- النقيب عدوان: أحد جنودنا ذهب ليتوضأ فعثرنا عليه شهيدًا تحت الأنقاض

- الطائرات الصهيونية دمرت 41 مسجدًا على المصلين خلال العدوان

- "أم محمد" الديب فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها وابنها الباقي فقد ساقيه

 

قطاع غزة- براء محمود:

تطرق الذكرى الأولى للحرب على قطاع غزة أواخر العام الماضي عقول أهالي القطاع، لا سيما المجاهدين وضباط الشرطة الفلسطينية الذين عايشوا الضربة الأولى، فتفجر ذكريات قاسية يبدو أن السنين لن تمحوها.

 

فالرائد نعيم الكرد ما زال يعايش أقسى لحظات الحرب، وخاصة اليوم الأول هو تلقيه نبأ استشهاد مدير شرطة المعسكرات الوسطى عماد أبو الحاج.

 

وأضاف: "عندما علمت باستشهاده لم أتمالك نفسي، علاقتي معه تعود لأكثر من 15 عامًا، ورغم إصابتي صممت على مواصلة العمل ونزلت إلى الشارع بإصابتي".

 

أما النقيب عبد الله عدوان فلا يزال يذكر استشهاد أحد أفراد شرطته، ويدعى جمال النوري، والذي استشهد تحت أنقاض مقره.

 

وأضاف: "كان قد ذهب ليتوضأ ولم نلحظه، وكان في الصلاة عندما وقع القصف، وعثرنا عليه في ثاني يوم تحت الأنقاض، وقد استشهد وهو يحاول الخروج من بيت الدرج".

 

ويستذكر مجاهدون من كتائب القسام الجناح العسكري لحماس فصول المعركة التي دارت قبل عام داخل أحد الأبراج شمال قطاع غزة.

 

ويقول أحدهم: "تلقينا تعليمات من القيادة بالتوجه إلى برج الأندلس لموقعه الإستراتيجي، خاصة أن ارتفاعه يمكن من رصد المنطقة"، مشيرًا إلى أن التحصن فيه من الممكن أن يحول دون تمركز قوات صهيونية بداخله في حال اقتحام المنطقة.

 

وعلى حين غرة سقطت أربعة صواريخ مدفعية على سطح البرج؛ ما دفع المجاهدين بالتحصن أسفل السلم، والتفرق.

 

استمر دك البرج بالصواريخ الصهيونية لثلاث ساعات متواصلة؛ الأمر الذي دفع بقائد المجموعة بطلب الانسحاب من المكان.

 

ويضيف المجاهد: "جاء أمر الانسحاب من مسئول المجموعة بعد ثلاث ساعات من دك البرج بالصواريخ، خرج الجميع ولكن بقي مجاهدان عالقين في الداخل، اعتقدنا أنهما استشهدا وانتشر الخبر، وما عزز فكرة استشهادهما هو استمرار القصف بشكل عشوائي على البرج".

 

وصعق المجاهدون حين رأوا سقوط قنبلة فسفورية على البرج، تبين فيما بعد أنها أحرقت أيدي ووجوه أغلب المجاهدين المتحصنين أسفل البرج، إضافة إلى إصابة العديد من المواطنين القاطنين في محيط البرج.

 

لطف الله

 الصورة غير متاحة
ويقول مجاهد كتب الله له البقاء على قيد الحياة: "مع توالي سقوط الصواريخ، سقطت فأصبحت معلقًا في أحد الأسقف المدمرة، قدماي إلى الأسفل ورأسي إلى أعلى، أما زميلي فسقط في البدروم فوجد نفسه غارقًا في بركة مياه حجبت عنه لهيب النيران".

 

ويضيف المجاهد الذي علق على السقف: "عندما سقطت بفعل القصف لم أشعر بأية أوجاع، وظننت نفسي قد استشهدت"، وأضاف "حينها تذكرت قول رسولنا الكريم عندما قال عن الشهادة في سبيل الله وكأنها قرصة".

 

فيما يقول المجاهد الذي سقط في البدروم: "خرجت من وسط العتمة، لم أكن أرى أصبعي من شدة الظلام والغبار.. تعثرت بالحجارة، وفجأة وجدت الدرج أمامي، وصعدت من فتحة أعددناها مسبقًا في الأسفل، وزحفت قليلاً حتى وصلت إلى بناية مجاورة احتميت بها".

 

ولم يشعر المجاهد بالآلام التي أصابته إلا بعد فترة، كما يقول، ويردف: "كان ظهري مصابًا بكسور؛ لكني لم أشعر بالألم لسخونة جسدي إلا بعد مدة من الإصابة، قفزت عبر المنازل حتى وصلت إلى منزل آمن، وقدم لي أصحاب المنزل العناية، ولكن ما زلت أتعجب كيف خرجت من الفتحة التي ثبتتني في السقف، وأقسم بالله لو جئتم بي الآن، وكنت في نفس الوضعية ما استطاع إخراجي عشرة رجال".

 

ويؤكد المجاهدون أن الأجواء كانت في غاية السخونة، خاصة أن الطائرات الحربية الصهيونية لم تكن تغادر أجواء غزة، ويقول أحدهم مازحًا: "كنا أقرب إلى فيلم الأكشن من الواقع".

 

وتحوَّل أكثر من واحد وأربعين مسجدًا في قطاع غزة إلى أثر بعد عين، بعد أن سويت بالأرض وبداخلها المصلون يؤدون الصلوات؛ حيث لم تكن المساجد والمآذن خلال الحرب الصهيونية الأخيرة في مأمن من بطش طائرات الاحتلال الصهيوني.

 

فمنذ اليوم الأول بدأت دولة الاحتلال باستهداف المساجد بشكل مباشر لتطال نيران حقدها بعد أيام من الحرب مسجد الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة، وبداخله المصلون يؤدون صلاة المغرب لترتكب مجزرة حقيقية بحق المصلين في ذلك المسجد.

 

وعن هذه المجزرة يقول أبو محمد السيلاوي الذي فقد فيها خمسة من أفراد عائلته: "في ذلك الوقت كنا نصلي المغرب والعشاء جمعًا؛ بسبب ظروف الحرب وأثناء موعظة كان يلقيها أحد المشايخ كانت طائرات الاحتلال تطلق حمم صواريخها على المصلين بداخل المسجد لتقتل ستة عشر مصليًا تناثرت أشلاؤهم على الجدران، وسالت دماؤهم على أبواب المسجد.

 

ويضيف أبو محمد بصوت يعتريه الحزن والأسى: "هذه الذكرى تفتح لنا الجرح من جديد وبيت عزاء جديد، فهي تذكرنا بهؤلاء الشهداء الذين ما نسيناهم منذ رحيلهم قبل عام, ففي هذه الأيام لم يبق لنا سوى أن ندعو الله أن يرحمهم".

 

أما رامز أبو ناجي من رواد المسجد فيقول: "هذه الجريمة لم تنتهِ أحداثها بعد، فهناك العديد من المصابين ما زالوا يعانون من إعاقات دائمة نتيجة الأسلحة المحرمة دوليًّا التي استخدمها الاحتلال في حربه البشعة، وتسببت بإعاقات تلازمهم طوال حياتهم.

 

وأضاف: "لقد أدينا الصلاة داخل المسجد خلال الحرب؛ لنقول للاحتلال إن مساجدنا باقية ومآذننا شامخة ولن تسقط بإذن الله, وإن المجازر لن ترهب شعبنا، وسنبني مساجدنا من جديد لتخرج حفظة القرآن الكريم".

 

قصف المسجد

 الصورة غير متاحة
أحد الشهود على المجزرة قال لـ(إخوان أون لاين): "كنا نستمع لموعظة بعد صلاة العشاء جمعًا فإذا بصاروخ يسقط على باب المسجد فأخذ الناس يهرعون"، مبينًا أنه رأى العديد من الجثث والأشلاء المتقطعة وجرحى يصرخون ودماء قد تناثرت على باب وجدران المسجد.
وأوضح أبو محمد أنه حاول إسعاف الجرحى؛ لكنه لم يستطع من هول المنظر آنذاك، مشيرًا إلى أن جيران المسجد هرعوا للمكان وأسعفوا الجرحى عبر السيارات المدنية حتى جاءت طواقم الإسعاف وانتشلت 16 شهيدًا ارتقوا وهم داخل المسجد.

 

كثيرة هي العائلات التي أبيدت عن بكرة أبيها في ساحة مدرسة الفاخورة؛ لتتناثر أشلاؤهم على الجدران والشوارع.

 

فالحاجة أم محمد ديب (42عامًا) التي فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها خلال مجزرة مدرسة الفاخورة, وكذلك بترت ساقا ابنها, أخذت ذكرياتها تعود إلى ما قبل عام وعلامات الحزن تبدو جلية على وجهها فتقول: "كل يوم هو جرح جديد لي, فعند مشاهدتي لصور زوجي وأبنائي الشهداء، أو رؤية ابني الجريح زياد الذي لم يتجاوز من العمر 27 عامًا، وقد أصبح معاقًا، يتجدد الحزن, فمشهد القصف ورؤية دماء زوجي وأبنائي تملأ المكان".

 

وتكمل حديثها قائلةً: "عندما تعود بي الذاكرة إلى ذلك اليوم أشعر بنار في قلبي تحرقني وتحرق معها كل الذكريات الجميلة التي عشتها مع زوجي وأبنائي, لقد عشت عامًا حزينًا، واليوم يتجدد هذا الحزن بشدة, ففي مثل هذه الأيام افتقدناهم وسالت دماؤهم فحسبنا الله ونعم الوكيل..".

 

وتعود ذاكرة بكر معين ديب 20 عامًا الذي فقد خمسة من أفراد أسرته؛ ليروي حكاية مجزرة الفاخورة قائلاً: "لقد كانت عائلتي جالسة في ساحة المنزل، وأثناء خروجي من المنزل سمعت صوت قصف صهيوني فعدت بسرعة باتجاه منزلنا فوجدت أبي وأمي وأخوتي مضرجين بالدماء وأختي قد تناثر جسدها على الجدران فخرجت إلى الشارع باتجاه مدرسة الفاخورة، فرأيت جثث المواطنين ممزقة في محيط المدرسة، ورأيت جثثًا محروقة ومتفحمة لأطفال بجوار مدرسة الفاخورة".

 

وأضاف بكر قائلاً: "هذه ذكريات مؤلمة جدًّا لنا، فلقد فقدت أحد عشر من أفراد عائلتي خلال هذه المجزرة، وذاكرتي لا تقوى على نسيانها، وتفاصيل الحرب سأرويها لكل من لا يعرف قصتنا؛ لكي تبقى شاهدة على جريمة هذا الاحتلال".

 

عائلة بعلوشة

 الصورة غير متاحة
كثيرة هي الذكريات المؤلمة التي تمر على عائلة المواطن أنور بعلوشة (38 عامًا), حيث منزلها الذي هدم فوق رءوس بناتها مع بداية الحرب الصهيونية عندما قصفت الطائرات مسجد عماد عقل في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، فاستشهدت (تحرير وإكرام وسمر ودينا وجواهر)، تاركات خلفهن أحزانًا لا يستطيع مرور الزمن محوها من الذاكرة.

 

وبصوت يعتريه الحزن والأسى يقول بعلوشة: "نحن لا نعيش على ذكريات الحرب، بل نعيش آلامها وأحزانها كما هي منذ أن بدأت, فلا يمر علينا يوم إلا وأتذكر بناتي الخمسة اللواتي ذهبن في غمضة عين بسبب هذا الإجرام والحقد الصهيوني".

 

يتوقف بعلوشة قليلاً، محاولاً إخفاء دموعه قائلاً: "لقد اشتقت إلى بناتي فصوتهن لا يفارق سمعي منذ استشهادهن, لقد كانت أيامنا سعيدة ومستورة وبناتي يحلمن كباقي الأطفال، ولم يعرفن أنه سيأتي اليوم الذي تطالهن فيه يد الغدر الصهيوني التي طالت البشر والشجر والحجر".

 

وتجلس أم محمد بعلوشة وهي تنظر إلى صور بناتها الخمسة، وصوت آهاتها يعلو لذكرى أليمة تجدد فيها حزنها على فلذات كبدها, لتقول: "لا تحرموني من بناتي لقد اشتقت إليهن، فصورهن لا تفارق عيني منذ استشهادهن, فتأتي ذكرى الحرب لتحرق قلبي على بناتي مرة أخرى كما حرقته وقت استشهادهن".

 

وتصارعت دمعاتها التي تساقطت على صور بناتها قائلةً: "متى سيتحرك العالم لمحاكمة هؤلاء المجرمين الصهاينة الذين قتلوا بناتي، وأحرقوا قلبي عليهن, فما زلت أتذكر كيف كانت "تحرير" تساعد أخواتها وتساعدني في البيت, لقد كانت أيامًا جميلةً حرقها الصهاينة بلحظات ودون أي عقاب.. حسبي الله ونعم الوكيل".

 

أما شقيقة الشهيدات الخمسة الطفلة سماح بعلوشة (11عامًا) لم تتوقف عبراتها عن الهطول عندما تحدثت عن أجمل الذكريات التي عاشتها مع شقيقاتها, قائلةً: "كل ما أتذكره أنني اشتقت إليهن جميعًا، وأنهن ذهبن إلى الجنة إنني أتمنى أن ألحق بهن".

 

لم يبق الاحتلال أسلوبًا في الإجرام إلا وقد استخدمه مع عائلة أبو حليمة في منطقة العطاطرة التي نفذت بحقها أبشع المجازر والجرائم إبان الحرب الصهيونية الأخيرة على القطاع, تلك المجزرة يروي حكايتها إسلام أبو حليمة "22 عامًا" أحد الناجين من المجزرة المروعة قائلاً: "لقد كانت عائلتي جالسة في المنزل، فخرجت من المنزل، وفجأة سمعت صوت انفجار, فعدت إلى المنزل لأرى جثثًا مشتعلةً ومحروقةً لأبي وإخوتي وزوجة أخي على عتبة المنزل، وكانت جثة أبي تزيد اشتعالاً كلما حاولنا إطفاءها لاستخدام الاحتلال قذائف الفسفور الأبيض المحرمة دوليًّا".

 

ويضيف أبو حليمة: "خرجت من المنزل ببعض المصابين من عائلتي على عربة كارو، وأثناء الطريق أوقفنا الجيش "الإسرائيلي" أمام مدرسة، فرفعنا أيدينا فقام الاحتلال بإعدام سائق العربة بإطلاق النار على رأسه وإعدام ابن عمي، ومن ثم أطلق النار علينا فخرجنا من ذلك المكان, وبعد خروجنا رأينا الاحتلال يطلق النار على الجثث التي تركناها في جريمة فوق جريمتهم التي ارتكبوها بقذائف الفسفور".

 

إسلام في ذكرى استشهاد ستة من أفراد أسرته بمجزرة مروعة يقول: "لا تتركوا مجرمي الحرب الصهاينة طلقاء, هناك تقرير دولي اسمه "جولدستون" يدين الاحتلال؛ فلماذا لا يتحرك العالم لمحاكمة المجرمين الصهاينة, لقد نفذت "إسرائيل" بحق عائلتي جريمة بشعة لا يتصورها العقل البشري, هؤلاء المجرمون يجب أن يحاكموا وأن يذوقوا نفس الكأس الذي تجرعناها.

 

يُشار إلى أن الحرب الغادرة خلفت أكثر من 1500 شهيد و5000 جريح من الأطفال والنساء والشيوخ وإصابات في حالات إعاقة دائمة وسط صمت دولي مريب، وعلى الرغم من ذلك يؤكد الأهالي أن ذكرى الحرب الصهيونية لا يمكن أن تُنسى, فمشاهدها الدامية لصور الشهداء والجرحى وهم يموتون ويئنون على الأرض، والأطفال يصرخون بلا مغيث، هل ستكفي لإيقاظ العالم من سباته العميق؟!