يتساءل الكثيرون عن جدوى وجود المعارضة في مجلس الشعب طالما أن الحكومة تملك أغلبية برلمانية تمكنها من تمرير ما تريد من قوانين واتفاقيات وعجز المعارضة من خلال الأدوات الرقابية المتاحة عن محاسبة أي مسئولٍ حالي أو سابق عمَّا اقترفه من جرائم نهب للمال العام أو فساد؛ وذلك لوجود أغلبية ساحقة للحزب الوطني تملك دائمًا قرارًا بالانتقال لجدول الأعمال وإجهاض الاستجوابات المقدمة من المعارضة رغم ما فيها من مستندات دامغة وأدلة إدانة واضحة للحكومة وللمسئولين، كذلك حملة التضييق الواسعة التي تمارسها الحكومة من خلال أجهزة الأمن على أنشطة النواب في الدوائر والحيلولة بينهم وبين التواصل مع الجماهير التي انتخبتهم.
بالإضافة إلى ذلك هل تتناسب الإنجازات التي حققتها المعارضة في البرلمان مع فداحة الثمن وارتفاع تكلفة فاتورة المشاركة في هذه الانتخابات من قتلٍ واعتقالٍ ومصادرة أموال وجرحى ومصابين وإشاعة روح اليأس والإحباط لدى عموم الشعب من إمكانية الإصلاح والتغيير بالوسائل السلمية؟.
ولعل كل أو بعض الأسباب السابقة لها وجاهتها وتعطي القائلين بعدم جدوى المشاركة في الانتخابات البرلمانية حججا قوية لدعم وجهة نظرهم.
وبغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع كل أو بعض هذه الأسباب فإنني ومن خلال الممارسة العملية كنائبٍ بمجلس الشعب أستطيع القول بأن المعارضة المصرية قد أنجزت الكثير من خلال وجودها داخل البرلمان والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصى ليس أقلها ما شهد به وكيل إحدى لجان المجلس وكثيرٌ من أعضاء الحزب الوطني في الجلسات الخاصة بأنهم لا يتصورون كيف كان حال مصر إذا لم توجد هذه المعارضة في المجلس؟ واستشهاد أحدهم بالآية الكريمة ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية 251).
وحيث إن الأرقام لا تكذب كما يقولون فقد أقرَّ مجلس الشعب في دورته الأولى خلال الفصل التشريعي الحالي 33 مشروعَ قانون استطاعت المعارضة أن تجري تعديلات على مواد 29 من مشروعاتِ هذه القوانين تتراوح بين 30% و90% من المواد بما يحقق صالح الوطن والمواطنين، ويمكن القول بأنه باستثناء القوانين التي تمثل حياة أو موت بالنسبة للنظام مثل قانون تفويض رئيس الجمهورية في عقد صفقات السلاح ومد العمل بحالة الطوارئ والتعديلات الدستورية ومد السن للقضاة فإن جميع القوانين الأخرى يتم تعديلها بما يحقق الصالح العام، ولم يكن هذا متاحًا لولا وجود المعارضة، خصوصًا أن الأغلبية من نواب الحزب الوطني لا يقرءون ولا يناقشون، وليس لهم مهمة سوى رفع الأيدي بالموافقة على مشروعات القوانين كما وردت من الحكومة.
ويستطيع أي منصفٍ الوصولَ إلى حقيقة أهمية وجود المعارضة في المجلس حينما يقارن بين مشروعات القوانين التي أقرَّها البرلمان بصفة نهائية ومشروعات القوانين كما وردت من الحكومة ليكتشف البون الشاسع والدور الكبير الذي قامت به المعارضة في تعديل هذه القوانين.
بل إن هناك مشروعات قوانين كانت الحكومة مصرة على تمريرها، واستطاعت المعارضة بصمودها وإصرارها وأدائها المتميز داخل البرلمان أن تُجبر الحكومة على تعديلها، وخير مثال على ذلك المادة الخاصة بحبس الصحفيين في قضايا النشر من قانون العقوبات ونجاح المعارضة في إلغاءِ هذه المادة رغم إصرار الأغلبية على تمريرها، ورغم أن الإلغاء جاء بقرارٍ سيادي، لكن لا ينكر أحدٌ أن المعارضة القوية لهذه المادة داخل البرلمان وخارجه كانت السبب وراء الإلغاء.
كذلك المواد الخاصة بالحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية، والتي أعطت المحبوس احتياطيًّا الحق في استئناف قرار النيابة بحبسه بعد 24 ساعة، ووجوب نظر المحكمة لهذا الاستئناف خلال 48 ساعة، كذلك المادة الأولى من قانون نقابة المحامين، والتي أدخل المشروع إلى المجلس من أجلها نجحت المعارضة في إلغائها بأداءٍ رائعٍ ومتميزٍ وبيانٍ للعوار القانوني والدستوري لهذه المادة حتى ألغيت بقرارٍ سيادي أيضًا، وكذلك إجبار الحكومة على سحب قانون الرسوم القضائية، هذا في الجانب التشريعي.
أما في الجانب الرقابي فيأتي في المقدمة منه الاستجوابات فبالرغم من اتخاذ المجلس قرارًا بعد مناقشة جميع الاستجوابات بالانتقال إلى جدول الأعمال؛ مما يعني عمليًّا إجهاض الاستجوابات وإلغاء الأثر السياسي له من حيث إقالة الوزير أو الحكومة.
فإن الأثرَ العملي لهذه الاستجوابات قد تحقق بنسبة كبيرة سواء من حيث تحجيم الفساد أو الحد من انتشاره أو منع كثير من الكوارث التي كانت يمكن أن تقع لولا تقديمها، وخير مثال على ذلك وقف بيع شركة سيد للأدوية بناء على استجواب تقدَّم به النائب الدكتور فريد إسماعيل، كما تم مضاعفة سعر بيع صفقة عمر أفندي بناءً على الاستجوابات التي قدَّمت حول الصفقة في مجلس الشعب، ولا يسمح المقام هنا بذكر أمثلة أكثر من ذلك.
وفيما يتعلق بالأدوات الرقابية الأخرى مثل الأسئلة وطلبات الإحاطة وغيرها فإن كثيرًا من الأفكار التي تم طرحها في هذه الأدوات أخذت الحكومة به، وقد قام وزير التجارة والصناعة بإحالة 64 شركةً للنيابة العامة تقدمت للحصول على دعم الصادرات بمستندات مزورة بعد تقدم كاتب هذا المقال بسؤالٍ للوزير عن المستفيدين من هذا الدعم.
ومن خلال رد النواب على بيان الحكومة أو مناقشتهم للحساب الختامي أو الموازنة العامة للدولة فإن بعض المسئولين يأخذون بكثيرٍ من الأفكار والاقتراحات والحلول التي يُقدمها النواب وخير مثال على ذلك التصريحات الأخيرة لوزير التضامن الاجتماعي بزيادة معاش الضمان الاجتماعي؛ حيث كان هذا أحد اقتراحات المعارضة خلال مناقشة الموازنة العامة للدولة في العام الماضي، كما قامت الحكومة نتيجة ضغوط المعارضة فيما يتعلق بتصدير الغاز الطبيعي بأسعار مدعومة وخصوصًا للعدو الصهيوني بمراجعة بعض الاتفاقيات الخاصة بالتصدير وتعديل الأسعار مما حقق موارد إضافية للموازنة العامة للدولة خلال العام الماضي زادت عن 5 مليار جنيه، كما أن بعض مشروعات القوانين التي تقدَّم بها نواب المعارضة تم إقرارها بالمجلس مثل كادر المعلمين للإداريين، والذي تقدَّم به النائب إبراهيم زكريا.
أما فيما يتعلق بالجانب الخدمي فأستطيع القول بأن غالبية ما تقدَّم به النواب من اقتراحاتٍ برغبة لإقامة مشروعات أو تقديم خدمات في دوائرهم قد تمت الاستجابة له، وأخذ طريقه للإدراج ضمن الخطط الخمسية أو بدأ تنفيذه بالفعل، كما أن غالبية طلبات الإحاطة والأسئلة الخاصة بمشاكل الدوائر قد تم التفاعل معها وإزالة أسباب الشكوى وعلاج أوجه القصور التي تم تقديم الأداة الرقابية بشأنها.
هذه إحدى صور الإنجاز نتيجة المشاركة في الانتخابات البرلمانية حسبما أسعفتني به الذاكرة أثناء كتابة هذا المقال، ولا شك أن أيًّا من نواب المعارضة لديه الكثير، والكثير من الإنجازات التي تحققت سواء على المستوى البرلماني أو المستوى الخدمي، وأود أن يكون هذا المقال فرصة لإخواني النواب لتسجيل ما لديهم من إنجازات ليتعرف الشعب المصري، ويدرك الدور المهم الذي تقوم به المعارضة في مجلس الشعب، وتكون لديه الحماسة لدعم هذه المعارضة في أية انتخاباتٍ قادمة.
-------------
* عضو مجلس الشعب