![]() |
|
جمال ماضي |
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، أما بعد..
1- العمل أساس تقدم الأمة:
لماذا لا يتذكر العالم العمال إلا يومًا واحدًا كل عام؟ هؤلاء الكادحون الشرفاء المنسيون، الذين أولاهم الإسلام كل رعاية وعناية، وأعلى من قيمة العمل في مواقف أوضح من الشمس، لا لبس فيها ولا غموض، فعلى قدر عمل الإنسان يكون جزاؤه، يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)﴾ (النحل).
والعمل أساس نهضة الأمة وتقدمها، بل وتميزها، كما أن مهارة إتقانه هي مقياس حضارتها، والوفاء بأدائه هو غاية الإصلاح الاجتماعي، يقول أكمل العاملين صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" رواه البيهقي.
فالأنبياء الذين هم أفضل خلق الله، قد عملوا جميعًا، فلا يجوز للمسلم ترك العمل باسم التفرغ للعبادة، فأقل العمل خير من أن يسأل الناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب، فيبيع فيأكل ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس".
وحض الإسلام على العمل، وجعل الإنتاج عبادةً، بل جهادًا في سبيل الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..﴾ (التوبة: من الآية 105)، وأكد حمايةَ حقوق العمال، وإعطاء كل عاملٍ على قدر ما يُظهره من مهارةٍ وإتقان، يقول تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (19)﴾ (الأحقاف)، ويقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى(39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى(41)﴾ (النجم).
2- الإسلام رفع شأن العمل والعمال:
وإذا كان الإسلام رفع من شأن العمل، وجعله بمنزلة العبادة، وإذا كان الرزق من عند الله تعالى، فليس معنى هذا أن يتكاسل الإنسان أو أن يتواكل، بل عليه أن يسعى لعمارة الأرض، وأن يعمل بجد لكسب الرزق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(15)﴾ (الملك).
إن الإسلام يحارب التواكل، ولا يريد أن يكون المؤمن ضعيفًا أو محتاجًا، أو متقاعسًا؛ حتى لا يقع فريسة المهانة أو الذلة أو التخلف، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود- عليه السلام- كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري).
فالإسلام لا يعرف البطالة، وقرر أن هناك من الذنوب والآثام ما لا يكفر عنها سوى السعي وراء الرزق، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَن أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له" (رواه الطبراني).
ومنذ اللحظة الأولى حذَّر الإسلام من الغش أو التحايل أو الخداع؛ لأنه يلحق الضرر بالأفراد والمجتمع، ومن عدم الوفاء بالعهود في التكامل بين الأفراد والجماعات، يقول صلى الله عليه وسلم: "اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب" (رواه البخاري).
ومن حقِّ العامل الأجر المناسب لقدراته ومواهبه، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: من الآية 85)، أي: لا تنقصوا أموالهم، كما يحذر الله من سوء العاقبة إذا لم يتناسب الأجر مع العمل.
ويقرر الإسلام سرعة دفع الأجر للعامل بعد الانتهاء من عمله مباشرة؛ لقول رسول الإسلام "أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجف عرقه" رواه ابن ماجه، ويروي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر, ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
هذا الارتقاء والسمو عَمِل على تحقيق نهضة إسلامية عامة في كل المجالات والميادين يوم كانت أوروبا تغط في سبات عميق.
هذا عمر بن الخطاب يقول: "إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: هل له حرفة؟، فإن قالوا: لا، سقط من عيني"، وهذا ما علََّمه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في قوله: "طلب الكسب فريضة على كل مسلم، كما طلب العلم فريضة".
كما سمحت الدولة في عهودها الإسلامية بإقامة الروابط العمالية التي تكفل لهم الحماية، وأطلق عليهم: (أصحاب المهن)، وأطلق عمر عبارته الشهيرة: "ويل لديان الأرض من ديان السماء"، ومن ثم انخرطوا في العمل الشعبي، ومارسوا كامل حرياتهم.
3- العمال والعدالة الاجتماعية:
لقد تخبطت البشرية، وهي تبحث عن نظريات، كلها كانت تدور حول فكرة العدالة الاجتماعية، من توفيق الأجر مقابل العمل، أو الصراع الطبقي، أو التلفيق بين الأمرين، فلا هي أعطت صورة واضحة عن العدالة الاجتماعية، ولا قدمت بسهولة أساليب تحقيقها.
بل أصبحت في الواقع من أكثر النظم الاجتماعية ظلمًا وإجحافًا بحقوق العمال المادية والمعنوية، وإن حوت بنود الاتفاقيات- التي أطلقتها أمريكا منذ أكثر من نصف قرن- كلمات براقة ظلت حبيسة هذه الاتفاقيات، من: نشر السلام والأمن، وتشجيع وتعزيز الديمقراطية، ومنع أسباب المشكلات المحتملة، وتوفير فرص العمل، واستئصال الفقر الشديد، وأخيرًا احترام شخصية وسيادة واستقلال الدول!!.
فما أحوجنا أن نقدِّم للبشرية هذا النظام الاجتماعي، وهذا هو دورنا العملي: الذي يعتمد أولاً على الارتقاء بالفرد، ثم مراعاة التفاوت الفطري من أجل التعاون والتكامل لتحقيق العدالة المنشودة، ومن ثم تترسخ هذه المبادئ: الأخذ بمبدأ التخطيط، والإدارة الفاعلة، والتفاضل في الأجور قائم على بذل الجهد، وإطلاق المبادرات لإبداعات الأفراد والجماعات ومحاربة الاحتكار، والقيام بفريضة الزكاة وكافة صور التكافل.
ومن هنا كان التحذير من الوقوع في هذه الفوضى التي نراها اليوم؛ حيث تُهدر الحقوق العائلية، وترسّخ سياسة التجويع والفناء للدول الصغيرة، وتكرس ارتفاع الغنى وزيادة الفقر والجهل والمرض للدول الضعيفة، فكانت النتائج الحتمية من جرَّاء ذلك، انتشار بؤر الفساد وأوكار الانحلال بصورة عارمة.
فلماذا نترك هذا الكنز وهو بين أيدينا؟ وعلام هذا التخبط ومعنا النور؟
ففي هذا النظام كل الخير والبركة، وفيه التنمية العلمية والصحية والمالية، بل إنه يمسح دمعة المعذبين في الأرض، ويرسم الابتسامة الغائبة على وجه كل مكروب حزين، فهو لا يهمل محرومًا أو محتاجًا أو مقعدًا أو عاطلاً أو مريضًا أو متعلمًا.
4- واجباتنا لإنجاح حقوق العمال:
ولا نجاح لنا في ذلك إلا إذا تحلى الجميع بالعمل ضمن الإطار الإسلامي، في مواجهة المشكلات الاقتصادية، من القيم والمبادئ على هدي الإسلام.. فإن كان العمل في الإسلام واجبًا على الفرد، فمن واجب الدولة أن:
* توفر فرص العمل لكل مَن يرغب فيه.
* مراعاة البعد الاجتماعي.
* وإن كان العمل هو الدعامة الأساسية للإنتاج، فواجب الدولة تنمية الموارد البشرية التي ترفع قيمة العمل وترعاه.
* وإن كان العامل هو الثروة الحقيقية، فواجب الدولة رفع الظلم عنه وتأهيله والاعتناء به صحيًّا، وتحقيق تكافؤ الفرص أمامه، وتوفير الأمان الغذائي له ولأفراد أسرته، ففي الحديث: "إذا بات مؤمن جائعًا فلا مال لأحد" (رواه أبو داود).
لقد آن لنا أن نفهم رسالة العمال في كل عام، وهم يصرخون من الظلم، ويتأوهون من الفساد، ويلفتون الأنظار لقضاياهم؟، ولذا أدعو المفكرين والكتاب والإعلاميين والعلماء أن يهتموا بالعمال ومطالبهم العادلة، من حقهم: في الأجور، وفي الرعاية الصحية، وفي الاستمرار عند المرض أو العجز أو الشيخوخة، وفي المحافظة على كرامتهم، وفي ممارستهم لشعائر دينهم، وفي تقاضيهم، وفي التعبير عن شكواهم في حرية.
ففي ظل غياب الحقوق، وأنظمة لا تربطها بالعمل إلا سياسة القمع والاستبداد، ونظام اجتماعي يجعل أكل العيش ومورد الرزق منحة تتكرم بها السلطة على العمال، وفي ظل انحسار الحريات وانتشار البطالة، يصبح العمل حلمًا نهائيًّا لدى العمال، فيتحدد مصيرهم بلقمة العيش وليس الفكر، وهذا ما تأمله الأنظمة لتضع العمال أمام أقسى اختبار، وكأنها تقول لهم: إما الخبز وإما الحرية!!.
وأدعو الله أن يزيل الغمة عن أمتنا، ويفرج كرب المكروبين، ويحقق أمل الكادحين في حياة كريمة هانئة، والله أكبر ولله الحمد.
