أكد الشيخ الدكتور عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية الكبرى بالقدس وخطيب المسجد الأقصى رفضَه الشديد محاولات تدويل مدينة القدس، أو وضع إشراف دولي على المقدسات الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الإشراف الدولي يعني عجز الأمة العربية والإسلامية على تحرير مقدساتها، ومن ثمَّ استحالة تحريرها بعد ذلك من القوات الدولية، فليس باستطاعة أي فصيل مهما كان محاربةُ هيئة الأمم، لكن باستطاعة الشعوب تحرير أنفسها من الاحتلال والعدوان.

 

وقال- خلال لقائه بمكتبة الإسكندرية صباح اليوم، ضمن فعاليات حوار الثقافة العربية-: "نحن لا نثِقُ في المنظمات الدولية حتى نوافق على إشرافها على المقدسات"، مشيرًا إلى أن اليونيسكو على رأس المنظمات التي يرفض الشعب الفلسطيني التعامل معها؛ حيث أقامت الدنيا وحرَّكت الإعلام العالمي، وأثارت الرأي العام العالمي من أجل محاولات طالبان هدم تماثيل بوزا في أفغانستان، في الوقت الذي تغضُّ الطرف فيه عن العدوان على المسجد الأقصى ومحاولات هدمه والاعتداء عليه، بل الأدهى من ذلك أنها تواطأت أثناء حرق باب المغاربة ضد الشعب الفلسطيني.

 

وتساءل: "هل نحن العرب والمسلمون قُصَّر، ووصلت بنا درجة المذلة حتى نناشد مجلس الأمن من أجل الحفاظ على مقدساتنا؟!"، مشيرًا إلى أنه إذا كان من الضروري أن يكون هناك أحاديث حول هذه الأمور فلن تتم إلا من خلال جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي؛ على اعتبار أنهم أصحاب الاختصاص الأصيل.

 

وطالب الشعوب العربية والإسلامية وخصَّ منها الإعلام بأن يتخذ مواقف أكثر إيجابيةً، ودعمًا للقضية الفلسطينية، والوقوف ضد محاولات تهويد القدس، واستغلال المواقف المختلفة من أجل النشر المتكرر لما يتعلق بالقضية، حتى لو وصل الأمر إلى نشر الأخبار أكثر من مرة، بالإضافة إلى الإشادة بالدور السويدي الذي تدخَّل مؤخرًا في القضية، وتفعيل تقرير جولدستون.. المهم أن يخرج الحديث إلى العالم الغربي للتعرف على مدى معاناة الشعب وخطورة القضية.

 

كما طالب الشباب بشكل أكبر بأن يُولوا القضية اهتمامًا أكبر مما هو عليه، معتبرًا أن دور الشباب في المقام الأول دور إعلامي وثقافي، من خلال الدراسة المهتمة بتاريخ القدس ودراسة جغرافيا وتاريخ فلسطين منذ ما قبل 67 و 48 وحتى الآن، وأن يستعينوا بالوثائق حتى يكونوا خير سفراء للقضية في الخارج، وأن يناقشوا القضية من منطلق فكري وثقافي، لا عاطفي فقط دون قرائن ودلائل.

 

وناشد الحضور والشعب المصري أن يدعموا المقدسيين الذين يواجهون الكيان الصهيوني في القدس، مستعينين بعرب الـ 48، في ظل تضييق الحصار عليهم ومنعهم من إقامة البيوت؛ حتى بدأ بعض الشباب إلى الاضطرار لمغادرة القدس والهجرة خارجها؛ في ظل محاولات اليهود المستميتة من أجل تهويد القدس؛ حيث يخططون لأن يكون نسبة اليهود في المدينة 88% مقابل 12% فقط عرب؛ حتى يجزموا أمام العالم أن المسلمين أقليَّةٌ، وبالتالي يسهل تهجيرهم من المدينة وإحداث تغيير حتمي وخلل حقيقي في الجغرافيا.

 

واستبعد بشدة أن يستطيع الكيان الصهيوني الوصول إلى هذا الغرض؛ حيث يتغيَّر معدل المواليد بشكل أقوى لصالح الشعب الفلسطيني؛ ففي عام 1967م كان عدد سكان القدس 70 ألفًا، أما الآن فعدد سكان القدس وحدها 280 ألفًا، معتبرًا أن العدد كان من الممكن أن يتجاوز العدد الحالي بأضعاف لو لم يكن هناك اعتقالات صهيونية وتهجير اليهود إلى القدس.

 

وحول الحديث عن إسلامية القدس في ظل وجود يهود ومسيحيين، أكد "خطيب الأقصى" أنه من الطبيعي أن يكون الحديث من هذا المنطق الإسلامي؛ حيث إن الإسلام هو الديانة الوحيدة فيهم التي تعترف بالديانتين الأخريين، مشيرًا إلى أنه منذ أن فتح الخليفة المسلم عمر بن الخطاب القدس كان المسيحيون لهم حقوقٌ في الدولة، وكان لليهود أيضًا وجود في المدينة، بعدما لم يكن لهم وجود في عصور الرومان التي عانى منها المسيحيون أنفسهم، كما أكد أن وجود هذه الأطياف والديانات أمرٌ طبيعيٌّ جدًّا، لكن الحديث يكون عن إدارة الدولة.

 

كما شدَّد على أن اليهود يحاولون اللعب بهذه النظرية في مواجهة المقاومة، سعيًا إلى تدويل المدينة تحت ادِّعاءات قيام المسلمين بالتهجير الجبري لهم من المدينة والاضطهادات الدينية، وهو ما جعل القيادات المسيحية تعقد عدة مؤتمرات حاشدة تُفَنِّد هذه الأكاذيب اليهودية، وتؤكد أن المسلمين والمسيحيين في خندق واحد منذ 15 قرنًا، ولا يوجد بينهم أي خلافات، وتحكمهم الوثيقة العمرية التي منحها الخليفة عمر بن الخطاب للمسيحيين، وأكد أن الهيئة الإسلامية العليا يحضر فيها ممثلون عن الكنائس في القدس.

 

أما عن موضع القدس ثقافيًّا ووثائقيًّا فأشار "عكرمة" إلى أن الحكومة التركية تعاونت بشكل كبير وفتحت قسم الوثائق على مصراعيه لأي باحث في هذا المجال، مشيرًا إلى أن الوثائق توضِّح بشدة أن هذه الأماكن عربيةٌ وإسلاميةٌ ولم يكن لليهود في أي وقت من الأوقات وجودٌ فيها بهذا الشكل الذي يدَّعونه، وهذه المزاعم الخاطئة بشأن هيكل سليمان، كما أشار إلى أنه بعد العام الماضي الذي تمَّ فيه اختيار القدس كعاصمة للثقافة العربية؛ طالبت الهيئة الإسلامية الكبرى بفلسطين جامعة الدول العربية أن تقترن القدس كل عام بالمدينة التي يتم اختيارها كعاصمة للثقافة العربية، وهذا ما وافقت عليه الجامعة، ووافقت عليه أول دولة يأتي عليها هذا اللقب، وهي قطر، وبالتالي ستكون الدوحة والقدس هما عاصمتا الثقافة العربية، وتبعها عدد من الدول أبدَوا موافقتهم الواضحة على هذا الأمر؛ من أجل استمرار إحياء القضية وبقائها في الذاكرة.

 

وحول سؤال عن الإطار القانوني الذي يمكن أن تتخذه الشعوب في مواجهة الاحتلال الصهيوني، قال خطيب الأقصى: كلٌّ منكم على ثغرة، ولينظر ماذا يستطيع أن يقدم فيها، معتبرًا أنه من الفرض على كل فرد عربي ومسلم أن يخدم القضية بما يستطيع فعله، وألا يستقل إمكاناته أو تخصصه، موضحًا أن المسجد الأقصى ليس فقط في المسجد أو في مسجد القبة الذهبية وإنما في المنطقة المقدسة بالكامل، مطالبًا الإعلام بأن يقوم بالتركيز على كامل المنطقة المقدسة، من خلال التركيز على الصور المأخوذة بالطائرات.

 

وفي ختام اللقاء أهدى الشيخ الدكتور عكرمة صبري المكتبة لوحةً صدفيةً مطرَّزةً تحتوي على صورة المسجد الأقصى، كما أهداها أيضًا صورةً علويةً مأخوذةً بطائرة للمنطقة المقدسة التي تشمل بداخلها المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

 

وأعلن الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية أنه بعد هذا اللقاء ستبدأ المكتبة انطلاقًا من دورها الثقافي والثغرة التي تقف عليها في تأسيس موقع خاص بوثائق القدس المتعلقه به منذ بداية نشأتها، مستعينةً بشيخ القدس، وهو ما أعلن عن موافقته عليه، واعتبر أن صورة القدس المأخوذة بالطائرة تُعتبر افتتاح التعاون والتجهيز للموقع التوثيقي، وهو ما أثار إعجاب الحضور حتى شهدت قاعة الندوة فترات تصفيق حادة من كثرة الإعجاب.