قرأت باهتمام شديد ثلاثة مقالات بالغة الأهمية حول السياسة الخارجية المصرية وآفاقها المستقبلية، ومرجع الاهتمام بهذه المقالات، هو أنها تأتي في وقت نحتاج فيه لصياغة معالم للسياسة الخارجية تستوعب التغيرات العالمية والإقليمية.

 

أما ما يتعلق بالأهمية البالغة للمقالات الثلاث، فإن ذلك مبعثه أمران، الأول هو أن كاتبيها ذوو خبرة واسعة بالبحوث العلمية في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، كما أنهم أيضًا ذوو خبرة بالممارسة السياسية، فالمقالة الأولى كتبها د. مأمون فندي، نُشرت في (الجريدة) الكويتية في 11/3/2009، والثانية كتبها د. عليّ الدين هلال، ونشرت بجريدة (الأهرام) في 21/3/2009، وكانت تحت عنوان "هل مصر دولة خليجية؟" وتبنت المقالتان الإجابة عن هذا السؤال من مداخل اقتصادية وأمنية على اعتبار أنها تشكل إطار الاعتماد المتبادل بين مصر والدول الخليجية.

 

أما المقالة الثالثة، فهي للدكتور بهجت قرني، ونشرت في جريدة (الأهرام) في 1/4/2009، بعنوان "أولويات السياسة الخارجية المصرية"، وحاولت وضع إطار لعملية صنع السياسة الخارجية بحيث يلبي قائمة الأولويات والاهتمامات الخاصة بمصالح الدولة مع الدول الأخرى.

 

أما الأمر الثاني لأهمية هذه المقالات، فهو أنها تفتح مجالاً للجدل العلمي حول تعريف السياسة الخارجية المصرية، بعد فترة طويلة من عدم وضوح مصفوفة وتراتب قضايا ومحاور السياسة الخارجية، وهنا يمكن الإشارة، وبحق إلى أن ما كتبه د. قرني أوسع ويضع إطارًا للجدل حول السياسة الخارجية المصرية، والتعاون والصراع، وما يتعلق بالسيادة، وتناسب التكلفة والعائد، والأكثر أهمية أنه دعا إلى تضافر المؤسسات والخبراء؛ لبناء أجندة للسياسة الخارجية وإثراء النقاش الهام حول هذه الأجندة.

 

وفي الحقيقة، فإن صياغة السياسة الخارجية لأي دولة، يقتضي تعريف هذه الدولة وتحديد هويتها، فعلى أساس هذا التعريف تترتب قائمة المصالح والتحديات، ومن هنا يمكننا وضع نسق أو ترتيب للأولويات، يراعي المصلحة الوطنية، ويراعي أيضًا التكلفة الممكنة التي يستطيع المجتمع تحملها في سبيل الحصول على الحد الملائم من المنافع والمصالح.

 

وعادة ما يجمع تعريف الدولة بين العديد من المتغيرات، فهو يشمل المتغير الثقافي والمتغير الجغرافي، والمتغير السكاني، بالإضافة إلى المتغير الديني، فجميع هذه المتغيرات تُشَكِّل في النهاية إطار هُوية الدولة، وكلما استطاع التعريف وضع هذه المتغيرات في نصابها الطبيعي، كانت السياسة الخارجية أكثر وضوحًا وتعبيرًا عن حاجات الدولة.

 

ومع التوافق حول دخول منطقة الخليج ضمن أجندة السياسة المصرية، واعتبارها دولة نيلية، فإن ذلك يعد مسألة جزئية من التعريف؛ ذلك لأنه يعتمد بالأساس على مدخل الجغرافيا ولا يأخذ في الاعتبار والمتغيرات الثقافية والدينية التي تفتح آفاقًا أرحب أمام عملية صنع السياسة الخارجية، وتوفر بدائل وفرصًا حقيقية لتمديد المجال الحيوي المصري.

 

فإذا ما أخذنا بتعريف مصر على أنها دولة إسلامية تتوسط العالم الإسلامي، فإن هذا ما يترتب عليه طريقة السياسة الخارجية شبكة للمصالح ويتفرع عنه مستويات التفاعل وعلاقات التعاون والصراع ومصادر التهديد، يتطلب ذلك وضع نسق للعلاقة مع الدول الإسلامية؟
ولا شك أن اختيار النسق والاستقرار على معالمه الأساسية يساعد على استقرار السياسة الخارجية، والدول الإسلامية في آسيا وإفريقيا توفِّر مجالاً أقرب للتعاون، هذا ما يتطلب وضع تصور لشكل العلاقة، ليس فقط مع إيران؛ ولكن أيضًا مع تركيا وسائر الدول العربية ونيجيريا والسنغال، وهناك اعتقاد بأن مصر تتوافر لديها إمكانات وآليات التعاون مع هذه الدول.

 

فالمخزون الثقافي والحضاري وانتشار الأزهر الشريف وثقافته في أنحاء العالم الإسلامي وتمتُّع مصر بنظرة احترام لدى شعوب هذه الدول، يرفع من أهمية هذه المناطق في السياسة الخارجية، هذا المدخل يتعامل مع الأسئلة الإستراتيجية: متى تكون إيران عدوًّا؟ ما الحدود المقبولة من العداء؟ وهل تكون العلاقة مع تركيا تنافسية أم تعاونية؟ وكيف ننظر لدولة باكستان وإندونيسيا والهند؟ وكيف نرى تباعد دول المغرب العربي نحو أوروبا وأمريكا؟

 

ولدى تبني نظرية للسياسة الخارجية لا يمكننا إغفال أن هناك العديد من العوائق التي تحول دون تطوير التعاون مع الدول الإسلامية، كما أنه ليس من الحكمة القبول بها كعقبات أبدية لا تزول، وقد انعكست آثارها في تباعد الدول الإسلامية وتخاصمها وفشل تجارب التكامل فيما بينها، وتدني حجم التبادل التجاري.

 

هذه المشكلات لا تزال تشكل أساس التفاعلات بين مصر ومجموعة الدول الإسلامية، ومن الضروري استكشاف العوامل التي أدت إليها وطرح تطورات لتذليلها والتغلب عليها.

 

في الوقت الحاضر لا تفسر الجغرافيا السياسية وحدها عوامل الصراع والتعاون بين الدول، وفي ذات الوقت لا يمكن إغفال أهمية تأثيرها على العلاقات بين الدول، وخاصة إذا ما ارتبطت بالمواد الطبيعية العابرة للحدود كالأنهار، وهذا التأثير يرتبط بتصرف الحكومات ومدى سيطرتها على أراضيها، ونتفق أن الوضع في السودان وإثيوبيا مقلق للغاية ويمثل تهديدًا لمصر، كما أن الوضع في الشمال، حيث إسرائيل وانتشار الأساطيل الأوروبية والأمريكية في البحر المتوسط، كل هذه الأمور تمثل تهديدًا مباشرًا.

 

غير أن هذا الوضع يثير السؤال: ما المصادر الحقيقية لهذا التهديد؟ وهل من الممكن تحويل التهديد إلى مصالح وتعاون؟ فالقضية الأساسية هي أنه ليست الجغرافيا مصدر العداء، ولكن التصرفات التي تجري عليها، وفي مرحلة تاريخية معينة تتشكل هوية وطبيعة العلاقات مع الجوار.

 

وفيما يتعلق بالمسألة الجنوبية، فإن التهديد الآتي من هناك في الوقت الحاضر، هو نتيجة تركيبة فريدة شكَّلها الاستعمار الأوروبي والنفوذ الأمريكي خلقت بيئة معادية للعرب؛ وليس تجاه مصر وحدها، وهذا التوجه العدائي يتعزز في المرحلة الحالية نتيجة تضاؤل الاعتماد المتبادل بين الدول العربية والدول الإفريقية وتراجع الدور المصري بشكل خاص في منطقة القرن الإفريقي.

 

وإذا ما نظرنا إلى الشمال، فيمكن القول إن أزمة الأمن على الحدود الشمالية هي نتيجة مباشرة لعاملين، تضافرا في ترسيخ الوجود الإسرائيلي واقتراب التهديد من السواحل المصرية، وهذان العاملان هما:

 

1- أن الكيان الصهيوني تبلور سياسيًّا في إطار مقاصة استعمارية لحل المسألة اليهودية على حساب العرب والمسلمين.

 


2- أن مشروع السياسة الخارجية المصرية ومنذ 1952، شهد التواءات لم يستطع معها الاستقرار على تعريف للعدو، وهذا ما أعطى فرصة لإسرائيل لالتقاط أنفاسها وفك العزلة المفروضة عليها، ولو على المستوى الرسمي على أقل تقدير.

 

فالتهديدات ليست من السودان بذاتها، كما أنها ليست من إسرائيل بذاتها، فهما قمة الجبل، فالتهديدات الحالية هي نتيجة التدخل الأمريكي والأوروبي في القرن الإفريقي، وتأمين إسرائيل ومساندتها بشكل مطلق، ولذلك فإنه لدى صياغة أولويات السياسة الخارجية، فهل تقتصر حدود الأمن الوطني عند الحدود الجغرافية في الجنوب والشمال؟ أم تمتد لوضع تصور للتعامل بالسياسات الأوروبية والأمريكية باعتبارها مصادر أصلية للتهديد؟

 

وبالتالي فإن الاتفاق على توصيف المصادر الأصلية للتهديد يساعد في ترتيب أولويات السياسة الخارجية والأدوات الممكنة لتنفيذها، والإجابة على السؤال: إلى أي حد يؤدي التجاوب مع السياسة الأمريكية لتحقيق الأمن والمصالح المصرية؟ وما الأعباء التي تستطيع مصر تحملها؟ فعلى الرغم من مساهمة مصر بشكل واضح في حرب تحرير الكويت (1991) وسكوتها عن الاحتلال الأمريكي للعراق، لم تتحقق لها مصالح ملموسة، بل إن احتلال العراق زاد من مصادر التهديد الخارجية وهمَّش مكانتها الإقليمية وأصبحت سياسة مصر انكماشية، فيما تتمدد المظلة السياسية لدول أخرى.

 

ولكي تكتمل الصورة، لا بد من الأخذ في الاعتبار حقيقة الواقع الداخلي للدولة وانعكاسه على السياسة الخارجية بالنسبة لمصر؛ فهناك تزايد في حجم القوى العاملة وزيادة عدد المتعلمين، كما يوجد خلل مزمن في ميزان المدفوعات واختلال هيكل التجارة الخارجية، وفجوة كبيرة في الاكتفاء الذاتي من الغذاء والصناعات الإستراتيجية كثيفة التكنولوجيا، ورأس المال، بالإضافة إلى غياب الإنجازات السياسية الكبرى، ووفقًا لمعيار القوة الشاملة للدولة، تُعَد القدرات السياسية للدولة ضعيفة، ولا تساعد على بناء سياسة خارجية توسعية، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الفجوة الحقيقية في السياسة الخارجية للدولة، وهنا لا بد من وضع حد لسلم الأولويات والبدائل الممكنة في الوقت الراهن، وهذا هو التحدي الذي يواجهنا ويحتاج إلى نقاش واسع.