أصبح في علم الغيب أن لا يستمر المصلحون الذين يبحثون عن الحقيقة، وينشروها دون قيد أو تضييق، بعد الذي حدث مع الإعلامي الأشهر والأوفر أقلامًا الأستاذ حمدي قنديل، والذي وصف بأنه قط بسبعة أرواح لا يكف ولا يهدأ، طالما قلمه معه، غير مبالٍ بالتضييق الذي يحدث له؛ حتى وإن قصف قلمه مرة تلو المرة، لكن يبدو أن نهايته قد أوشكت بعد غلق برنامجه الأشهر (قلم رصاص) على (الليبية) الفضائية، ويبدو أن أقلامه لا تعيش بعد التجوال الذي حدث له بين الفضائيات والقنوات.

 

التحق حمدي قنديل بالعمل في التليفزيون الأردني عام 1968م، لكن تجربته لم تستمر طويلاً، إذ فوجئ ذات يوم بالمتحدث الرسمي باسم القصر الملكي، يطلب منه بأدب جمٍّ، أن يعمل مستشارًا لدائرة المطبوعات، ويقول قنديل عن ذلك: "وصلتني الرسالة، وكان قراري هو العودة فورًا إلى القاهرة، وعلى أول طائرة".

 

يتذكر حمدي قنديل تلك الفترة جيدًا، ويعترف بأنه ارتكب الكثير من الحماقات في زمن حافل بالمتقلبات، خلال فترة السبعينيات، غادر حمدي قنديل مصر، وقضى خارج البلاد فترة، عمل خلالها مستشارًا لبعض الإذاعات العالمية الكبرى، قبل أن يعود ليطل على جمهوره من جديد، في 18 يونيه عام 1996م عبر شاشة (راديو وتليفزيون العرب)، من خلال برنامجه "مع حمدي قنديل على art"، وهو البرنامج الذي كان بمثابة نقطة الانطلاق لتلك النوعية من البرامج، بعد أن حاكته الفضائيات الجديدة، لكن لم تمر سوي فترة قليلة حتى توقف البرنامج، معلنًا عن انسحاب جديد للإعلامي اللامع، قبل أن يعاود الظهور على شاشة التليفزيون المصري عبر برنامجه الأشهر "رئيس التحرير".

 

ومثلما حدث في تجربتيه السابقتين لم يستمر بث البرنامج طويلاً، ليختفي حمدي قنديل من شاشة (دريم) منسحبًا للمرة الثالثة، ومتقبلاً الأمر كله بسخريته اللاذعة: "نعم، قابلت الأمر بسخرية تليق به، وهو ما منحني صفاءً وتسامحًا مع الجميع، فعلاقتي لم تتغير مع أحد، لا بوزير الإعلام وقتها صفوت الشريف، ولا بالدكتور أحمد بهجت أو الشيخ صالح كامل".

 

وحتى وقت قريب كان حمدي قنديل يعتبر تجربته في قناة (دبي)، هي الاستثناء الوحيد في حياته الإعلامية، وهو يقول عن تلك التجربة: "خلال عامين سجلت 81 حلقةً من البرنامج، دون أن أتعرض لأي مشاكل، ولم أرَ الرقيب مثلما كان يحدث في مصر، فلم يقرأ أحد إسكربت الحلقة، ولا حضر التسجيل أو المونتاج".

 

ظل حمدي قنديل يؤكد في أكثر من مناسبة أنه باقٍ في قناة دبي، وأنه سعيد بالعمل فيها، بعد أن وجد حريته التي كان يبحث عنها، قبل أن يتلقى الصدمة، ولعلها ستكون الأعنف في حياته، عندما قررت القناة فجأة ومن دون مقدمات، وقف بث "قلم رصاص".

 

"ليس لدي تفاصيل.. كل الذي أعرفه أن البرنامج لم يبث، وأنني لم أبلغ لماذا". هذا فقط هو كل ما قاله حمدي قنديل، قبل أيام لوكالة "شام برس" تعليقًا على ما حدث، لكن الوكالة أضافت نقلاً عما وصفته بـ"مصادر مطلعة" أن إدارة تليفزيون دبي أوقفت بث وإنتاج البرنامج، وأن هذا القرار اتخذ من غير إعلام أو تصريحات أو شروحات، نتيجة ضغط، من قبل حكومة المملكة العربية السعودية!!.

 

وكالة "شام برس" رغم أنها نقلت ضمن تغطيتها للحدث، على لسان أحد العاملين في تليفزيون دبي، قوله إن الإدارة كانت تتلقى كل أسبوع رسالة من الديوان الملكي السعودي، تتضمن اعتراضات مباشرة وصريحة على مضمون ما يبثه حمدي قنديل في برنامجه، إلا أن ذلك وحده لا يعد دليلاً كافيًا على ضلوع السعودية في وقف البرنامج أو تبرئتها من دمه، فالمملكة لم تكن وحدها في مرمى القصف الأسبوعي لقلم حمدي قنديل، وإنما الجميع، بدءًا من النظام المصري، وليس انتهاءً بالإخوة الأعداء في فلسطين ولبنان.

 

قبل ثلاث سنوات تقريبًا وصف حمدي قنديل جمال مبارك بأنه "شخصية تليفزيونية فاشلة، لا يتمتع بأي كاريزما أو قبول"، وهو وصف كفيل بأن يتطوع كثيرون للثأر من قائله، وتقديم قلمه على طبق من فضة إلى أمين لجنة السياسات، خاصةً بعد ما قدَّم قنديل عنه وعن سياسات لجنته "القاسية والجامدة" تحليلاً شافيًا وافيًا، بدءًا من حالة التجهم الدائمة لوجه الوريث التي "لا توحي بالرزانة بقدر ما تعبر عن العزلة، والابتعاد عن الناس"، وليس انتهاءً بتلك "النغمة السلطوية" في صوته التي "لا توحي بالثقة في النفس، بقدر ما توحي بالغرور، والاستناد إلى السلطة".

 

وقتها كان حمدي قنديل يتحدث في حوارٍ ساخنٍ مع (المصري اليوم) عندما رشح ثلاثة أو أربعة مرشحين لخلافة مبارك، ليس من بينهم الوريث بالطبع، ولعله كان يريد وقتها أن يقول كلمته، ويمضي غير نادم على شيء، فكثيرًا ما "دقت على الرأس طبول"، وكثيرًا أيضًا ما تعرض لتلك "الأشياء المضحكة"، كما يحب أن يطلق عليها، ومنها ما حدث في دولة ما، كان يقدم فيها برنامجًا، وكان يفاجأ بعد كل حلقة بسياسي عربي بارز يتصل به بعد البرنامج ليقول له: "الجماعة زعلانين".

 

ويقول حمدي قنديل في سخرية: كنت أعتقد أنه يقصد بـ"الجماعة" زوجته، حسبما نقول في مصر، وقد سألت نفسي ذات مرة عن سر هذا الزعل المتكرر، واكتشفت أنها جماعة أخرى غير تلك التي في المنزل.

 

"قلم رصاص" هو برنامج سياسي يناقش أهم المشكلات والمستجدات في الساحة العربية والإسلامية، وحسب كلام حمدي قنديل فإنه "لا شيء ينجز في الوطن العربي سوى بالقلم الرصاص، وأخيرًا على (الليبية) التي أمّمها القذافي، حسبما نُشر الخبر أنه السبب في تأميم المحطة؛ حتى لا تفسد العلاقة بين مصر وبين ليبيا، والذي حاول أن يفسدها كما قيل أو التي حاول أن يفسد العلاقة بين دبي والقاهرة من قبل؛ فلقد سبب إزعاجًا للرؤساء ليلاً ونهارًا، متنقلاً بين المحطات، وكأنهم يقولون "أما تكفي قناة الجزيرة في قطر؛ حتى يخرج إلينا هذا القنديل!!" إذاً فالقنديل لا رغبة للحكام فيه ولا يريدون لنوره أن يظهر، ولا حتى قلمًا رصاصًا يخرج من سنه الحقيقة.

 

إذاً فلتبحث عن قلم لا يسمن ولا يغني من جوع، قلم إن صفعت به لا يؤلم، وإن أشرت به لا ينجز، وإن كتبت به لا يكتب، إذًا فلتبحث عن قلم جاف يرضى الحكام به.

 

إن ما أردت طرحه في هذا الموضوع أعطاء حق لهذا الرجل المحترم، وبرنامجه (قلم رصاص) وأن صوت الحق سيظل شامخًا عملاقًا؛ حتى ولو تنقل بين الهواء، ولنقف صفًّا واحدًا، ونصبح قلبًا واحدًا، ودستة أقلام، واقفين أمام الجهل الذي يرغب في إقصائنا، إنهم يبحثون عن ألسنة مقطوعة وأقلام مقصوفة.

 

إن حمدي قنديل ذلك الموسوعة الحية ذا الصوت الرخيم المميز، حرام أن تحرم منه الملايين العاشقون للحقيقة، وأن يحرموا من سن قلمه الذي يوصف بأنه لا يجف ولا ينتهي.

-------------

* المصدر: وكالات الأنباء الأردنية- وكالة أنباء الشرق الأوسط- الـ(بي بي سي)- راديو وتليفزيون العرب.