كان أول مايو من كل عام فرصة ذهبية لعمال العالم لتحقيق مطالبهم، ونيل المزيد من المكتسبات، وهو يوم تحسب له الحكومات ألف حساب، فطوفان العمال يغمر كل المدن والعواصم، ولا يخلو بلد من مظاهر الحشد أو التظاهر أو الإضراب أو الاحتفال، وكأنه يوم مقدس أو عيد ديني.
ومنذ عدة عقود بدأت الحركة العمالية العالمية تضعف قوتها، ويتقلص نفوذها ويخفت صوتها، وانعكس ذلك على حركة العمال داخل كل بلد، وفي مصر تراجعت قوة العمال منذ أن رضي عمال مصر بركوب قطار الخصخصة، والحصول على دراهم معدودة، مقابل الخروج من قوة العمل إلى المعاش المبكر، فامتلأت المقاهي بمَن كانوا عمالاً الذين لهم دور في الحركة العمالية، وراجت في مصر مشروعات المقاهي؛ حتى تستوعب طوابير العمال الذين هجروا مصانعهم، وشركاتهم بفعل الخصخصة وقلة الوعي والإدراك الذي أصاب الحركة العمالية، وتخلى العمال عن دورهم الرائد المميز، وتشبهوا بجحا حين قالوا له "بيت أبوك وقع"، فقال لهم: (أجري آخذ لى منه قالب)، وفرَّط عمال مصر- إلا قليلاً- في حقوقهم المكتسبة، بل في ثروة مصر الصناعية، وتحولت بعض قلاع الصناعة المصرية إلى أبراج سكنية، وانهارت صناعة مثل صناعة الغزل والنسيج، وصناعة الحديد والصلب الوطنية.
فماذا تبقى من عيد العمال؟!
حتى الهتاف التمثيلي السنوي الذي كان إشارة لرئيس الجمهورية؛ ليعلن عن منحة العمال المرتقبة (المنحة يا ريس) انتهى منذ أن تحوَّلت المنحة إلى مبلغ 10 جنيهات شهرية، ولم تعد آمال العمال تتعلق بشيء في عيدهم.
حتى العلاوة التي تُعطى للعمال وتُدرج في الموازنة العامة الجديدة، وكان كل رئيس للجمهورية ينتهز فرصة الاحتفال بعيد العمال، ويعلن عنها ليدخل الفرحة والسرور على عمال مصر؛ لم يتم ذكرها في احتفال هذا العام، وأحيلت إلى مجلس الشعب ليكون هو المسئول عنها، وعن تدبير الموارد (وعادة ما تكون ضرائب جديدة، أو رفع أسعار بعض السلع المهمة، تحت مسمى حركي تحريك الأسعار، وكأنَّ الأسعارَ في مصر ساكنة القبور).
فماذا تبقى من عيد العمال؟!
حالة الركود العام التي تغمر مصر في الوقت الراهن بالغة الخطورة، ولست أقصد الركود الاقتصادى وحده، فهو صورة من صور الركود العام في مصر، حالة من الترقب والحظر العام تخيِّم على الشارع المصري، وكثير منهم يتطلع إلى السماء يلتمس منه الغيث وفتح الطريق لعبور النفق الطويل الذي نعيش فيه.
وفي تقديري أن فرصة ذهبية ضاعت من أيدينا كمصريين في مارس 2007م إبَّان التعديلات الدستورية، ففي الوقت الذي كنا نترقب انطلاقة جسورة للأمام حتى نلحق بالعالم الذي سبقنا، إذ بالتعديلات تعود بنا إلى الوراء، وتحذف بعض المكتسبات التي حازها الشعب المصري عبر سنوات نضاله من أجل الحرية الكاملة، واحترام إرادته، والحفاظ على حقوقه ومقدراته، كانت صدمةً كبيرةً تلك التعديلات، وما أعقبها من توابع وكوارث.
مَن الذي يُلقي بالحجر ليحرك الركود العام في مصر؟
سؤال مطروح منذ فترة طويلة: مَن يُبدد حالة الركود، ويفتح الباب ويُجدد الأملَ في الخروج من المأزق الراهن الذي نحياه جميعًا فكلنا في قاربٍ واحد؟
في كل بلاد الدنيا المحترمة تبدو آفاق المستقبل ساطعةً مشرقةً، والفرصة متاحة للجميع؛ كي يشارك ويتقدم ويتحمل المسئولية، ونبدو نحن في مصرنا الحبيبة استثناءً عن هذه القاعدة، إذا سألت من تقابله- يستوي في ذلك المواطن العادي والسوبر والمميز والسياسي الحكومي والمعارض والوزير والصغير- البلد رايحة فين؟ يجيبك: الله أعلم، فخطوط الاتصال بالمستقبل مقطوعة أو مشغولة، ونحن غير مشتركين في هذه الخدمة .
وأرى أن المسئول عن هذه الحال ووصول البلاد إلى مرحلة الاحتقان والاختناق هو الاحتكار السياسي، ومن ثمراته الحنظلية الاحتكار الاقتصادي والاحتكار الاجتماعي، فاحتكار السلطة وتوريث الحكم من الأب للابن، ثم للحفيد أدَّى إلى شيوع حالة الاحتكار؛ سواء في العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فأنت ترى أن ابن النائب البرلماني يخلف أباه، وابن الموظف الكبير في الجامعة أو الشرطة أو الشركة أو القضاء، وحتى في الكرة والملاعب والأندية كذلك (وكأن من شروط تولي الحكم في البلاد أن يكون الجديد من أبناء العاملين، كما يحدث في تولي الوظائف في بعض الشركات والمصالح الحكومية والجامعات، وغيرها من قطاعات الحياة).
إن كسر حالة الركود والجمود مسئولية الجميع، وبوابة الخروج من المأزق تتمثل في الإصلاح الدستوري الحقيقي الذي يُلبِّي متطلبات الشعب، ويُحقق التقدم والرفعة للوطن العزيز.
إن إطلاق الحريات العامة وتعزيز واحترام حقوق الإنسان المصري، وتكريس الديمقراطية وتوطينها حقيقة وصدقًا (لا مجرد شعارات وخطب في المناسبات والأحفال العامة والمنتديات الدولية، وأن مصر تعيش أبهى عصور الديمقراطية والحرية، وأن هذا العصر لم يُكسر فيه قلم، ولم يُصادر فيه رأيٌّ)، وإن تداول السلطة، والممارسة السياسية، واحترام إرادة الأمة وقرار الشعب، وحضوره الدائم، وقدرته على المحاسبة السياسية؛ كل هذه قواعد حاكمة تمنع نشوء حالة الركود العام، ولها قدرة فائقة على إزالتها، والخروج إلى الحياة الطبيعية التي تحياها الشعوب المتحضرة المتمدينة.
تلك خطوات مهمة ولازمة للخروج من حالة الركود العام، والدخول إلى منطقة الحِراك الفعَّال وصولاً إلى الحالة الطبيعية التي ينبغي أن نكون فيها، لقد سبقتنا شعوبٌ كثيرةٌ، ولسنا أقل منهم.
------------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- مصر.