في 4 سبتمبر الماضي 2008 ألقى آفي ديختر وزير الأمن الداخلي الصهيوني محاضرةً في معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني عن الإستراتيجية الصهيونية في المنطقة؛ تناول فيها سبع ساحات؛ هي فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران ومصر والسودان، نشرتها الصحف العبرية.
وفي الجزء الخاص بمصر، كانت أهم المحاور ما يلي:
أولاً: الموقف من الأوضاع في مصر
- أن قاعدة إن مصر خرجت ولن تعود إلى المواجهة مع الصهاينة هي القاعدة الحاكمة لمواقفنا تجاه مصر، وهو موقف يحظى بالدعم القوي من الولايات المتحدة.
- انسحاب مصر من اتفاقية السلام خط أحمر.
- من مصلحة الكيان الصهيوني- بالتأكيد- الحفاظ على الوضع الراهن في مصر.
- ومن أجل ذلك يحرص هو والولايات المتحدة على إنجاح جمال مبارك، وذلك في مواجهة أي من السيناريوهات الثلاثة الأخرى، وهي:
1- سيطرة الإخوان على السلطة.
2- حدوث انقلاب عسكري.
3- نجاح حركات جذرية في الوصول إلى السلطة عبر انتخابات حرة.
- وفي مواجهة هذه الاحتمالات قررنا أن نعظِّم من وجود ونشاط أجهزتنا التي تسهر على أمن الدولة وترصد التطورات داخل مصر الظاهرة والباطنة.
- أن عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب، بل تتدخَّل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات.
ثانيًا: إستراتيجية أمريكا في مصر بعد وفاة عبد الناصر
وهي:
- إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية في مصر.
- نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس والقاهرة.
- إقامة شراكة مع الطبقة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخبة الإعلامية.
- إقامة شراكة أمنية مع مباحث أمن الدولة والمخابرات العامة.
- تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والسويس وبورسعيد.
- الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة في القاهرة وجاردن سيتي والجيزة ومصر الجديدة، بإمكانها الانتشار خلال بضع ساعات، والسيطرة على مراكز عصب الحياة في القاهرة.
- مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر، وبجوارها في الغردقة والسويس وبناس.
ثالثًا: حول سيناء
- عندما انسحبنا من سيناء ضمنَّا أن تبقى رهينة، وقد تم ذلك بضمانات أمريكية، أهمها:
1- السماح لنا بالعودة إلى سيناء إن حدث انقلاب في السياسة المصرية تجاه الصهاينة.
2- وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء تملك حرية الحركة والقدرة على المراقبة ومواجهة أسوأ المواقف، وعدم الانسحاب تحت أي ظرف من الظروف.
وإهداءً..
إنني أهدي هذه الوثيقة إلى لجنة الأمن القومي بمجلس الشعب، وإلى السادة النواب المحترمين، وإلى كل مصري مهموم بأمن الوطن وسلامته، وبصفة خاصة أهديها إلى أنصار كامب ديفيد والسلام مع "إسرائيل"، وفيما يلي النص الكامل للجزء الخاص بمصر:
نص المحاضرة:
إن أبرز محددات السياسة الإسرائيلية تجاه مصر في ظل السلام الشامل والعلاقات الأكثر من طبيعية هي:
- تعميق وتوطيد العلاقة مع مصر؛ الرئيس المصري، والنخبة الحاكمة للحزب الوطني، والوزراء والنخب الحاكمة والناظمة لحركة مصر، والنخب الاقتصادية ( رجال الأعمال ), والنخب الإعلامية والثقافية.
- توسيع قاعدة العلاقة مع المنظومة السياسية والاقتصادية والإعلامية من خلال الارتباط بمصالح مشتركة تنعكس بالإيجاب على الجانبين.
- السعي لصوغ علاقة أقوى مع النخب الإعلامية في مصر بالنظر إلى أهمية دور وسائل الإعلام في مصر في تشكيل الرأي العام وبلورة اتجاهاته.
- من الطبيعي أن تكون هذه العلاقة تستند على مرتكزات قوية، تسعى إسرائيل لنسج علاقة مع أقوى شخصيتين في مصر، هما اللتان ستتوليان مقاليد السلطة في مصر بعد رحيل الرئيس الحالي حسني مبارك؛ وهما جمال مبارك نجل الرئيس المصري، وعمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذي أصبح له حضور واسع داخل مصر وخارجها.
وبالتأكيد فإن من مصلحة إسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن, ومواجهة أية تطورات لا يحمد عقباها, أي حدوث تحولات مناقضة لتقديراتنا باستمرار الوضع في مصر على حاله بعد رحيل مبارك، أي التعايش مع انتقال السلطة من الأب إلى الابن.
مع انتهاء الحرب مع مصر رسميًّا بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979، فإن أحد الأسئلة المطروحة على القيادات الإسرائيلية السياسية والأمنية وبقوة هو: "كيف نحول دون حدوث تغيُّر دراماتيكي في مصر؟ تغير وفق ثلاث سيناريوهات":
1- سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة بوسائل غير شرعية؛ أي خارج صناديق الاقتراع.. هذا السيناريو المفترض يستند إلى تقييم بأن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر قد ينعكس سلبيًّا على قدرة النظام الحاكم بالوضع وفقدانه السيطرة الأمنية، التي ما تزال هي الأداة الأكثر فاعليه في ضبط الوضع الأمني الداخلي؛ مثل هذا التدهور قد يفضي إلى فوضى واضطرابات، سيجد الإخوان فيها فرصتهم لتحقيق هدفهم في الوصول إلى السلطة.
2- حدوث انقلاب عسكري.. هذا السيناريو على الرغم من استبعاده في المدى المنظور إذا ما ساءت الأوضاع في مصر إلى حد خطير؛ وهذا قد يدفع قيادات شابة طموحة بركوب الموجه والاستيلاء على السلطة.. أعود إلى التأكيد بأن مثل هذا السيناريو يدخل ضمن السيناريوهات الافتراضية فهناك أسباب وجيهة تجعلنا نستبعد مثل هذا الاحتمال.
3- أن يعجز خليفة مبارك- سواء كان نجله جمال أو رئيس المخابرات العامة- عن إدارة أمور مصر وحل أزماتها الداخلية البنيوية، فتجري موجات من الفوضى والاضطرابات؛ مثل هذا الوضع قد يدفع بالبلاد للبحث عن خيار أفضل، وهو إجراء إنتخابات حرة وبإشراف دولي، تشارك فيه حركات أكثر محورية وجذرية من حركة كفاية؛ لتظهر على سطح خارطة التفاعلات الداخلية.. في كل الأحوال عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب، بل تتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات؛ لأنها ستكون كارثة بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب.
وبالنسبة لإسرائيل
انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة مع إسرائيل، هو خط أحمر لا يمكن لأية حكومة إسرائيلية أن تسمح بتجاوزه وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف، وبكل الوسائل.
من واقع توافر المؤشرات التي تبين أن النظام في مصر يعاني الآن من عجز جزئي في إحكام سيطرته على الوضع بقبضة من حديد، تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام؛ ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس وحتى في القاهرة.
كما تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ممثلياتها المختلفة في مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى) على إسناد حملة جمال مبارك للفوز بتأييد الشارع والرأي العام المصري، ودعم أنشطته المختلفة؛ الاجتماعية والثقافية؛ ليكون أكثر قبولاً من والده في نظر المصريين.
إن أي حديث عن أهمية تبني إستراتيجية استباقية حيال مصر من إسرائيل والولايات المتحدة؛ هو تحصيل حاصل، نحن نطبق مثل هذه الإستراتيجية بالتعاون مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة أدركت- منذ وطأت أقدامها مصر بعد وفاة ناصر وتولي السادات زمام الأمور- أنه لابد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافيه على غرار ما فعلته في تركيا منذ الحرب العاالمية الثانية؛ انطلاقًا من ثقتها بهذه الركائز وقدرتها على لجم أية مفاجآت غير سارة تبدو أنها أقل قلقًا وانزعاجًا منا.. تعتمد هذه الثقة الأمريكية على ما يلي:
- إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لكل عناصر القوة والنفوذ في مصر: الطبقة الحاكمة، وطبقة رجال الأعمال، والنخب الإعلامية والسياسية.
- شراكة أمنية مع أقوى جهازين لحماية الأمن الداخلي، مباحث أمن الدولة، والداخلية، والقوات الخاضعة لها، وجهاز المخابرات العامة.
- تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية؛ مراكز صنع القرار: القاهرة، الإسكندرية، الإسماعيلية، السويس، بور سعيد.
- الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة؛ في القاهرة وجاردن سيتي, الجيزة, القاهرة (مصر الجديدة) بإمكانها الانتشار خلال بضع ساعات، والسيطرة على مراكز عصب الحياة في القاهرة.
- مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر، وبجوارها في الغردقة والسويس وبناس.
نحن لا نزعم أننا حققنا مثل هذا المستوى في توفير الضمانات التي بمقدورها أن تصد أية احتمالات غير مرغوبة بالنسبة لإسرائيل في الولايات المتحدة, نحن حققنا بعض الخطوات على الأرض، لكنها ليست خطوات كبيرة وواسعة، بوسعها أن تكبح أية تطورات مباغته أو عاصفة وقوية.
على هذا الأساس قررنا أن نعظِّم ونُصعِّد من وجود ونشاط أجهزتنا التي تسهر على أمن الدولة، وترصد التطورات داخل مصر، الظاهرة منها والباطنة.
على صعيد آخر، نصحنا حلفاءنا في الولايات المتحدة أن لا يقلِّصوا من حجم دعمهم الاقتصادي لمصر؛ لمساعدة نظام الرئيس مبارك على مواجهة الضغوظ الاجتماعية والاقتصادية المستفحلة، والتي تولد أزمات داخلية وانفجارات.
الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في مصر تُصنَّف على أنها من نوع الأزمات غير القابلة للحل.. كل الإصلاحات الاقتصادية التي طبقت في مصر في عهد مبارك لم تسهم على الإطلاق في حل هذه الأزمات، حتى المساعدات الأمريكية السنوية (2.5) مليار دولار لم تعالج الخلل في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي المصري. هناك خلل بنيوي في الاقتصاد المصري يصعب معالجته بمساعدات، هي مجرد مسكنات تخفف من الآلام بشكل مؤقت ثم تعود الأزمة لتستفحل وتتفاقم.
على هذا الأساس عادت الأوضاع في مصر إلى ما كانت عليه قبل انقلاب 1952 الذي قام به الضباط؛ سيطرة رأس المال ورجال الأعمال على الحياة السياسية والاقتصادية، مثل هذا التحول يكون مصحوبًا باستقطاب حاد بين الشرائح الاجتماعية، بين أقلية لا تتجاوز نسبتها 10% وبين أغلبية من الطبقة الدنيا والسواد الأعظم من المصريين يعيشون تحت خط الفقر.
هذا الوضع يثير مخاوف، حتى لدى النظام القائم ولدى حلفائه؛ وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، هذه المخاوف مبررة، أي تغير غير مرغوب فيه في مصر ستكون له تداعيات، لن تكون حبيسة داخل مصر، بل ستنعكس على عموم المنطقة.. منطق الأشياء يقول هذا، ويؤكد أن هذه التطورات- إن حدثت- ستؤثر في البيئة الإقليمية، وهذه البيئة ستتأثر بالمتغيرات داخل مصر.
النظام في مصر أثبت حتى الآن كفاءة وقدرة على احتواء الأزمات، وكذلك القدرة على التكيف مع الأوضاع المأزومة، هناك من يسأل داخل مراكز إسرائيلية هامة: "هل هناك تهديد حقيقي بتغير النظام في مصر؟ وماذا أعددنا لمواجهة هذا التغير؟ ".. لا يمكنني بصفتي الشخصية أو العامة أن أتحدث عن ذلك بتوسُّع وإفاضة واستطراد، لكني استطيع أن أقول: إن هناك تهديدًا ناجمًا عن تشابك وتعقيد المشاكل والأزمات الداخلية الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية؛ لأن الحزب الديموقراطي الذي يرأسه مبارك يهيمن على الحياة السياسية ولا يسمح بمشاركة أوسع للقوى الأخرى، التي يجري إبعادها وتهميشها من خلال سلسلة من الوسائل؛ بينها إحداث الانقسامات في صفوفها، كما حدث لحزب الوفد وأحزاب أخرى.
فيما يتعلق بأسلوب المواجهة ضد أي تغيرات أو تحولات حادة، نحن ننسِّق مع الولايات المتحدة، ولكن من جانب آخر نحن نستعد لمواجهة أي طارئ؛ بما فيها العودة إلى شبه جزيرة سينا، إذا استشعرنا أن هذه التحولات خطيرة، وأنها ستحدث انقلابًا في السياسة المصرية تجاه إسرائيل.. سيناء عندما انسحبنا منها ضمنَّا أن تبقى رهينة، هذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية؛ من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إلى سيناء، وكذلك وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء تملك حرية الحركة والقدرة على المراقبة، بل مواجهة أسوأ المواقف، وعدم الانسحاب تحت أي ظرف من الظروف، وقد تعلمنا من سابقة 1967 دروسًا لا تُنسى؛ سيناء مجردة من السلاح ومحظور على الجيش المصري الإنتشار فيها، هي الضمانة الوحيدة و هي الضمانة الأقوى لاحتواء أي تهديد افتراضي من جانب مصر.. لن أكشف سرًّا إن أفصحت عن أن الموافقة على إدخال (600) من أفراد الشرطة وحرس الحدود والأمن المركزي المصري إلى سيناء للتمركز على حدود قطاع غزة من قبل الطاقم الأمني جاءت بعد دراسة مستفيضة وبعد مخاض عسير داخل الحكومة.. سيناء بعمق (150) كيلو مترًا مجردة من السلاح، هي الضمان الذي لن نتخلى عنه في كل الظروف.
يبقى أن قاعدة (مصر خرجت ولن تعود إلى المواجهة مع إسرائيل) هي الحاكمة لمواقفنا تجاه مصر, وهو موقف يحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.
انتهت الوثيقة، ولكن السلام بالإكراه مستمر!.
-------------