تتوالى الأخبار عن التهديدات الصهيونية للقدس الشريف والمسجد الأقصى، وتذكر دائمًا وقوف الحركة الإسلامية الفلسطينية أمام مخططاتها والعمل المستمر لإجهاضها، ما توجب إلقاء الضوء على تلك الحركة والتعريف بمراحل نموها وبروزها على الساحة الفلسطينية.

 

وبرغم الاحتلال الصهيوني لم تكن فلسطين في معزلٍ عن الحركات الفكرية التي مرَّت بالوطن العربي من اشتراكية وشيوعية وليبرالية وغيرها، وكما سقطت تلك الحركات بكافة الدول العربية، فشلت في التواجد بالأراضي الفلسطينية سواء تلك المحتلة عام 1948م، أو في حرب 1967م، ومع بداية السبعينيات شهدت فلسطين بزوغ الصحوة الإسلامية بالتوازي لنهوضها في مصر والشام والمنطقة العربية.

 

وكما كان الإخوان المسلمون في طليعة الصحوة الإسلامية وأبرز قادتها بمختلف الدول، تولَّت جماعة الإخوان التمهيد لحركة إسلامية واسعة بالمجتمع الفلسطيني، ويؤكد المراقبون أن قطاع غزة كان هو الأسبق في الالتحاق بالصحوة الإسلامية لقرب القطاع من مصر مركز الإخوان العالمي، وبفضل انتقال العديد من الشبان الغزيين إلى مصر لإكمال دراستهم فتعرفوا على فكر الجماعة وتبنوا نهجهم الدعوي.

 

ثم انتقلت الدعوة الإسلامية إلى الضفة الغربية نتيجة الاحتكاك والتواصل الذي كان موجودًا بين الضفة وغزة، ومنها انتقلت الدعوة الإسلامية وفكر الإخوان المسلمين إلى مناطق الـ48 لتجتذب العديد من أهلها.

 

رائد النشأة

في منتصف سبعينيات القرن الماضي درست مجموعة صغيرة من طلبة الداخل الفلسطيني العلم الشرعي في المدرسة الإسلامية في نابلس، وكان من بين هؤلاء طالبان هما "رائد صلاح" و"عبد الله نمر درويش"؛ والتقى هؤلاء الفتية بعددٍ من مشايخ الإخوان المسلمين كالشيخ "حامد البيتاوي" والشيخ "أحمد الحاج علي" والأستاذ "نبيل البشتاوي"، وبعد لقاءات نقاشية مطولة، تأثَّر الشابان صلاح، ودرويش بفكر الإخوان، وأعلنا رغبتهما في الانضمام إلى الجماعة، ثم بعد ذلك انضمَّ الشابان إلى إحدى "الأسر" التنظيمية في نابلس، وبدءوا بتلقي فكر جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن يعود صلاح ودرويش إلى سكناهما داخل الـ 48 ليبدءوا مرحلةً جديدةً تتمثل بنشر أفكار الجماعة بين الشبان الفلسطينيين هناك.

 

مواجهة التهويد

وشمَّر درويش وصلاح عن ساعديهما، وبدءا بالعمل في منطقة المثلث العربي، واهتما بالبنية التحتية الاجتماعية، فأقاما شبكة من عشرات الجمعيات التي أسست بدورها رياض الأطفال والعيادات الطبية والنوادي الرياضية وكلية دينية.

 

كما أسس درويش "حركة الشباب المسلم" التي ركَّزت نشاطها بشكلٍ أساسي على السلطات المحلية، وحددت آلية عملها على النهوض بأوضاع فلسطينيي 48 ورعاية شئونهم بأنفسهم؛ بحيث يقوم المشاركون فيها بأعمال عامة مثل شق الشوارع والطرقات وإقامة محطات الوقوف والمواصلات العامة وترميم المدارس وتنظيف المقابر، وبناء الصفوف الدراسية وخدمات للمسنين والمكتبات العامة.

 

وساهمت الحركة الإسلامية في الداخل على حفظ الهوية الإسلامية للمواطنين العرب الذين تعرضوا لحملة صهيونية منظمة بغرض (تهويدهم)؛ وذلك من خلال الاحتفالات الدينية ودور القرآن الكريم والأعراس الإسلامية والنوادي الصيفية الطلابية، كما دخلت الحركة الإسلامية الحياة النقابية من باب الانتخابات البلدية والنقابات المهنية، وفازت في العديد من البلديات كأم الفحم وكفر قاسم وجلجولية ورهط وكفر برَّا.

 

أدب الاختلاف

وفي منتصف التسعينيات وقبيل انتخابات الكنيست الصهيوني، وقع الانقسام الأكبر في تاريخ الحركة، حين قام الشيخ عبد الله درويش بتأسيس ما سُمي "التيار المعتدل للحركة" الذي تحالف مع الحزب الديمقراطي العربي في وقتٍ لاحق، وخاض انتخابات الكنيست الرابعة عشرة عام 1996م معه في قائمة واحدة.

 

واختلفت الحركة بين مؤيد لدخول الانتخابات الصهيونية من أجل تحسين الواقع العربي، ومن أجل إضفاء شرعية قانونية على عمل الحركة الإسلامية، وبين معارض يرى فيها إعطاء الشرعية على وجود الاحتلال، وانقسمت الحركة الإسلامية إلى تيارين: الأول يمثله "درويش"، وهو تياري يوصف بالبرجماتي، يرفض الدخول في مواجهة مع دولة الاحتلال على قاعدة المواطنة والاندماج في الواقع مع الحفاظ على الهوية العربية، وقد سمي لاحقًا بـ"التيار الجنوبي".

 

وتيار ثانٍ يقوده الشيخ "رائد صلاح"، وهو يقيم علاقات قوية مع الحركات الإسلامية في الضفة والقطاع، وكان موقفه من الانتخابات العامة الصهيونية وسطيًّا بين رفض المشاركة فيها كحركة، مع السماح لأنصار الحركة بالتصويت فيها لبناء قوة تصويت عربية، وقد سمي بـ"التيار الشمالي".

 

المقاومة

لم يكن الموقف من الانتخابات الصهيونية هو السبب الوحيد لحدوث هذا الشرخ، بل لعبت عوامل أخرى في ذلك، كالموقف من العمل الجهادي المقاوم والعلاقة مع حركة حماس في الضفة وغزة والموقف من اتفاقية أوسلو وعملية السلام الفلسطينية الصهيونية.

 

وقد اتضح للمراقبين أن كلا الطرفين اتخذا مواقفهما تلك من أجل الارتقاء بالواقع العربي داخل الدولة العبرية، ومن أجل الحفاظ على إنجازات الحركة الإسلامية؛ أي أن الاختلاف كان في الأساليب والوسائل، وليس في الأهداف والنتائج، بعيدًا عن النظرة الشخصية والأهواء الذاتية، كما حافظ التياران على علاقات قوية فيما بينهما، وبقي الود والاحترام هو سيد الموقف في تعاطي الطرفين مع بعضهما البعض.

 

حماة الأقصى

 الصورة غير متاحة

إسلاميو 48 يضطلعون بمهمة حماية المسجد الأقصى المبارك

لعبت الحركة الإسلامية في الداخل دورًا كبيرًا ومشرفًا في خدمة المسجد الأقصى وحمايته من انتهاكات الصهاينة، فسيرت القوافل والحافلات التي تنطلق كل يوم جمعة إلى المسجد الأقصى، كما تبنَّت عمليات الترميم والصيانة في المدينة المقدسة، ويعود الفضل للشيخ رائد صلاح والحركة الإسلامية في إعادة ترميم المصلى المرواني بعد أن تُرك مهجورًا لمئات السنين.

 

كما تصدَّى شبان الحركة الإسلامية في كثيرٍ من الأحيان لمحاولات الصهاينة اقتحام الأقصى، واعتكف بعضهم على مدار الساعة داخل المسجد فيما يُعرف بمصطلح "المرابطين" الذين نذروا أنفسهم ووقتهم وجهدهم للدفاع عن الأقصى أمام الصهاينة الحاقدين.

 

كما يجري كل سنة مهرجان الأقصى في خطر الذي تقيمه الحركة الإسلامية في مدينة أم الفحم، ويشارك في هذا المهرجان عشرات الآلاف من المواطنين الذين يقسمون كل سنة ويتعهدون بحماية المسجد الأقصى المبارك.

 

الضفة وغزة

كما تلعب الحركة الإسلامية في الداخل دورًا بارزًا في إغاثة أهل الضفة وغزة بتقديم الدعم المالي والمعنوي والمواد الإغاثية، فضلاً عن تبني عوائل الشهداء والأسرى والجرحى، ومساندة عشرات الجمعيات الخيرية، هذا غير تنظيم عشرات المسيرات والتظاهرات الداعمة والمساندة لهم.

 

وتعرَّضت الحركة الإسلامية في الداخل ولا تزال، للعديد من المضايقات والضغوطات من قِبل الحكومات الصهيونية المتعاقبة؛ حيث تم اعتقال الشيخ رائد صلاح في بداية العام 2003م، ولمدة سنتين ونصف بتهمة تقديم مساعدات مالية لحركة حماس وتجنيد أشخاص للعمل في صفوف هذه الحركة، كما تم منعه عشرات المرات من دخول المسجد الأقصى وفرض الإقامة الجبرية عليه، وهو يواجه حاليًّا حكمًا صهيونيًّا بالحبس مدة تسعة أشهر بحجة التحريض على الاحتجاج، وستنظر محكمة صهيونية استئناف الحكم في مارس القادم.

 

كما قدمت الأحزاب الصهيونية في الآونة الأخيرة اقتراحًا للكنيست ينصُّ على اعتبار الجناح الشمالي للحركة الإسلامية في الداخل تنظيمًا خارجًا عن القانون، وفي حال تم إقرار هذا الاقتراح سيُمنح النظام القضائي في الدولة العبرية صلاحيات واسعة لمواجهة الحركة الإسلامية، كما من الممكن أن يتعرض قادة الحركة لعقوبات بالسجن لمدة عشر سنوات.

 

منذ حوالي أربعين عامًا بدأت الحركة الإسلامية داخل أراضي 48 بعدد محدود من طلبة العلم الشرعي لتغدو اليوم تنظيمًا كبيرًا يُعتبر الأول والأكبر بين الأحزاب العربية في الداخل، كما فشل الصهاينة فشلاً ذريعًا في إقصاء مواطني الداخل من الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتحوَّلت الحركة الإسلامية إلى شوكةٍ في خاصرة الدولة العبرية.