غبار العاصفة الممزوجة بلفحات الهواء الملتهب التي رافقتنا إلى منطقة حي الشعف شرق قطاع غزة بدا كأنه ثورة بركان تُعبِّر عن حجم المأساة التي حلَّت بعائلة الجرو إثر سقوط منزلهم المكون من أربعة طوابق واستشهاد اثنين وإصابة آخرين لتستعيد هذه الحادثة ذكرى العدوان الصهيوني الأليمة، الذي أطاح بالعشرات من المنازل وحوَّلها إلى ركام فيما أضحت منطقتهم كقرية أشباح.
ما أن حطَّت أقدامنا على أطلال "حي الجرو" برفقة العاصفة الرملية التي ضربت بغبارها كل مَن يقف بطريقها حتى أصابتنا الصدمة لهول المشهد.
فالمنطقة بدت وكأنها تحوَّلت إلى قرية أشباح غابت عنها ملامح الحياة، إلا من أكوام الحجارة التي تناثرت كالأشلاء في كل مكان حيث بدت وكأنها تخفي في جعبتها العديد من قصص الألم والمعاناة والتشريد التي يكابدها السكان منذ انتهاء الحرب، أشجار مترامية على جوانب الطريق ترفع أغصانها إلى السماء شاكيةً إلى الله ظلم ما حل بها، خيام تتشبث في ذات المكان هجرها أصحابها هربًا من حرها، باحثين عن مأوى بين ركام المباني يقيهم لفحات الشمس الملتهبة.
وكانت قوات الاحتلال شنَّت حربًا شاملةً على قطاع غزة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر، وحتى من العام الماضي استشهد خلالها أكثر من 1500 فلسطيني، ودمرت البنية التحتية بشكلٍ كامل.
قرية منكوبة
الصهاينة يمارسون أعمال هدم لمنازل الفلسطينيين

في تلك المنطقة المنكوبة، وعلى أطلال أكوام الركام كان يقف الستيني الحاج عبد الله الجرو "أبو نضال" محاولاً استعادة شريط ذكريات منزل شقيقه "حامد" الذي انهار الأسبوع الماضي على مَن بداخله وأعاد لأذهانهم صور الرعب التي خلَّفتها الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، والتي أودت بحياة الآلاف من الشهداء والجرحى.
وكان الانهيار المفاجئ للمنزل أودى بحياة شابين وإصابة عددٍ آخر، والشهيدان ياسر أبو هربيد (20 عامًا)، وجبريل أحمد (19 عامًا) كانا يعملان داخل المنزل الذي كان قد تعرض للقصف الصهيوني خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
ولم يكن انهيار ذلك المنزل الأول من نوعه، لكنه كان الأكثر إيلامًا بعدما أودى بحياة الشابين ليفتح ذلك مجددًا ملف البيوت والمباني التي قُصفت في الحرب وتضررت بشكلٍ جزئي دون أن يتمكَّن السكان أو الجهات المعنية من إزالتها أو ترميمها في ظلِّ نقص الإمكانات اللازمة نتيجة لاستمرار فرض الحصار على القطاع.
حياة مشردة
طفولة مشردة بسبب العدوان الصهيوني

فمنذ أن أسدل الستار على الحرب التي استمرت 22 يومًا، هوت العشرات من المنازل والمنشآت التي قُصفت وتضررت جزئيًّا، وباتت حياة العشرات من العائلات التي تقطن بالقرب منها مهددةً؛ نتيجةً لاحتمال انهيار المزيد منها، فيما أُصيب الكثير من السكان لا سيما الأطفال بجروحٍ مختلفة بسبب الانهيارات المستمرة لتلك المنازل التي تُقدَّر بالمئات، واضطرت بعض العائلات للبقاء فيها إما هربًا من لهيب الخيام أو لعدم وجود بيوت بديلة للإيجار.
يضيف الجرو لـ(إخوان أون لاين) في تفاصيل انهيار منزل شقيقه بعدما اصطحبنا إلى خيمته هربًا من حرِّ الشمس الملتهبة التي تتوسط كبد السماء: "كان المنزل آيلاً للسقوط في أيةِ لحظة؛ لأنه يقف على خمسة أعمدة فقط من الداخل نتيجة قيام جرافات الاحتلال بتجريف أعمدته الخارجية بعد قصفه.
ويتكون المنزل المنهار من أربعة طوابق على مساحة 200 متر؛ حيث تعرض للتدمير الجزئي إبَّان الحرب الأخيرة بعد دكه بالعشرات من قذائف المدفعية التي أتت على كامل المنطقة وحولتها إلى ركام متنأثر.
ورغم الأضرار التي لحقت بالمنزل إلا أن أفراد العائلة المكونة من خمسين شخصًا كانوا يستظلون تحت ركامه لاستعادة ذكريات الزمن الجميل غير مكترثين بما ينتظرهم من مخاطر محدقة ولعدم توفر بيوت بديلة بسبب الحصار ومنع دخول مواد البناء وهربًا من حرِّ الخيام التي سلمتها إياهم الجمعيات الخيرية للإيواء بداخلها.
ويقر الجرو بأن المنزل انهار بعد قيام بعض العمال والمقاولين بمحاولة فك واستصلاح بعض المواد من بين الركام كالبلاط والألمنيوم وغيرها، وتابع بحسرة تعتصر قلبه: "كان يوجد داخل المكان مقاول وعدد من العمال عندما انهار المنزل بشكلٍ مفاجئ ما أسفر عن استشهاد اثنين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح خطيرة.
أزمة الإعمار
عمليات إعادة الإعمار مستمرة بعد مرور عام على العدوان الصهيوني

وقال الجرو عن أسباب انهيار المنزل: "قد يكون انفجار عبوة داخل المنزل بينما كان يقوم العمال بأعمال البحث والتنقيب بداخله مشددًا: "سمعنا صوت انفجار مرتفع جدًّا مع تصاعد دخان كثيف أبيض.
وأضاف أن جميع المباني الموجودة في المنطقة مدمرة بشكلٍ كبير جدًّا بما فيها مسجد المنطقة، وقد تسقط في أية لحظة"، وطالب بضرورة العمل على تجريف المنازل المتضررة بشكلٍ كبيرٍ لكي لا يتكرر نفس السيناريو ويُزهق المزيد من الأرواح.
وتفتح مأساة عائلة الجرو ملف البيوت والمباني التي قُصفت في الحرب وتضررت بشكلٍ جزئي دون أن يتمكن السكان أو الجهات المعنية من إزالتها أو ترميمها في ظلِّ نقص الإمكانات اللازمة نتيجة لاستمرار فرض الحصار على القطاع.
وتدفع أزمة الشقق السكنية بالكهل الثمانيني أبو خالد الجرو؛ للاحتماء مع زوجته المسنة تحت بقايا غرف منزله الآيلة للسقوط غير مكترث بما ينتظره من مخاطر محدقة في كل وقت وحين.
وتغزو عيونه علامات الصبر والجلد، وهو يتنقل بين منزله المتصدع الذي يبعد عشرات الأمتار عن مسرح الحادثة التي أودت بحياة شابين من جرَّاء انهيار منزل مكون من أربع طبقات.
ويعزم الجرو على العيش بين ركام منزله إلى أن تقوم وزارة الأشغال بتجريفه، لكنه لا يُفكِّر بالنزوح بعيدًا عن مسكنه، ويشيح بيده إلى أرض مجرفة أقامت عليها جمعية أرض الإنسان الخيرية 25 خيمة بلون الثلج لا تكفي لعائلته المكونة من 50 أسرة قائلاً بحرقة: سأجلب خيمتي وأقيمها على أطلال منزلي، وسأحاول التأقلم على حياة البرية، فنقود التعويضات نفدت قبل شراء أثاث جديد.
الكيان الصهيوني يهدم منازل الفلسطينين يوميًا
وتجهش زوجته المسنة أم خالد بالبكاء، وتنحدر دموعها على وجنتيها بحرارة أشد وطأةً من لهيب الصيف الحار الذي خيَّم على المنطقة المنكوبة، وتقول المسنة التي أُصيبت بالشلل حزنًا على ما أحلَّ بعائلتها من دمار: طلبتُ من زوجي نقلنا إلى مكانٍ آمن، فالحياة أصبحت جحيمًا لا يُطاق، لا سيما بعد أن رحل جيراني، لكن ليس بيده حيلة، فنقودنا نفدت والمساعدات الإنسانية شحت.

ويحاول زوجها الحد من مخاوفها ببسمة باهتة قائلاً: سنبني بيتنا عاجلاً أم آجلاً لكننا لن نتركه ونرحل ما دامت الحياة تدبُّ في أوصالنا.
ويلعب أحفاد أبو خالد الصغار تحت ركام المنزل غير آبهين بانهيارٍ مفاجئ لسقفه الذي يقترب كثيرًا من سطح الأرض.
ويعزي بعض السكان أنفسهم باستخراج القضبان الحديدية، وحجارة البلوك من بقايا منازلهم المدمرة تحت أشعة الشمس على أمل بنائها في غرفة تجمع شملهم من جديد.
ويشير أبو نضال الجرو إلى الخيام البيضاء قائلاً: يحاولون إسكاتنا بقطعٍ من القماش لا تقي حر الصيف أو برد الشتاء، وتخلو من الفراش، ولا توجد بجانبها دورات مياه فكيف ستعيش نساؤنا في تلك المنطقة الموبوءة، متسائلاً عن عدم اهتمام الصليب الأحمر بالمتضررين، أو منحهم كرفانات من وزارة الأشغال العامة والإسكان لتدبير شئونهم.
ويبقى السؤال: هل سيكون منزل عائلة الجرو آخر منزل ينهار على رءوس ساكنيه، أم سيواصل الرصاص المسكوب تدمير المنازل حتى بعد مرور ستة أشهر على انتهائها؟.