بقلوب مؤمنة وأعين دامعة وألسن تلهج بالدعاء، ووسط أجواء إيمانية روحانية وإجراءات صهيونية تعكر صفو السماء، أحيا المسلمون ليلة القدر في رحاب المسجد الأقصى.

 

ويجهِّز المواطنون الفلسطينيون أنفسهم لإحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى قبل عدة أيام؛ حيث تنتشر إعلانات شركات النقل والباصات في كل شارع وحي في مدن الضفة الغربية، والتي تعلن من خلالها عن تسيير قوافل للصلاة في الأقصى، ويسارع المواطنون إلى التسجيل والحجز في تلك الشركات، وأخذ مكان لهم قبل فوات الأوان.

 

كما يتداول المواطنون فيما بينهم أرقام تلفونات لشبان مقدسيين مختصين في تسهيل عملية التسلل للمدينة المقدسة، وهو المشهد الذي يتقاطع مع وظيفة (الدليل) لمن أراد أن يسير في الصحاري والكفار.

 

وغالبًا ما يسلك هؤلاء الشبان الذين لا تسمح لهم قوات الاحتلال بالعبور من خلال الحواجز؛ العديد من الطرق الالتفافية والطرق الفرعية الوعرة بمساعدة (الدليل).

 

 

الشباب حرصوا على أداء التراويح في الأقصى

وتحتاج عملية التسلل تلك إلى كثير من الصبر وخفة الحركة والقدرة على تسلق الجدران العالية باستخدام الحبال والسلالم، وتجاوز الأسلاك الشائكة والمكهربة في بعض الأحيان، كما تحتاج إلى قدرة عالية على التخفي والهروب، "هي أشبه بتدريبات عسكرية شاقة يمارسها الجنود أثناء تدريباتهم"، كما يقول أحد الشبان.

 

ويضيف الشاب أحمد طوباسي من نابلس: "إحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى أصبح حلمًا بالنسبة إليَّ؛ حيث لا يسمح لي بالدخول القدس بسبب عمري إلا من خلال بعض الطرق الالتفافية والوعرة، إنه مشوار شاق ومرهق، وفيه درجة كبيرة من المجازفة التي قد تصيب أو تخطئ في النهاية، غير أن الصلاة في الأقصى رحلة تستحق المحاولة، وإن لم ننجح في الدخول فيكفينا شرف المحاولة، وقد نؤجر على نياتنا".

 

ويصف الطوباسي (لم ينجح بالدخول إلى الأقصى) رحلة المحاولة فيقول: "انطلقت من منزلي في تمام الساعة الثالثة والنصف عصرًا ثم توجهت إلى مجمع الكراجات الغربي في نابلس، وهناك ركبت أحد الباصات الذي انطلق بنا نحو حاجز قلنديا (القريب من رام الله) ومنها إلى بلدة عناتا؛ حيث كنت برفقة سبعة شبان آخرين، وبعد أن منعنا من العبور من خلال الحاجز بسبب العمر، اضطررنا إلى محاولة الدخول من خلال الطرق الالتفافية، وهناك صادفتنا قوة صهيونية راجلة ولاحقتنا؛ حيث تفرق شملنا نحن السبعة وهرب كل منا في اتجاه، وفي النهاية وبعد تكرار المحاولة نجح خمسة منا بالدخول، وأنا لم يحالفني الحظ".

 

القبة الصفراء تظهر من بعيد

 الصورة غير متاحة

 ساحة الأقصى اكتظت بآلاف المصلين

وتشهد مدينة القدس منذ ساعات ما بعد الظهر اكتظاظًا شديدًا مع بداية توافد المصلين وتوجههم إلى المسجد الأقصى، وبالتزامن مع وصول مئات الحافلات القادمة من جميع أنحاء الضفة ومناطق الـ48.

 

وفور دخولك البلدة القديمة تظهر قبة الصخرة من بعيد؛ حيث تنعكس آشعة الشمس على قبتها المذهبة الصفراء، وهو ما يعتبر أفضل دليل للمواطنين بأنهم نجحوا في تلك الرحلة الشاقة والصعبة.

 

وبعد مرور المواطنين إما عبر "باب الملك فيصل" أو "باب الأسباط" أو "باب المغاربة" يتوزع المواطنون ويأخذون مواقعهم، فمنهم من ينجح بالدخول إلى مبنى المسجد الأقصى، ومنهم من يفضل إحياء الليلة في الساحات وعلى المصاطب، ومنهم من يفضل الصلاة في المصلى المرواني.

 

وتبدأ الدرجات الروحانية بالارتفاع شيئًا فشيئًا؛ حيث يشدك منظر المبتهلين، فهذا عجوز طاعن بالسن يقرأ القرآن بالرغم من ضعف بصره، وذاك رجل استند على الحائط ذاكرًا لله يحرك أحجار مسبحته، وذاك ثالث يأخذ حظه من قيام الليل وصلاة التهجد، ورابع يقرأ القرآن، وخامس أخذته سِنَة من النوم.

 

الدعاء مخ العبادة

ومنهم من يُلح على الله بالدعاء، كلٌّ يسأل ربه مسألته؛ حيث يتوزع الدعاء بين الأمور الخاصة كالزواج وزيادة الرزق والشفاء من المرض والذرية والنجاح في الدراسة، ومنهم من أثقلته ذنوبه يرجو الله العفو والمغفرة.

 

كما يشترك المصلون في الهموم العامة، ويدعون الله أن يوحد الصف، ويجمع الكلمة ويحقق الوحدة بين حركتي حماس وفتح، كما يسألون الله أن تأتي ليلة القدر السنة القادمة وقد تحرر المسجد الأقصى من الاحتلال الصهيوني.

 

وقد أجهش المواطنون بالبكاء في دعاء ختمة القرآن؛ حيث أمَّ الشيخ يوسف أبو اسنيه خطيب وإمام المسجد الأقصى المصلين في صلاة الوتر؛ حيث دعا إلى تحرير المسجد الأقصى، وتوحيد كلمة أهالي فلسطين، ورفع الحصار عن غزة، وشفاء الجرحى وتحرير الأسرى، كما دعا إلى توحيد الأمة الإسلامية، وإنهاء الاقتتال في اليمن وأفغانستان والعراق.

 

مشاهد وكلمات 

 الصورة غير متاحة

شيخ مسن حرص على قراءة القرآن داخل الأقصى في ليلة القدر

تقول الحاجة أم صالح بشير من مدينة عكا: جئنا لنصلي في المسجد الأقصى في ليلة القدر؛ لأنها أفضل من ألف شهر تنزل الملائكة فيها، فليلة القدر هي ليلة عبادة وصلاة واعتكاف.

 

أما الحاجة فاطمة (75 عامًا) من المغرب فهي تزور مدينة القدس لأول مرة، وقد جاءت برفقة أقرباء لها من الناصرة ورغم تعبها ومرضها وكبر سنها، كانت تسير وترتاح على كرسي صغير طوال الطريق، وقد عبرت عن سعادتها لوصولها لمدينة القدس، واعتبرتها أحلى فرحة ليلة القدر؛ لأنها حققت أمنيتها في الوصول للمسجد الأقصى والصلاة فيه.

 

كلٌّ يعرض بضاعته

ويرى أصحاب الفكر والمدارس الإسلامية في ليلة القدر وصلاة الجمعة فرصة لطرح آرائهم وترويج أفكارهم بين المواطنين ومحاولة استقطابهم؛ حيث ينشط رجال الدعوة والتبليغ في الدعوة إلى الخروج في سبيل الله وأهمية نصح الناس، كما يتوزع شباب حزب التحرير بين المصلين؛ حيث ينشرون أفكارهم ويدعون لإقامة الخلافة الإسلامية.

 

كما يجتهد السلفيون بالدعوة إلى إتباع سنة الرسول وترك البدع والتشبث بسنة النبي، كما يطرح أصحاب مدرسة الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون) ما لديهم من فكري شمولي يدعو إلى الجهاد وإقامة الخلافة والدعوة، واتباع سنة الرسول.

 

ويعرض أصحاب هؤلاء المدارس ما لديهم من بضاعة في جو حواري راقٍ بعيد عن التشكيك والإنكار لطرح الطرف المخالف؛ وذلك على قاعدة (نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه).

 

300 ألف أو يزيد

وقد صرح الشيخ عزام الخطيب مدير أوقاف القدس أن نحو 300 ألف مسلم أدوا صلاة التراويح.

 

وقال الشيخ الخطيب: "الحمد لله لقد صلى اليوم نحو 300 ألف مسلم، وقاموا بإحياء ليلة القدر، كنا نتمنى أن كل مسلم يريد الصلاة في المسجد الأقصى أن يصله بدون حواجز أو معيقات".

 

وأوضح: "ولكن نحن راضون بمن قدم من الضفة الغربية ومن فلسطيني الداخل" ومن مدينة القدس.

 

حركة تجارية نشطة

وتشهد أسواق المدينة المقدسة حركة تجارية نشطة يعتبرها الكثير من التجار أنها موسمية في ظل ركود يستمر لمدة عام، ويحرص المواطنون الفلسطينيون على شراء الهدايا التذكارية والتحف والألبسة والأطعمة؛ ويعتبر "كعك القدس المسمسم" علامة تجارية مميزة لمن زار المدنية، وظفر بشرف الصلاة فيها.

 

وتبهرك الأضواء المتلألئة والأجواء الرمضانية عند تجوالك في حارات وأزقة القدس العتيقة؛ تلك الأزقة التي تشبه إلى حد كبير الحارات الدمشقية القديمة، وهو ما يشهد على وحدة بلاد الشام في العادات والتقاليد والفن المعماري.

 

ويحرص المواطنون على توثيق تلك الزيارة والصلاة في الأقصى؛ حيث يلتقط آلاف المواطنين الصور التذكارية من خلال جولاتهم وكاميراتهم الخاصة، ولسان حالهم يقول: من يدري لعلها تكون آخر زيارة؟!.

 

على كل حال، وبالرغم من جميع الإجراءات الصهيونية، وبالرغم من كل هذا التضييق والحصار للقدس، ما زال عشرات الآلاف من الفلسطينيين يشدون الرحال إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؛ قبلة السماء ومعراج الوفاء، في مشهد يدلل على فشل جميع تلك الإجراءات الصهيونية لطمس معالم المدينة المقدسة، وسلخها عن محيطها العربي والإسلامي.