انقضى العام الأول على الحرب القذرة التي شنَّها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة، ودمَّر فيها الحجر والشجر والبشر، فيما لا يزال الآلاف من المشرَّدين ممن طال القصف منازلهم ودمَّرها عن بكرة أبيها يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، تارة تحت أشعة الشمس الحارقة، وتارة أخرى تحت برد الشتاء القارس، وعواصف الرياح الهوجاء بانتظار من يعيد لهم الأمل ببناء منازلهم بعد أن أصبح ملف إعادة الإعمار "مفقود الأمل".
وأتت الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة في السابع والعشرين من العام الماضي على عشرات آلاف المنازل وسوَّتها بالأرض، فيما ارتقى أكثر من 1500 شهيد، وأُصيب ما يزيد عن 5000 نصفهم من النساء والأطفال، واضُّطر المئات من السكان المشردين إلى العيش في خيام قماشية على أنقاض منازلهم المدمرة في انتظار إعادة الإعمار الذي يَحُول الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة منذ ما يقارب الأربع سنوات دون تنفيذه.
فالمواطن خالد عبد ربه يزداد وضعه سوءًا شيئًا فشيئًا؛ حيث يضطر هو وأحد أبنائه للتنقل من منزل لآخر، موضحًا أنَّه بات لا يستطيع أن يوفر حتى الإيجار للمنزل الذي يعيش فيه هو وأطفاله.
ووصف عبد ربه حالته في الوقت الحالي بالمدمر كليًّا، موضحًا أن الكثير من الجمعيات الخيرية رفضت أن تمده بالمساعدة، وطالب عبد ربه المؤسسات المانحة بالوقوف إلى جانبه في هذه المحنة، وطالب الحكومتين أن تتحدا لتعيدا بناء ما تم تدميره من منازل في الحرب.
المواطن مجدي عبد ربه لم يكن أحسن حالاً؛ حيث لم يجد أماكن يلجأ إليها سوى الخيام أو الإيجار، وقال عبد ربه لـ"إخوان أون لاين": أوضاعنا تزداد سوءًا بسبب عدم توفر أبسط مقومات الحياة.
ولفت النظر إلى أن الجهات المانحة مثل الـ"UNDP" و"الأونروا" وعدتهم منذ أكثر من 8 أشهر بتحسين أوضاعهم، لكنها لم تتحرك حتى الآن, مطالبًا الجهات المعنية- التي لم تستطع حتى الآن أن تعيد إعمار منازلهم- أن توفر لهم الإيجار اللازم.
المواطن محمد أيوب الحاج دفعه الشتاء والبارد القارس لوضع بعض ألواح الزينقو على الخيمة التي يقطن بها هو وعائلته منذ ما يقارب العام؛ لتحميه من البرد والعواصف، وتمنع دخول مياه الأمطار إلى داخلها، مشيرًا إلى أنه غير قادر على توفير مكان صحي يعيش فيه أبناؤه.
ويقول لـ"إخوان أون لاين" في الذكرى الأولى للحرب بصوت ملأه الألم على حال أطفاله: "معظم أبنائي مرضى بالإنفلونزا لعدم توفر غرف صحية يعيشون فيها".
أسامة زياد السلطان (34 عامًا) يستذكر حالة أسرته قبل عام من الحرب قائلاً: "كنت أسكن في حي السلاطين مع إخوتي، وكنا نمتلك أربعة بيوت، لكل واحد منَّا بيته الخاص، وبعد الحرب دُمِّرت بيوتنا وأصبحت الخيام هي مأوانا وملاذنا".
وأضاف لـ"إخوان أون لاين": "جاء فصل الشتاء علينا ونحن في تلك الخيام البالية التي لا تستطيع حمايتنا من البرد أو من تدفُّق المياه".
وتابع: "منذ اللحظة الأولى لنزول المطر غرقت أمتعتنا وتبلَّلت حاجاتنا، على الرغم من أن الشتاء كان خفيفًا جدًّا في بدايته, فماذا سنفعل عندما تشتدُّ قسوة الشتاء علينا؟! فتلك الأقمشة الخفيفة لن ترحمنا، ولن تستطيع حمايتنا اليوم من صعوبة فصل الشتاء؛ فهي لم تستطِع حمايتنا من شمس الصيف الحارقة بالأمس".
وأوضح السلطان أن الأقارب كانوا يتجمعون عندهم في كافة المناسبات بما فيها الشتاء؛ نظرًا لدفء لقاء الأقارب, وفي هذه الفترة أصبح لقاؤهم في مقعد خصِّص لاستقبال الناس على حطام البيت المهدوم.
ورغم معاناة ما يزيد عن ثلاثة آلاف أسرة من التشرد وفقدان المأوى؛ إلا أن الجهود الداخلية لترميم وإصلاح عدد من المنازل لم تتوقف خلال ذلك العام ضمن الإمكانات المتوفرة في غزة، ولكن تبقى تلك المحاولات غير كافية في نظر الحكومة والمواطنين على حد سواء في ظل غياب المواد اللازمة لإعادة الإعمار.
م. زياد الظاظا
وقال المهندس زياد الظاظا نائب رئيس الوزراء: "حاولنا إيجاد حلول إبداعية رغم الحصار الذي تشارك فيه دول العالم من خلال صمتها، وتمكنت الحكومة من ترميم ما بين 450 و500 منزل وعاد الناس إليها".

وأشار إلى أن الحكومة تقدمت بأكثر من اقتراح، وأرسلت وفدين للقاهرة أحدهما لشراء البيوت الجاهزة، والآخر لشراء المعدات الثقيلة، وجلس الوفدان قرابة شهر، واتفقا مع الشركات لشراء البيوت الجاهزة؛ لكن في النهاية لم يتم الموافقة من قبل الجانب المصري لإدخالها.
وشدد الظاظا على أن الحكومة ما زالت تبذل جهدًا كبيرًا لتوفير شيء للمتضررين، واعتبر أن إزالة الأنقاض جاءت بتوجيه من الحكومة كجزء من تلك الجهود، وقال: "وجَّهنا القطاع الخاص لإنتاج طبقة الأساس بالطرق والحصمة والإسفلت والبلاط بالإضافة للطوب، ويكفي أن الحكومة صاحبة السبق في هذا الموضوع فكرة وتنفيذًا بالتعاون مع المقاولين في القطاع الخاص".
وأشار إلى وجود عمليات تعبيد للطرق في كل محافظات غزة عبر البلديات بدعم وتمويل الحكومة، واعتبر ذلك تحديًا للحصار.
وكشف بأن مؤسسة دولية من المتوقع أن تعلن عن مناقصة لبناء مائة وعشرين منزلاً من القباب، معربًا عن أمله أن تتم تلك المحاولة.
ولم يُخف الوزير الظاظا أن عملية إعادة الإعمار بشكل حقيقي بحاجة لمعابر؛ وذلك من مسئولية المحتل ومن سكت على الإجرام الذي ارتكبه، كما قال.
وعن المؤتمرات التي عقدت لإعمار غزة لفت الظاظا إلى أن المؤتمر الذي عُقد بشرم الشيخ ربط القضية بفتح المعابر أي بموافقة الاحتلال، ولذلك فهو فاشل.
وقال فيما يتعلق بالمؤتمر الذي عُقد في تركيا: نأمل أن تصل الأموال لغزة؛ لأن ربطها بالمعابر يعني أنه لا قيمة لها.
من جهته، أكد المهندس إبراهيم رضوان وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان وجود محاولات واقعية؛ للاستفادة مما هو متوفر في قطاع غزة لترميم بعض المنازل، ولفت رضوان إلى أن وزارته استفادت من الطين، وإعادة استخدام ركام المنازل، إلا أنه رأى أن ذلك غير كافٍ، مقارنة بالضرر الهائل الذي لحق بمنازل المواطنين.
وفي تعقيبه على المبادرات الخارجية لإعادة الإعمار قال رضوان: "حتى هذه اللحظة نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا، ومع هذا فالحكومة تتواصل مع وكالة الغوث والـ"UNDP" ودول عربية، والهيئة العربية الدولية لإعادة الإعمار التي شُكِّلت مؤخرًا، وخصصت نصف مليار دولار لإعادة الإعمار".
ويشير إلى أن الحراك بات راكدًا في ملف إعادة الإعمار بسبب إغلاق المعابر؛ لكنه أكد أن الحكومة أنجزت إصلاح ما يقارب 700 منزل في إطار الإمكانات المتاحة، وعاد أصحابها إليها.
وتابع: "نواصل جهودنا في هذا المجال، ونحاول الحصول هذه الأيام على تمويل لمشروع ترميم المنازل الصغيرة التي تضررت من الحرب بقيمة 50 مليون دولار".
ومع دخول العام الثاني للحرب الصهيونية الشعواء التي طالت الأخضر واليابس بات لسان حال الآلاف من الأطفال وعائلتهم المشردة يقول: "إلى متى سيبقى حالنا هكذا؟".