بكل بساطة.. الإجابة هي: نعم، برغم كل الصعوبات.. الأقصى يمكنه أن يُشعل فتيل انتفاضة ثالثة؛ حيث أعادت المواجهات التي اندلعت في ساحات المسجد الأقصى بين الشبان الفلسطينيين وجنود الاحتلال إلى الأذهان نفسَ المشهد الذي وقع قبل تسع سنوات؛ عندما دنَّس رئيس الحكومة الصهيونية الهالك أرييل شارون باحات الأقصى، عندها انتفض الشعب الفلسطيني انتفاضته الثانية والتي سمِّيت بـ"انتفاضة الأقصى".

 

واليوم يعتقد بعض المراقبين أن هذه المواجهات الأخيرة قد تكون شرارة البدء لانتفاضة فلسطينية ثالثة، وهو ما لا يرجِّحه البعض الآخر، ولكن مشهد المرابطين في باحات الأقصى، بمن فيهم عجائز جاوزْن السبعين والثمانين، يقول إنَّ شرارة الانفجار قد باتت على الأبواب، بالرغم من مختلف الصعوبات القائمة.

 

في البداية لا بد من الإشارة إلى العوامل التي أدَّت إلى اندلاع "انتفاضة الأقصى"؛ حتى يمكن المقارنة والمقاربة، وفي إشارةٍ إلى الزمان وقعت الانتفاضة الثانية بتاريخ الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 2000م؛ أي بعد أقل من خمسة أشهر من الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان، ذلك الانسحاب الذي أعطى دفعةً قويةً للفلسطينيين من أجل انتزاع حقوقهم من خلال خيار المقاومة.

 

 الصورة غير متاحة

أحد المصابين المدافعين عن الأقصى خلال الاشتباكات مع شرطة الاحتلال

كما شهد العام 2000م انهيار محادثات السلام في قمة (كامب ديفيد) الأمريكية التي جمعت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الصهيوني إيهود بارك برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلنتون، تلك المحادثات التي وصلت إلى طريق مسدود، وبعد أن وصل عرفات إلى قناعة بان الصهاينة لن يعطوه شيئًا، وأن كل تلك المفاوضات كانت بغرض كسب الوقت لخلق وقائع سياسية على الأرض.

 

ولا يمكن لأي طرف محايد أو منصف أن ينكر أن للرئيس عرفات دورًا مباشرً أو غير مباشرة في اندلاع تلك الانتفاضة، وذلك من خلال دعمه ومن تحت الطاولة لـ"كتائب شهداء الأقصى" ذراع "فتح" المسلحة الذي كان يوفر لها الدعم المالي والسلاح من خلال مروان البرغوثي.

 

وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت الرجل لدعم الانتفاضة؛ على اعتبار أن تلك الهبة تشكِّل ضغطًا على الصهاينة لتحسين شروطه التفاوضية أم لغيرها من الأسباب؛ فلا يمكن تجاهل دور عرفات في الانتفاضة، خاصةً في مراحلها الأولى، ويبدو أن الأمر قد فلت من يد عرفات فيما بعد، ولم يستطع وقفها عندما أراد ذلك، وذلك على عكس ما أراد.

 

صعوبات.. ولكن!!

 الصورة غير متاحة

فلسطينيات من غزة يتظاهرن نصرة للأقصى

   أما اليوم وبعد وفاة عرفات، فقد تسلَّمت زمام السلطة قيادة جديدة لا تؤمن بالخيار المسلح، بل تعتبر المقاومة عبثًا وتهلكةً، وهو ما يصرِّح به عباس بشكل علني ودون أي خجل أو مواربة، حتى وَصف- ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني- العمليات الاستشهادية بأنها عمليات حقيرة.

 

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل امتدَّ ليشمل كشف خلايا المقاومين وملاحقتهم واعتقالهم وتصفيتهم وتسليمهم للصهاينة، كل ذلك تحت مسمى التنسيق الأمني.

 

ولا تزال السلطة حتى اللحظة تعتقل في سجونها العشرات من المقاومين، الذين نفَّذوا العديد من العمليات والهجمات ضد الأهداف الصهيونية.. هذا بالإضافة إلى مصادرة المئات من قطع السلاح والمواد الناسفة.

 

إن أي مقاومة أو انتفاضة إذا ما أريد لها أن تتواصل وتوجع العدو لتحقق مكاسب سياسية؛ لا بد لها من عنصرين رئيسيين؛ هما: المقاتل وسلاحه، والسلطة حتى اليوم ما زالت تعتقل المقاوم وتصادر السلاح.

 

كما تصدَّت أجهزة السلطة وخلال الحرب الأخيرة على غزة للتحركات الجماهيرية والشعبية؛ حيث منعت المسيرات واعتدت على المتظاهرين خوفًا من اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة، وهو ما تريده السلطة وتسعى لمحاربته.

 

وفور اندلاع المواجهات في القدس نشرت السلطة الفلسطينية في رام الله عناصر أجهزتها الأمني في مختلف مدن الضفة الغربية المحتلة، وأعلنت حالة الاستنفار في المواقع التي يوجد بها نقاط تماسٍّ مباشر مع الكيان الصهيوني؛ وذلك لمنع أية تحركات جماهيرية لنصرة المسجد الأقصى المبارك.

 

 الصورة غير متاحة

فلسطينيون يرابطون في ساحة الأقصى أمام قبة الصخرة

 كما أصدرت سلطة رام الله قراراتٍ مشددةً لأجهزة الأمن بمنع أية تحركات شعبية مناصرة للمسجد الأقصى تحت حجج واهية؛ حتى لا تستغلها حماس؛ من أجل تنظيم فعاليات شعبية قد تخرج عن السيطرة.

 

يمكن القول ومن دون أدنى شك بأن وجود السلطة وأجهزتها الأمنية يشكِّل حجر عثرة في اندلاع أي انتفاضة ثالثة؛ لأ من شأن هذه الانتفاضة أن تطيح بالسلطة نفسها أو تضعها على أقل تقدير.

 

إلا أنَّه وعلى الرغم من كل هذه العوامل، لا يمكن إغفال الواقع الشعبي الذي بات يغلي في الضفة، والذي لا يزال يؤيد خيار المقاومة، وهو ما أثبتته الانتخابات التشريعية والبلدية؛ حيث تسيطر حماس- مثلاً- على 60% من بلديات الضفة.

 

وهو ما يعني انسجام المواطن الفلسطيني في الضفة المحتلة مع برنامج المقاومة الذي تتبنَّاه حماس، وهو ما كان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل يدركه، عندما أكد بعد الأحداث الأخيرة أن لحماس والمقاومة خياراتٍ عديدةً في مواجهة التهديدات التي تواجه الأقصى.

 

واقع الفصائل

 الصورة غير متاحة

آلاف من أنصار حماس يهتفون دفاعًا عن الأقصى

   وفي هذا الإطار فإنه في حال اندلاع انتفاضة ثالثة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سوف تكون الجماهير هي القوة الرئيسية لها، في ظل الوضع الذي وصلت إليه الفضائل الفلسطينية التي كان لها دورٌ مهمٌّ وبارزٌ في انتفاضة الأقصى الثانية.

 

فاليوم تبدو الفصائل الفلسطينية في أسوأ حالاتها، فحركة فتح، حزب السلطة الفاسدة، أصبح همُّ عناصرها الامتيازات والرتب والراتب، وأصبحت حركة حماس عدوَّها الأول والأخير، وراح عناصرها يبحثون عن عفوٍ ممَّن كان بالأمس عدوًّا وأصبح اليوم صديقًا، وهو الكيان الصهيوني.

 

أما قوى اليسار فهي بالأساس ضعيفة وهزيلة لا وجود لها ولا تأثير، واستُميلت إلى جانب السلطة بالامتيازات تارةً وبالمال والمناصب تارة أخرى.

 

في المقابل، فإنَّ المواطن الفلسطيني على الرغم من كلِّ ما تعرض له في السنوات العشر الماضية، فإنَّ حشود المصلِّين والمرابطين في الأقصى تقول إنَّه لا يزال على استعدادٍ للدفاع عن قدس أقداس المسلمين، بالرغم من تخوفاته من ممارسات السلطة الفلسطينية، وعودة الفلتان والسرقات والخطف والعربدة، التي كان يمارسها بعض مسلحي حركة فتح تحت مسمى المقاومة.

 

ومما يرجِّح الخيار الشعبي الجماهيري للانتفاضة نجاح المخابرات الصهيونية بتصفية غالبية المقاتلين أو اعتقال من بقي منهم حيًّا، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية.

 

وكان هؤلاء المقاومون هم الذين نجحوا في هز العمق الصهيوني، من خلال العمليات الاستشهادية الموجعة والضربات النوعية للمواقع العسكرية، وهو ما شكل حالة توازن الرعب للجيش والحكومة الصهيونية.

 

وفي حال وقوع انتفاضةٍ جديدةٍ، فسوف يكون لها تأثيرٌ سياسيٌّ كبيرٌ في الداخل الصهيوني؛ حيث الحكومة الصهيونية الحالية هي حكومةٌ متأرجحة غير ثابتة، ومن شان اندلاع أي انتفاضة جديدة أن يطيح بهذا الائتلاف المتهالك أصلاً، خاصةً بعد خروج المواطن الصهيوني من حالة الحرب الأخيرة على غزة، فهو لا يتحمل وقوع المزيد من القتلى أو تراجع وانكماش الاقتصاد الصهيوني.

 

ولذلك فإنَّ مراقبين يؤكدون أنَّه في حال أقدمت الحكومة الصهيونية على عملٍ ما مباشرٍ ضد المسجد الأقصى أو شنَّت حربًا جديدةً على غزة كما هو متوقَّعٌ؛ فإنَّ الأمور كلها سوف تنقلب، وينتفض الشعب الفلسطيني من جديد ضد الاحتلال وأعوانه.