أثارت التصريحات التي أطلقتها نيكول جولدستون ابنة القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون رئيس لجنة تقصِّي الحقائق- التي شكَّلتها الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم العدوان الصهيوني على قطاع غزة في ديسمبر ويناير الماضيين- بشأن انتماء والدها للكيان الصهيوني؛ العديد من ردود الأفعال والنقاشات، بشأن الأسباب التي دعته إلى إصدار تقريره الشهير الذي دان فيه الكيان، وأكد ارتكابه جرائم حرب خلال العدوان على غزة.
لكنَّ الدهشة تتراجع إذا ما تابعنا تصريحات نيكول جولدستون التي أكدت- في ردِّها على منتقدي والدها- أنَّه لو كان شخصٌ آخر غير جولدستون هو الذي تولَّى التحقيق في العدوان، لكانت النتيجة أكثر سوءًا بالنسبة للكيان؛ حيث إنَّ حجم ما ارتُكِبَ في غزة من جرائم أكبر بكثير مما احتواه التقرير.
المهم أنه وفي الإطار لم يكن لأحد أن يتصور أن يثير هذا الشخص صاحب الوجه الهادئ كلَّ هذه الضجَّة.. معالم وجهه المندهشة قليلاً ممَّا شاهده عبر سنوات عمله الطويلة كمفوِّض دولي في مجال حقوق الإنسان، والتَّحقيقات التي أجراها في أكثر من موضع في العالم عن الفظائع التي ارتُكبت هناك؛ لا توحي أبدًا بأنه هو ذلك الرجل حديث العالم كله الآن.
كان تقريره الصادر في سبتمبر من العام 2009م بشأن العدوان الصهيوني على قطاع غزة أحد أهم التقارير الصادرة ربما في تاريخ "الصراع العربي- الإسرائيلي"؛ حيث يعدُّ ما جاء فيه أقوى إدانة لـ"إسرائيل" تأتي من جهة تابعة للأمم المتحدة.
![]() |
|
صورة من صور الجرائم الصهيونية |
ولذلك كان التقرير في حد ذاته أزمةً، ولذلك أيضًا أثار طلب السلطة الفلسطينية والمجموعة العربية والإسلامية تأجيل نظر التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أزمةً أخرى.
التقرير مكوَّن من 574 صفحة، بالإضافة إلى ملخص تنفيذي زاد عن 20 صفحة، وقال بالحرف الواحد: "إن العملية العسكرية الصهيونية استهدفت شعب غزة بأكمله"، واستهدفت "معاقبة سكانه"، كما اعتبر استمرار الحصار الصهيوني على القطاع وإغلاق المعابر بمثابة "عقوبة جماعية، تمثل جريمةً ضد الإنسانية".
وفي توصياته دعا التقرير مجلسَ الأمن الدولي إلى مطالبة الكيان بإجراء تحقيقات مستقلة تتفق مع المعايير الدولية بشأن الجرائم التي ارتكبها الجيش في غزة، وأشار إلى أنه إذا لم يقبل الكيان بذلك "فيجب على مجلس الأمن أن يحيل الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية "لويس مورينو أوكامبو" في لاهاي بموجب القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
جولدستون الذي أثار هذه الضجة الكبرى بحياديته التامة في تقريره هو قاض يهودي من جنوب إفريقيا، وهو من مواليد 26 أكتوبر من العام 1938م، تخرَّج في كلية الحقوق بجامعة وايت ووتر سراند في العام 1962م، وعمل لفترة في سلك المحاماة والقضاء، وكان أعلى منصب تولاه هو قاضي المحكمة العليا في جنوب إفريقيا في العام 1980م؛ حيث خدم تسع سنوات، أُنِيطَ به خلالها مهمة تفسير الدستور الجديد لجنوب إفريقيا، الذي رتب مرحلة ما بعد انتهاء الحكم العنصري الأبيض، والإشراف على الانتقال السلمي للسلطة في البلاد إلى الأغلبية السوداء، وظلَّ في منصبه هذا حتى العام 2003م.
وفي التسعينيات- وتحديدًا في الفترة ما بين العام 1994م وحتى العام 1996م- عُيِّن مدعيًا عامًّا رئيسيًّا في المحكمة الدولية لجرائم الحرب في كلٍّ من يوغوسلافيا السابقة ورواندا، وفي أغسطس من العام 1997م، عُيِّن جولدستون عضوًا في الفريق الدولي الذي شكَّلته الحكومة الأرجنتينية لمراقبة التحقيق في الأنشطة النازية للجمهورية الأرجنتينية التي تأسَّست في العام 1938م.
وفي العام 1999م ترأَّس لجنة التحقيق الدولية المستقلة في إقليم كوسوفا، ثم في العام 2004م عيَّنه الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الحين كوفي عنان في اللجنة الدولية المستقلة التي رأسها الدبلوماسي الأمريكي بول فوكر، والخاصة بالتحقيق في عمليات الفساد التي شابت منظومة "النفط مقابل الغذاء" الخاصة بالعراق.
وقد كرَّمت الحكومة الجنوب إفريقية جولدستون بتعيينه رئيسَ مجلس إدارة معهد حقوق الإنسان لجنوب إفريقيا، ورئيسًا للجمعية الوطنية والمعهد الوطني لمنع الجريمة وإعادة تأهيل المجرمين.
ولكنَّ جولدستون أصبح حديث وسائل الإعلام العالميَّة منذ اختياره في 3 أبريل الماضي رئيسًا للجنة الأممية لتقصِّي الحقائق في قطاع غزة.
وفي النهاية، حتى لو تمَّت المصادقة على تقرير جولدستون عن غزة، وحتى لو دان جولدستون حماس ببعض الاتهامات بسبب انتمائه اليهودي.. لكنْ تبقى له أهميته الكاشفة؛ حيث كشف عن جرائم "إسرائيل" في غزة، كما كشف المتآمرين على حقوق الشعب الفلسطيني ودماء الشهداء!.
