رسم تقرير إستراتيجي، ثلاثة احتمالات لمستقبل قضية "التنسيق الأمني" بين أجهزة السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية وأجهزة الاحتلال الصهيوني.
فطبقًا للتقرير الجديد الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ومقره بيروت، ينتظر مستقبل الساحة الفلسطينية أحد ثلاثة سيناريوهات؛ الأول: "وقف الاعتقالات في ظلِّ استمرار مهمة الجنرال الأمريكي المشرف على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كيث دايتون في الإشراف على عمل الأجهزة الأمنية والتنسيق بينها وبين قوات الاحتلال، والثاني: وقف التنسيق الأمني تمهيدًا لموافقة حماس على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
أما الاحتمال الثالث، وهو الأرجح بحسب التقرير، استمرار عملية التنسيق الأمني وتكريس حالة الانقسام الجغرافي بين الضفة والقطاع".
ويعيد التقرير إلى الأذهان أنَّ اتفاقية أوسلو "حصرت" مهمة السلطة الفلسطينية في السيطرة على سكان الضفة والقطاع، وحماية الأمن الصهيوني، وبالمقابل؛ ألزمت "خريطة الطريق" رئاسة السلطة بمحاربة المقاومة وضرب بنيتها التحتية؛ مقابل وعد بـ"إمكانية قيام دولة فلسطينية".
وعلى هذه الخلفية، تشكَّل فريق التنسيق الأمني الأمريكي، الذي أدَّت خططه إلى حصول الانقسام الفلسطيني؛ سياسيًّا وجغرافيًّا.
ويشرح التقرير كيف أنَّ رئاسة السلطة وحكومة سلام فياض في رام الله "تصرّان على السير وفق خطط (الجنرال الأمريكي المشرف على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كيث دايتون)؛ حيث يجري اغتيال عشرات المقاومين واعتقال المئات منهم، إضافةً إلى مباشرة تفكيك تشكيلات عددٍ من أجنحة المقاومة".
وكانتا مواجهات قلقيلية، التي جرت في نهاية مايو الماضي، بين الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة سلام فياض، وعناصر من "كتائب الشهيد عز الدين القسّام"، قد شكّلت مناسبة لإعادة طرح إشكالية التنسيق الأمني بين جناح السلطة الفلسطينية بالضفة والاحتلال الصهيوني.
سلّطت تلك الأحداث الدامية الضوء من جديد على تكوين هذه الأجهزة وعلى دورها في الضفة، وأجندة عملها؛ خصوصًا أنها منهمكة في ملاحقة المقاومين من مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية، وتُمعن في تفكيك تشكيلات الأجنحة العسكرية، وتدمير بنيتها التحتية.
وجاء ذلك بينما تفرض "خريطة الطريق" التزامات على السلطة بفرض "النظام" في الضفة والقطاع، وحماية أمن الاحتلال؛ عبر تفكيك كافة الأجنحة العسكرية، ووقف ما أسمته العنف، كخطوات إلزامية على طريق "قيام دولة فلسطينية"، حسب توضيحات التقرير.
ويسلط التقرير الأضواء على دور الجنرال الأمريكي كيث دايتون، خاصة عندما خاطب مسئولين فلسطينيين وأردنيين، قائلاً لهم "إذا كان لا بد من دولة فلسطينية فثمة عمل جاد بانتظارنا؛ على الحدود، وعلى إدارة المعابر. ثم هناك أيضًا غزة، وتشكيلات حماس المسلحة، التي تشكل تحديًا ضخمًا لمستقبل الدولة الفلسطينية".
![]() |
|
كيث دايتون |
ويرى واضعو التقرير أنه "باختصار، هذه الغاية التي جاء الجنرال الأمريكي من أجل تحقيقها، بحسب تعبيره. وهذه هي الوظيفة المطلوب من الفريقين المخاطبين مساعدته لإنجازها، هذا إذا رغبا بالحصول على وعد بتحقيق الحلم الفلسطيني، وجعل الأردنيين ينامون من غير "أحلام مزعجة"، تأتيهم من غربي النهر".
وكترجمة للسياسات العامة المتفق عليها، أوضح دايتون أنّ فريقه يعمل بالشراكة مع الفلسطينيين والأردنيين والصهاينة، خلال سنة ونصف السنة، بشكل ذي صلة وثيقة بعنوان "السلام عبر الأمن"، ليدلل على أن عمله هذا يمثل برنامجًا إقليميًّا، تشترك فيه كافة الجهات المعنية.
ويضيف التقرير "جرت عملية إعادة صياغة العقيدة الأمنية لدى عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ومن جملة ما كانت تُعبئ به وزارة الداخلية عناصرها، التوجيه القائل: لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون "إسرائيل"، وهكذا، استمرت عملية التعبئة حتى أشاد بها دايتون نفسه بقوله: لقد تولدت ثقة لدى عناصر الأجهزة الأمنية بأنهم يبنون دولتهم".
وفي ظل هذه الوقائع، اختفت مظاهر العداء والصدامات بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وقوات الاحتلال، وحتى مع المستوطنين، وتبدل الأمر لتحل مكانه مظاهر الثقة والتعاون. وفي المقابل، جرى اعتماد سياسة التشدد مع أجنحة المقاومة الفلسطينية، وتفكيك التشكيلات العسكرية.
ويرجح التقرير أنه ربما، على هذه الخلفية "يجري استخدام عنصر التفجير الأمني كلما اقتربت مفاوضات فتح وحماس من الوصول إلى تفاهمات مشتركة، أو الاقتراب من إعادة ترتيب البيت الفلسطيني. غير أن أحد أسوأ مظاهر التفجير الأمني في الضفة هو اعتقال المئات وتعذيبهم وإهانتهم، حتى وصل الأمر أحيانًا إلى القتل تحت التعذيب".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ فقد "اتسع نطاق التنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة وجيش الاحتلال؛ ففي حين كانت الأجهزة تقوم بضبط المتظاهرين في الضفة وتشتغل في منع الاضطرابات، التي تحركت بسبب العدوان والحصار على غزة 2008/2009. تعاونت شبكة من عناصر الأجهزة الأمنية، مع الاحتلال الصهيوني أثناء العدوان على غزة؛ من خلال أعمال تخريب وقتل، وزعزعة الأمن، إضافة إلى رصد وكشف ومتابعة تحركات المقاومة والأجهزة الأمنية في القطاع. كشفت عن ذلك وزارة الداخلية في الحكومة الفلسطينية في غزة في 28/2/2009، حيث أعلنت بأن هذه العناصر تابعة لرئاسة السلطة في رام الله"، وفق ما يوثقه التقرير.
وفي ظل تكرار قيادة السلطة الفلسطينية من خلال محمود عباس، مناداتها بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، من خلال موافقة "حماس" على ذلك، من جهة، وفي مقابل استمرار أداء دايتون على وتيرته الراهنة، من جهة ثانية؛ فإن عملية التنسيق الأمني من المتوقع أن تتجه نحو أحد الاحتمالات التي يحددها التقرير.
ويتمثل الاحتمال الأول في "وقف الاعتقالات، مع استمرار عملية بناء الأجهزة الأمنية والتنسيق المعلوماتي مع الاحتلال؛ وذلك عبر فريق التنسيق الأمني الأمريكي. وهذا الاحتمال يجعل عباس كمثل الذي يمسك العصا من الوسط. فهو، من ناحية، يظهر وكأنه بدأ يستجيب لشروط المصالحة الفلسطينية، ومن ناحية ثانية، لم يتراجع عن التزاماته في أنابوليس وخريطة الطريق.
ومن الممكن، في ضوء ذلك، أن يجري تضخيم "الاختلاف" الحاصل بين بعض الضباط الأمنيين في الضفة، ودايتون؛ على خلفية تصريحات الأخير في معهد واشنطن؛ الذي تحدث فيها بشكل أحرج السلطة أمام شعبها. إلاّ أنّ حرص عباس على عدم فقدان "الزخم" الدولي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، في دعم موقف السلطة تجاه "التعنت" الصهيوني، يجعله يستبعد مثل هذا التكتيك في المرحلة الراهنة".
أما الاحتمال الثاني فيتمثل في "وقف التنسيق الأمني، تمهيدًا لموافقة حركة حماس على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في كانون الثاني (يناير) 2010؛ وفق دعوة محمود عباس. تأمل حماس، خلال هذه الفترة، إعادة ترتيب صفوفها في الضفة، بما يمكنها من تكريس شرعية المقاومة على المستوى الوطني.
ولكن بالنسبة للرئاسة الفلسطينية وقيادة السلطة في رام الله، يبدو أنّ الاستحقاقات الأمنية ومسار التسوية مقدم على استحقاقات ترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء الانقسام، ولذلك، فإنّ المطلوب لدى السلطة من أية توافقات فلسطينية داخلية ألاّ تضر بمصداقية السلطة الأمنية والسياسية لدى الجانبين الأمريكي والصهيوني، وعلى ذلك، ففي الظرف الراهن سيظل العامل الأمني المحكوم بالمعايير الأمريكية- الصهيونية عاملاً مهيمنًا حتى لو انعكس ذلك سلبًا على مسار المصالحة الوطنية"، حسب تقديرات التقرير.
ثم يأتي الاحتمال الثالث الذي يحدده التقرير في "استمرار التنسيق الأمني، الذي يُعدُّ التزامًا سياسيًّا لمحمود عباس مع شركائه في التسوية السلمية (الأمريكيين والصهاينة)، في حين ترى حكومة رام الله بأنّ نجاحها في الامتحان الأمني؛ هو بمثابة بوليصة التأمين ضد الإفلاس.
ويعزز فرص هذا السيناريو، استمرار الأجهزة الأمنية في الضفة في عملية الاعتقالات السياسية، بالرغم من تعثر المصالحة الوطنية بسببها. إضافة إلى إقرار الإدارة الأمريكية خطة فريق التنسيق الأمني لغاية سنة 2012، وإجازة الكونجرس استمرار دايتون في مهمته لعامين آخرين؛ كإشارة على الرضا عن أدائه، والرغبة في "الاستثمار" بالضفة من خلال "السلام عبر الأمن" .."، حسب واضعي التقرير.
ويخلص التقرير إلى جملة من "المقترحات"، تتمثل في "تقديم الأولوية الوطنية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني على أية اشتراطات أو ارتهانات خارجية. وإعطاء عملية ترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء الانقسام أولوية على ما سواه من البرامج"، وكذلك "العودة إلى حكومة الوحدة الوطنية باعتبارها تبنت برنامجًا سياسيًّا يضمن: حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال".
وجاء في المقترحات أيضًا "اعتبار أنّ الالتزام في تنفيذ "خريطة الطريق والتحفظات الصهيونية عليها" هما سبب الفلتان الأمني، والانقسام الفلسطيني، والعمل على ضرب بنية المقاومة"، علاوة على تأكيد أنّ "تقرير المصير، و"إقامة دولة فلسطينية مستقلة" من الحقوق المكتسبة التي لا يمكن مقايضتها بأمن الاحتلال، أو التخلي عن الوحدة الوطنية ثمناً لها".
كما يؤكد تقرير مركز الزيتونة، في مقترحاته أنّ "الوحدة والمقاومة؛ هما مقوِّمان أساسيان لحماية الحقوق الوطنية. لذلك، يجب عدم الارتهان إلى الوعود الأمريكية التي لم تثبت مصداقيتها؛ خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني. أو تلبية المطالب الصهيونية، التي لا تنتهي؛ وتكون دائمًا على حساب حقوق الفلسطينيين وثوابتهم الوطنية"، وفق ما ورد فيه.
