% من القروض.