تشهد العاصمة الصومالية أحداثًا داميةً بعد ثمانية أيامٍ من الاشتباكات العنيفة التي خلَّفت أكثر من مائة قتيل، وإصابة أكثر من ثلاثمائة جريح معظمهم من النساء والأطفال، ولا يزال الوضع مرشحًا لمزيدٍ من المواجهات الجديدة التي تسير بوتيرةٍ جديدةٍ غاية في التعقيد.

 

وبعد اغتيالات وتصفيات نوعية متبادلة بين حركة شباب المجاهدين، والمحاكم الإسلامية الجناح الموالي للحكومة اندلعت الاشتباكات الأخيرة التي خلقت أجواء من الفزع والخوف الشديد بشكلٍ أكثر من أي وقتٍ آخر مضى.. هذا ويفسر المراقبون ذلك بأن الصراع دائر هذه المرة بين رفقاء الدرب الذين كانوا مجاهدين بالأمس القريب في خندقٍ واحدٍ ضد القوات الإثيوبية الغازية، أضف إلى ذلك أن كلا الطرفين يعرف الإستراتيجيات القتالية لدى الطرف الآخر، وبالتالي تكون الهجمات أكثر تنسيقًا، ولاسيما أن كل طرف يحاول أن يتحدى خصمه بكل ما أوتي من قوة؛ مما أدى بالفعل إلى حركة من النزوح الجماعي إلى المحافظات التي تتمتع بالهدوء النسبي.

 

وبالفعل كانت الهجمات الأخيرة تعكس بأن الصراع مختلف ووفق إستراتيجية مغايرة بل إن الأمر لا يخلو من اختراق متبادل، وخير دليل على ذلك تلك الهجمة التي استهدفت يوم الإثنين الماضي أحد مراكز حركة شباب المجاهدين في مقديشو في وقتٍ كانت الحركة تعقد مؤتمرًا صحفيًّا، وبصرف النظر عن الدمار والإصابات التي أُصيبت ببعض الصحفيين يقول الخبراء العسكريون بأن الصراع الحالي يكون أكثر دمويةً لما يتميز به من الديناميكية والتفاني من قِبل الطرفين في إطار حملة تعبوية توعية لإقناع كل طرف جنوده في أن يبذلوا الغالي والنفيس في سبيل إقصاء الطرف الآخر الذي كان بالأمس القريب (الأخ المجاهد) فأصبح بين عشيةٍ وضحاها مرتدًا عن الدين أو منضويًا تحت لواء فئة الخوارج حسب المضامين الدعائية المتبادلة، إذًا تلك هي الفتنة بعينها التي تُكشِّر عن أنيابها، وتبعثر ثمار الجهاد في الهواء على غرار الجهاد الأفغاني في ثمانينيات القرن الماضي.

 

ورغم الجهود المبذولة في إخماد الفتنة من قِبل الوجهاء والعلماء المخلصين، ولكن يصدق عليهم قول القائل (لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياةَ لمن تنادي)، وقد وصل الأمر إلى حدِّ أن بعض أهل العلم والحكمة تمنوا أن يتوفاهم الله وقت حدوث هذه الفتنة القاتلة.

 

وحسب ما قاله أعضاء هيئة علماء المسلمين في الصومال إن ما يجري في مقديشو هو الاقتتال المحرم بين المسلمين أو بالأحرى فتنة بين المجاهدين، وإن كان مصطلح الجهاد مستخدمًا منذ فترة من قبل الجميع حتى أيام أمراء الحرب الذين تمت إزاحتهم من الساحة من قِبل المحاكم الإسلامية التي انقسمت هي الأخرى إلى فئاتٍ ومجموعات معارضة وأخرى موالية للحكومة الجديدة.

 

والسؤال المحير هو إلى أين سينتهي مصير هذا البلد الذي أنهكته الحروب، هل فعلاً سيدخل في قبضة القوات الأجنبية من جديد إذا لم يُوقف الجهاديون هجماتهم المتزايدة ضد الحكومة الإسلامية في مقديشو، أم أن كفة الحرب ستترجح لصالح طرف ما من الأطراف المتصارعة على الحكم، فينعم الشعب الصومالي في ظل شريعة الرحمن التي يبشر بها كل حزب بطريقته الخاصة؟ ولسان حال الشريعة السمحاء يقول: لا ولن أتحقق إلا على الأيدي الطاهرة التي تتورع عن دماء المسلمين.

---------

* إعلامي ومدير إذاعة صوت السلام في مقديشو