يتحدَّى أطفال غزة الموت والأخطار في عملية حفر الأنفاق بين الحدود الفلسطينية المصرية؛ لكسب رزقهم، وإعالة عائلاتهم التي أضناها الحصار المفروض منذ ثلاث سنوات، وحرم سكان القطاع من أبسط حقوقهم الإنسانية والمعيشية.

 

عماد الذي رفض الكشف عن هويته كاملةً؛ هو واحد من آلاف الأطفال بغزة الذين يعملون داخل الأنفاق، غير آبهين بخطورتها؛ حيث يتنفسون الموت مع رائحة الرمال، وهم يعملون في نقل البضائع التجارية داخل نفق ضيق يصل طوله إلى أكثر من 700 متر وبعمق أكثر من 12 مترًا تحت سطح الأرض، مسترشدين بإنارة متواضعة كل عشرة أمتار على طول النفق المظلم.

 

لم يشعر عماد بشيء من الرهبة تحت باطن الأرض، فهو يشحذ همته كل يومٍ مع قدرٍ مجهول، في طريق ذي مسلكين، إما العودة إلى أهله غانمًا، أو الموت في عتمة الأنفاق.

 

وتحوَّلت الأنفاق في الآونة الأخيرة إلى قبور موت؛ حيث سجلت الإحصائيات مقتل أكثر من 120 شابًّا فلسطينيًّا؛ نتيجة انهيار الأنفاق وقصفها أو اشتعال الوقود الذي يتم تهريبه لغزة داخلها.

 

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد الضحايا من الأطفال الذين استشهدوا داخل الأنفاق بلغ 32 طفلاً منذ بدء العمل في هذه الأنفاق قبل ثلاث سنوات، بحسب إحصائيات مستشفى أبو يوسف النجار والمستشفى الأوروبي، علمًا بأن إجمالي عدد الضحايا الذين استشهدوا نتيجة انهيار الأنفاق أو القصف أو تدمير الجانب المصري لها 117 شخصًا.

 

ودفع ضيق الحال الذي يكتنف عائلة عماد؛ نتيجة الفقر المدقع للعمل في العطلة الصيفية على أمل كسب مبلغٍ مالي يمكنه من التسجيل للفصل الدراسي القادم، ليخفِّف عن والده جزءًا من الهموم اليومية.

 

وتشع العزيمة في عينيه غير المكترثة بالمخاطر المحدقة التي تنتظره بالمرصاد، ولا لعدد الضحايا والجرحى؛ من جرَّاء الانهيارات المتكررة لشبكة الأنفاق، رغم كل الأحاديث التي سمعها من أصدقائه.

 

يقول عماد الذي لا يملك سبيلاً: أحفر قبري بيدي كل يوم، فلا مناصَ لي سوى العمل في أنفاق الموت، علها تساعدني في حلم والدي بالتخرج، والنيل بوظيفة تنهي متاعبنا.

 

ويصف الغزيون الأنفاق بطوق النجاة، الذي خفَّف من وتيرة حصار مطبق فرضه الكيان الصهيوني عقب سيطرة حركة حماس على القطاع الساحلي في منتصف يونيو الماضي، ما انعكس سلبًا على حياة 1.5 مليون ونصف المليون نسمة يعيشون في سجن كبير.

 

نفس المشاعر ارتسمت على ملامح الشاب أيمن الذي انشغل في تعبئة الطين الناتج عن أعمال الصيانة بنصف جالون بلاستيكي أزرق، وحمل عماد راحته على يده، مقررًا العمل في الأنفاق بعد إقصاء والده الذي كان يعمل موظفًا مدنيًّا في حكومة رام الله قبل عام.

 

وتعلَّق أيمن (17 عامًا) بمهنته؛ كي ينتشل أشقاءه السبعة من الجوع والحرمان، ويقول بلا مبالاة: مرات عديدة نصحني والدي بالعزوف عن تلك المهنة، لكن سرعان ما تذوب نصائحه مع أدراج الرياح عندما أعطيه مبلغًا من المال، وأفلت عماد بأعجوبة من عدة انهيارات ترابية، وكاد يلقي حتفه خنقًا في عتمة الأنفاق.

 

ويعاني عماد من آلام شديدة في مفاصله وركبتيه لزحفه ما يزيد عن 700 متر، لا سيما بعد تشديد الأمن المصري الرقابة على عمل الأنفاق، وزيادة مالكيها طول الحفريات، وبالرغم من أن حفر الأنفاق مهنة خطيرة وشاقة، إلا أن نسبة كبيرة من القاصرين، والشبان العاطلين عن العمل يعملون فيها لتوفير متطلبات الحياة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية.

 

ويتقاضى الصبية يومية لا تزيد عن 100 شيكل، ويضطر الذين يقطنون في مدينة غزة للعمل ورديتن أحيانًا، وهجران منازلهم لعدة أيام.

 

ويعمل الأطفال في الأنفاق بمعدل 12 ساعةً يوميًّا (من 7:00 صباحًا- 7:00 مساءً)، وفي الأسبوع الذي يليه يتناوب الأطفال؛ فيصبح العمل ليلاً من (7:00 مساءً- 7:00 صباحًا)، يتخلَّل ذلك استراحة واحدة مدتها ساعة، وهذا العمل المرهق والمجهد للطفل يدفع بعض الأطفال إلى تناول أقراص منشطة معروفة هنا في غزة باسم "ترامال"، وهي تساعد الأطفال على نسيان الألم وتنشيط أجسامهم، وفي نفس الوقت تنطوي على مضاعفات جانبية خطيرة لهم.

 

 الصورة غير متاحة

 أنفاق غزة شريان الحياة الوحيد بعد حصار ثلاث سنوات وتخاذل عربي

وتشير المعلومات إلى أن الأطفال يعملون خلال هذه الفترة في نقل البضائع التجارية من جميع الأصناف؛ مثل المواد الغذائية، والأدوات الكهربائية، والأدوية، وحليب الأطفال، والأقمشة، والأحذية، والمواشي... إلخ.

 

شدة الحر دفعتنا للخروج مع الزعيم عمر والجلوس في ركن خارجي من خيمته الثلجية التي تخفي النفق عن الأنظار.

 

ويشير عمر إلى أن حالة الفقر المستشرية في قطاع غزة أجبرت الفتية الصغار على مزاولة تلك المهنة؛ لكنه لا يخفي أن الانهيارات المتكررة في الأنفاق وسقوط ضحايا من العاملين؛ يثير الهلع والفزع لديهم فترة طويلة، تدفع البعض إلى ترك مهنتهم؛ لا سيما إذا مات لهم صديق، ويعود بعضهم للعمل بحذر إذا طاردهم شبح الفقر.

 

ويتوجب على أولئك الصبية الحفاظ على أرواحهم، والعمل بحرصٍ شديد، فعمل الأنفاق لا يضمن السلامة والتعويضات من مالكيها، ونادرًا ما تأتي الرياح بما تشتهيه السفن- كما قال.

 

وحدث انهيار لنفق ملاصق لهم خلال الشهر الماضي، وسمع عمر استغاثة شاب انهار عليه جدار طيني، فأخذ يجرف بيده أكوام الطين عن وجهه وصدره، وتمكَّن بعد ساعةٍ من انتشاله بمساعدة وحدات الدفاع المدني، وقد أُصيب بكسور ورضوض في أنحاء متفرقة من جسده.

 

ورغم تحذيرات وزارة داخلية غزة- شديدة اللهجة- لمالكي الأنفاق، وعدم تشغيل القاصرين، إلا أن النسبة تزايدت مع بدء العطلة الصيفية.

 

أحد أصحاب الأنفاق قال: "الأطفال يتدفقون على مصر عبر الأنفاق في بداية الحصار بأعداد كبيرة، أما الآن فالحملات الأمنية من الجانب المصري والقصف المستمر للأنفاق حدَّ نوعًا ما من هذا التدفق".

 

وتابع موضحًا: "فأجسادهم الصغيرة تُمكنهم من المرور بسرعة وبمرونة عبر الأنفاق الضيقة؛ حيث يدر عليهم العمل بنقل البضائع عبرها أو إعادة حفر ما تهدَّم منها عائدًا جيدًا؛ ولذا يركِّز أصحاب الأنفاق على الأطفال فوق سن العاشرة ودون الخامسة عشرة".

 

ونوَّه إلى أن غالبًا ما يتوافد هؤلاء الأطفال على أصحاب الأنفاق من الجانب الفلسطيني؛ أملاً في فرصة عمل تسد احتياجاتهم وأسرهم؛ نظرًا لتفشي البطالة في قطاع غزة، وخاصةً الأطفال من قاطني المخيمات والأسر الفقيرة التي فقدت عائلها".

 

وأردف: "والملاحظ أن هؤلاء الأطفال لا يهتمون بدراستهم بقدر اهتمامهم بهذا العمل؛ حتى إن بعضهم أصبح لديه خبرة كبيرة في حفر الأنفاق، واختيار الممرات المناسبة، وتوصيل شبكات الإنارة، ومد أنابيب سحب الوقود من الجانب المصري عبر الأنفاق".

 

وكان آخر ضحايا الأنفاق 9 مواطنين الأسبوع الماضي نتيجة انهيار بعض الأنفاق.

 

ويبقى العاملون في الأنفاق يرون بصيصًا من الأمل للخروج من أوضاعهم المتردية التي عصفت بها براثن الفقر في مغامرة قد تقصيهم عن مقاعد الدراسة.