شكَّلت مشاركة رئيس وزراء حكومة "دايتون" سلام فياض في مؤتمر "هرتسليا" الصهيوني سابقةً جديدةً تضاف إلى سجلِّ هذا الرجل الأمريكي الهوَى، غربي المنشأ؛ ليطرح العديد من التساؤلات حول الدور الذي يلعبه فياض في السياسات الأمنية التي يجري رسمها في المنطقة.
يعدُّ مؤتمر "هرتسليا"- والذي يطلق عليه (هرتسليا للأمن والمناعة القومية)- من المؤتمرات السنوية التي تعقدها الدولة الصهيونية لوضع الخطط الأمنية الإستراتيجية التي من شأنها أن تبحث في جميع التهديدات المستقبلية التي تواجها الدولة العبرية، سواءٌ من قبل الدول أو التنظيمات، كما تناقش العديد من الأبحاث والدارسات التي يعدُّها كبار رجال الصهاينة من مفكرين وساسة ورجال اقتصاد وعسكريين وإعلاميين.
المؤتمر الذي يعدُّ من أهم المؤتمرات الصهيونية في شئون الأمن والسياسية والشئون الإستراتيجية، انطلقت أولى فعالياته في 2000 في بلدة "هرتسليا" الصهيونية الواقعة على ساحل البحر المتوسط شمال تل الربيع "تل أبيب" وإلى الجنوب من أم خالد "نتانيا".
وطرح المؤتمر العاشر هذا العام المشروع النووي الإيراني، والأزمة الاقتصادية العالمية، وأمن الطاقة، ومكانة الكيان في الساحة الإعلامية العالمية، والتوجهات الإستراتيجية في أوروبا والولايات المتحدة والكيان والعملية السياسية في الشرق الأوسط.
وللتدليل على أهمية هذا المؤتمر يشارك غالبية السياسيين الصهاينة وبالذات رؤساء الوزراء من على منصة هذا المؤتمر، ويعلنون عن مخططاتهم وسياساتهم خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا المؤتمر في الوقت الذي يدقُّ الكيان طبول الحرب ويسخِّن جبهتيه الشمالية والجنوبية، وفيما تبدو الضربة الصهيونية للمواقع الإيرانية مسألة وقت؛ الأمر الذي من شأنه أن يبعثر أوراق المنطقة ويبدِّد أوهام السلام وأحلام منظِّريه.
وهم الإنجازات
ونقلت صحيفة (يديعوت أحرنوت) الصهيونية عن الوفد المرافق لفياض قوله إن فياض تلقَّى رسائل تهديد بالقتل على خلفية مشاركته بمؤتمر "هرتسليا"، وقال فياض- خلال كلمة شارك بها في المؤتمر-: "إن السلطة استطاعت أن تنجز الكثير من القضايا الحيوية في الضفة الغربية، لا سيما في مجالات الأمن".
وقصد فياض بتلك الإنجازات الأمنية في الضفة الغربية حماية ظهر الصهاينة من خلال التنسيق الأمني، وضرب قوى المقاومة، وسحب سلاحها، واعتقال المجاهدين واغتيال بعضهم، وتفكيك خلاياهم، وتفريغ المساجد من محتواها، عبْر إقصاء المشايخ والأئمة المخلصين، واستبدالهم علماء السلاطين بهم.
كما نجح فياض في حلِّ عشرات الجمعيات الخيرية التي كانت داعمةً للفقراء واليتامى والأرامل، كما حارب فياض الناس بأقواتهم حين فصل مئات الموظفين من الدوائر الحكومية لشبهة تعاطفهم من حركة حماس، كما أعاد فياض وأجهزته الأمنية عشرات الصهاينة الذين دخلوا المدن الفلسطينية عن طريق الخطأ (حسب ادِّعائهم).
كما أعاد فياض خلال كلمته في المؤتمر التذكير بأن منظمة التحرير الفلسطينية تنازلت عن 78% من أرض فلسطين التاريخية، والموافقة على إقامة سلطة الحكم الذاتي على 22% المتبقية مقابل اعتراف الصهاينة بمنظمة التحرير ممثلاً شرعيًّا ووحيدًا للفلسطينيين، كما أعرب عن رغبة الفلسطينيين العيش بسلام مع جيرانهم الصهاينة، على حدِّ زعمه.
لقد تحوَّل فياض إلى احد أقطاب مشروع ما سُمِّي بالسلام الاقتصادي للقضية الفلسطينية، والذي يقوم بالأساس على فكرة تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطنين الفلسطينيين، مقابل التنازل عن فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة والاكتفاء بحكم ذاتي داخل المدن الرئيسية تضمن حفظ أمن الصهاينة.
مواقف وردود
![]() |
|
فياض مع وزير الحرب الصهيوني باراك خلال مؤتمر هرتسليا |
وأشارت الكتلة إلى أن هذه المشاركة هي انحطاطٌ وطنيٌّ خطيرٌ ودليلٌ على مدى الولاء المطلق لسلام فياض وزمرته للعدو الصهيوني، ويعبِّر عن حقيقة من نصَّب هذا الرجل ليكون أداةً صهيونيةً وأمريكيةً رخيصةً.
وعبَّرت الكتلة عن غضبها تجاه الاستمرار في تطبيق الأجندة الصهيونية والأمريكية بالضفة الغربية المتمثلة بالهرولة تجاه المفاوضات العبثية والتنسيق الأمني ومحاولات استئصال المقاومة، ثم المشاركة في رسم المستقبل الصهيوني في المنطقة، والذي لم يجنِ أصحابه إلا المزيد من اللعنات الوطنية التي ستبقى تطاردهم في كل مكان.
كما استهجنت حركة الجهاد الإسلامي بدورها مشاركة سلام فياض في المؤتمر الصهيوني، ووصف الشيخ نافذ عزام عضو المكتب السياسي للحركة في تصريحاتٍ صحفية هذه المشاركة بالخاطئة تمامًا والمستهجنة من معظم الفلسطينيين.
وتساءل الشيخ عزام: "لماذا يذهب الدكتور فياض إلى هذا المؤتمر الذي يرسم سياسة الاحتلال الأمنية بحق شعبنا وقوى مقاومته؟!".
انفلات سياسي
ولم تقتصر ردود الفعل المندِّدة بحضور فياض للمؤتمر على حركات المقاومة، بل امتدَّت لتشمل بعض الأصوات داخل حركة "فتح"؛ حيث انتقد حاتم عبد القادر مسئول ملف القدس في فتح مشاركة فياض في المؤتمر.
وقال في تصريحات صحفية إن حركته تشعر بغضب شديد إزاء هذه المشاركة في مؤتمر مؤسسة الأمن القومي الصهيوني، الذي خصَّص أبحاثه هذا العام لبحث السيناريوهات المتعلقة بإضعاف الشعب الفلسطيني وإجهاض حقوقه، وعلى رأسها تعزيز السيطرة اليهودية على القدس!.
ووصف عبد القادر المؤتمر بأنه مؤتمرٌ عدوانيٌّ بكل المقاييس، ولا يجوز لأي شخصية فلسطينية المشاركة فيه، مطالبًا "منظمة التحرير الفلسطينية" بتحمُّل مسئولياتها إزاء ما وصفه بـ"الانفلات السياسي" لبعض المسئولين الفلسطينيين.
