السيد/ فاروق القدومي (أبو اللطف) المحترم..

تحيةً طيبةً وبعد:

فإنه مما يؤلم؛ هذا الحال المزري، والوضع الذي وصلت إليه حركة فتح هذه الأيام في ظل المحاولات المتكررة والمتواصلة؛ لتدمير ما تبقى من تاريخ هذه الحركة عبر سلسلة من القرارات والإجراءات التي اتخذها ويتخذها تيار محدد بعينه، يقوده اليوم محمود رضا عبّاس عبّاس، وإنه مما يحزن؛ أن الحركة التي قادت النضال الوطني الفلسطيني لعقود من الزمان قد تحولت إلى تيارات متصارعة متنافرة، وأن تفشل بعد عشرين سنة من عقد مؤتمرها العام السادس.

 

إن ما نشهده اليوم لا يخص حركة فتح وحدها، بل يخص الجميع والكل الفلسطيني؛ لما له من آثار قد تكون وخيمة على القضية برمتها؛ لأن من يحاولون استكمال التدمير الممنهج لحركة فتح هم أنفسهم من همّشوا منظمة التحرير الفلسطينية وأنهوا دورها، وهم أنفسهم من تحالفوا ويتحالفون مع المحتل البغيض ضد مقاومة شعبنا المشروعة، وهم مَنْ فرّطوا ويفرّطون في الحقوق والثوابت؛ ولأن تدمير ما تبقى من فتح هو خطوة أساسية نحو تحقيق أهدافهم الخبيثة.

 

لقد قلنا، وكتبنا، وحذرنا، وأوضحنا أن استهداف حركة فتح ليس صدفة أو وليد ظروف؛ بل يسير ضمن خطوات محددة ومرسومة؛ لأن ضرب فتح بدايةً له أسبابه؛ ولنتذكر جميعنا أن من أهداف خطة دايتون سيئة الصيت (3/3/2007م)؛ والتي أوكل تنفيذها لفتحاوي الذي يسعى اليوم لتدمير فتح عبر السيطرة عليها؛ كانت تنص على خطوات محددة ضد حركة فتح منها الإطاحة باللجنة المركزية، وأن يُستبدل بها أشخاص من شاكلة من تعرفونه ونعرف، والقضاء على كتائب شهداء الأقصى وتصفيتها، وتحويل حركة فتح إلى حركة سياسية بحتة، والناظر والمتابع للشأن الفتحاوي يدرك تمامًا أن أجزاء من الخطة قد تم تنفيذها، وأجزاء أخرى تنتظر التنفيذ عبر سرقة واختطاف المؤتمر السادس.

 

لماذا فتح تحديدًا؟! لهذا أيضًا أسبابه التي فصلنا فيها، ولو تركت الحركة لتنهار تلقائيًّا لاستفادت الحركات الأخرى، وأفشلت المخطط المعد للقضاء على الجميع، وبالتالي كان من المهم التركيز على الفصيل الأكبر حتى الآن؛ لأن:

- فتح هي كبرى الفصائل تاريخيًّا وشعبيًّا على الأقل حتى لحظة بداية المخطط.

- هي أكثر التنظيمات وفرة في المال الذي سيستخدم في تحقيق المآرب.

- حركة لها تاريخ نضالي طويل.

- هي بمثابة الحزب الحاكم والمسيطر على مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة أوسلو.

- هي الحركة التي اختارت- وبمحض إرادتها- عبّاس مرشحًا ورئيسًا لها، وأعطته الشرعية المطلوبة دوليًّا.

- الانقسامات الكبيرة داخل الحركة تسهل تحريك مجموعات ضد مجموعات أخرى.

- ضرب فتح يعطي المبرر المطلوب لضرب الباقين، بحجة أن الرئيس وسلطته لا يتوانون حتى مع الحركة التي اختارتهم والتي يمثلونها.

 

السيد القدومي!!:

تطلع الكثيرون قبل سنوات، وتحديدًا بعد رحيل عرفات في 11/11/2004م لدور ريادي قيادي لكم؛ لإنقاذ فتح مما وصلت إليه عبر مسيرة أوسلو المشئومة وما سبقها ولحقها، ورغم اتخاذ بعض الخطوات المحدودة جدًّا من قِبلكم في محاولة لتصحيح بعض الخطايا، إلا أنها لم تصل حد إيقاف تيار الانحراف والتدمير داخل حركة فتح عن مواصلة نهجه واستكمال مخططه، وبالتالي أضعتم فرصة تاريخية لتصويب مسار حركة فتح، وإعادتها لخطها الوطني الذي قامت ونشأت عليه.

 

لقد تعرضت فتح لضربات ونكسات سياسية وميدانية خطيرة، وتكررت الأخطاء مرات ومرات، ولم تكن هناك مواقف حاسمة في وجه ما يجري، ولأسباب ليست واضحة أو جلية التزم السيد القدومي الصمت ولفترات طويلة، وآثر المراقبة من بعد؛ مما أعطى فرصة لعبّاس ومن معه للتمادي والتسريع في خطتهم؛ حيث عزل عبّاس من عزل، وأسبغ على نفسه الألقاب والمناصب (القائد العام لحركة فتح)، وتصرف كديكتاتور مطلق داخل حركة فتح، وتعدى عليكم شخصيًّا، وفي أكثر من مناسبة، وعبر تحجيم دوركم و"مناكفتكم"، ورغم المصالحات الآنية التي عقدت معه، خاصة إبان الحكومة العاشرة للنكاية بحركة حماس؛ إلا أنه لم يتردد في تكرار تعديه عليكم، وسحب الصلاحيات مرة أخرى بعد أن استنفد ما يريد، وأحكم انقلابه على نتائج الانتخابات وخيار الشعب، ورغم ذلك لم نلمس الموقف الحاسم والحازم في وجه هذا التيار.

 

الأيام القليلة الماضية، وعبر تفاصيل ما يجري في اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر السادس، حملت ما يغاير هذا الصمت، حملت انفجار السيد القدومي في وجه من يريد تدمير فتح، ووقوفه بشدة أمام كل محاولات نعي فتح، وهو الموقف الذي شجع آخرين من داخل اللجنة المركزية وخارجها على الانضمام لكم ورفع صوتهم في وجه عبّاس وتياره.

 

إن هذا الموقف الذي طال انتظاره سيشجع أيضًا الكوادر الفتحاوية الساخطة على ممارسات التدمير الممنهج لحركتهم، والذين لم ولن نتوقع تحركهم دون قيادة ورعاية واضحة، ولا نعتقد أن هناك داخل فتح من هو أكثر تأهيلاً منكم لذلك، رغم ما قيل وأثير سابقًا أنكم دائمًا تفضلون الدور الثاني، هذا الطرح الذي لا نؤيده ولا نقتنع به.

 

في أكثر من لقاء شخصي سابق معكم كنتم ترددون عبارة "لقد بلغت من العمر عتيًّا"، وذلك في معرض الرد على المطالب باستلامكم لزمام الأمور، وهذا ما نحسبه لك لا عليك، أي أنه آن الأوان لاتخاذ ما يلزم، أي موقف شجاع حكيم وجريء، ولا يوجد ما يخسره من بلغ من العمر عتيًّا إلا أن يكسب نفسه وتاريخه.

 

السيد أبو اللطف!!..

عندما نتوجه إليكم بهذه الرسالة وبما سبق من قول، فإنما نقوم بذلك؛ ليس من باب المجاملة أو التملق؛ لأنه وببساطة لا مصلحة شخصية في ذلك، ولأننا ما تعودنا التملق ولا حتى المجاملة على حساب قضيتنا؛ بل تعودنا الصراحة المؤلمة أحيانًا؛ ولأننا ندرك أنكم قادرون على وقف انهيار حركة فتح وإعادتها لخيارها الوطني؛ لأنكم:

- من مؤسسي الحركة ومن قياداتها التاريخية.

- لم تتلوثوا بخطيئة أوسلو.

- مع المقاومة وحق شعبنا في الدفاع عن نفسه. 

- حافظتم على علاقات مميزة مع الجميع دون استثناء.

- مقبولون فتحاويًّا وعلى المستوى القيادي والجماهيري.

- تشغلون أعلى منصب قيادي في حركة فتح.

 

إن إنقاذ حركة فتح من براثن عبّاس ومن معه مهمة وأمانة وواجب، لا خيار أو تفضيل فيه، وإن تقاعستم عن ذلك فلن يرحمكم التاريخ.

 

إننا ننتظر اليوم الذي تتخذون فيه المزيد من المواقف الواضحة، ومعكم كل من يؤمن بحقوق شعبنا وثوابته، من فتح أو من خارجها، ليس فقط من خلال عزل هذا التيار المرتهن للاحتلال؛ ولكن أيضًا من خلال إنهاء وتصويب المآسي والخطايا التي اتخذت باسم حركة فتح.

 

ضاعت الفرصة بعد رحيل عرفات، وتمادى تيار عبّاس وتفرعن، واليوم حركة فتح على مفترق طرق حقيقي، أن تبقى وتعود للخيار الوطني، أو أن تنتهي كما انتهت الأحزاب الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية، أي مقر ولافتة، واحتفال سنوي بذكرى الانطلاقة، وانتهى، والاستحقاق القادم- أي المؤتمر الحركي العام السادس- هو فصل المقال، وهو الحاسم إلى أين تتجه فتح، فماذا أنتم فاعلون؟

 

هذا بلاغنا لكم.

مع خالص التحية.

--------

* DrHamami@Hotmail.com