في أقطار كثيرة نجد دعاة الديمقراطية والحرية متحمسين، رافعي الرؤوس فخرًا، ناشطين للدعوة إليها، خصوصًا في أقطار المسلمين والأقليات المسلمة، في بعض الأمصار على وجه أخص، مع ظنهم بأن أبواب الديمقراطية إذا فتحت مصاريعها فستدور العالم بأيديهم القذر بتلك الديمقراطية وحرية اعتناق الدين والحقوق الإنسانية العامة التي دعوا إليها، وأن المسلمين سوف يؤثرون الحرية الدنيوية، ويشردون عن هويتهم الإسلامية، فيُذبَحون جماعية، ويشرِّدون معظمهم، ويسلب منهم الحقوق بهذه الدعوة الحاقدة، وهكذا.
نحن لم نعارض الحرية التي يدعون إليها، ما دام الأمر موافقًا لطبيعة القانون البشري، وباعتبارها رمزًا للكرامة الإنسانية، لكن الواقع أنه ليس هنالك اهتمام بدعواهم الديمقراطية لذاتها، وإنما اهتمام بتنفيذ سياساتهم المستبدة، وتشريد الناس عن هويتهم الإسلامية، وتخليهم عن حقوقهم المقررة، بيد أن المسلمين الواعين لم يزدهم إلا ثباتًا وإيمانًا بإسلاميتهم، فتبين لهم أن دعوتهم أدعى للمسلمين، بل ولغير المسلمين إلى فهم الإسلام؛ حيث أسلم عدد كبير من أبنائهم، فعندما يجدون النتيجة المعاكسة لما يتوقعون، فيتنكرون، ويحاربون الديمقراطية، ويأمرون بنقضها، فترى المسلمين اليوم في أقطار كثيرة تهدر حرماتهم وحقوقهم، وإذا أبدوا مقاومة لرد الاعتداء فيقال لهم "إرهاب!".
الإسلام والحرية
إن دعوة الإسلام إلى الحرية ظلت منذ بعثة الأنبياء والرسل، ولم يكن في تعاليمهم انتهاك الحرية للآخرين، بل إنه قد نبه البشرية بأمرَين:
1- تبصير الله عباده بهوياتهم ﴿إِنْ كلُّ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدً ا(93) لقدْ أحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)﴾ (مريم)، وتبصيرهم بالمآل، ووقوفهم بين يديه يوم القيامة للحساب "فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه" (حديث قدسي).
2- ثم أثبت لهم الحرية العامة كما نصَّ القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلوَ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْض كُلهُمْ جَمِيعًا أفأنْتَ تكرِهُ الناسَ حَتَّى يَكونوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾ (يونس)، وقال: ﴿وَقلِ الحَقّ ُمِن رَبِّكم فمَنْ شَاءَ فليُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فليَكفر﴾ (الكهف: من الآية 29)، وقال: ﴿فذكرْ إنمَا أنتَ مُذكرٌ (21) لَسْتَ عَليْهمْ بمُصَيْطِرٍ(22)﴾ (الغاشية)، بلغتهم الدعوة، وسمعوا النذير، وعرفوا المآل ف﴿لَكُمْ دِينُكُم وَلِىَ دِين (6)﴾ (الكافرون).
هكذا، الحرية (الديمقراطية) التي دعا إليها الإسلام، دعوة إلى الحرية تارةً ودعوة إلى التقيد من هذه الحرية تارةً أخرى، وتحت مظلة هذه الحرية انتشر الإسلام، وانتشر الاستقرار في العالم الإسلامي، وانتشرت القناعة بدين الله تعالى، وفي ساحاتها يلتزم المسلم بأوامر ربه الذي عرف هويته من خلالها، وفي تلك الحالة تحول مكرهم الحاقد إلى معاداة ومحاربة الحرية والديمقراطية المليئة بالأكذوبة التي دعوا إليها، وكأن الخرافات الساحرة تحولت إلى الحقيقة!!.
عبيد المستبدين
بينما الإمبراطور العملاق يتغطرس، ويحاول العالم أن يدور باستبداده السياسي، فترى عباد الصعاليك السفهاء تتنافس بلُقَيْمة وُزِّعت كالكلاب الجائعة، والاستبداد- أيًّا كان مع اختلاف العصور- صنف واحد، فهو لا يريد السلام والحرية إطلاقًا، والفلبين التي كانت دولة مسلمة قبل الاحتلال، لم يأمن شعبها من الاضطهاد، وبطش المستبدين منذ أن تدفق الاستعمار الصليبي؛ حتى في عصرنا الحاضر، فإن الاستبداد الذي زرعه الاحتلال أصبح يجري مجرى الدم، لا سيما في منداناو فإنه لم يذق طعم السلام والاستقرار يومًا منذ ذلك الحين، وأصبحت المنطقة ساحةً للحرب في شرق آسيا.
الاستبداد والتغطرس الفلبيني مع فرض الحكم المطلق على شعبها خصوصًا على شعب مورو المجاهد، هي التي علمت الشعوب بالتطرف والتمرد، وامتنت لهم الفرصة في تشكيل الجماعات المقاومة؛ فإن الفتنة نائمة لعن الله مَن أيقظها، وإن بدء الهجوم إيقاظ لعملاق نائم، فاستبداد الحكومة الفلبينية هو الذي دفع المسلمين كذلك إلى تأسيس الجبهة الإسلامية لمقاومة العدوان ضدهم، بيد أن اضطهاد الحكومة ضد شعبها الفلبينيي أخف مما تقترفها ضد شعب مورو المحتل؛ حيث لم يرو لنا التاريخ عن مجزرة ارتكبتها ضد المسيحيين نفسها، لكن شعب مورو داخل البلاد وخارجه لا سيما طلبة العلم في الدول العربية والإسلامية، لم يستطع التخلص من هذا البطش المتواصل أينما يكونون، فمن المفروض إن لم يقدَّم لهم الدعم المادي والمنحة الدراسية من قبل الحكومة، فعلى الأقل أن تسهل لهم الإجراءات في متطلباتهم الدراسية ويعامَلوا برفق.
ديمقراطية ضد الدستور
إن حل النزاع المسلح في منداناو لا يحتاج إلى عبقرية العقل ولا فصاحة الكلام؛ فإن جذور القضية تتمحور بما يسمى ب "حق تقرير المصير" الذي نص به الدستور الفلبيني عام 1987م، والمعترف به لدى القانون الدولي كحقوق شرعية التي تستحقها الأقليات، وإن "لكل داءٍ دواء"، فالسلام والاستقرار ليس مستحيلاً في منداناو؛ مهما بلغت حدة النزاع المسلح، ولكن بقلة الإرادة السياسية من قبل الحكومة الفلبينية، وفقدان جديتها في عملية السلام ستظل منداناو في حوض الظلام الدامس تتلظى بنيران الاستبداد السياسي؛ فإن الحل السلمي لن يبلغه طرف واحد، بل من خلال العمل الدؤوب المشترك بين الجانبين، وجدير بالذكر بأن المحكمة العليا الفلبينية تواطأت من خلال تجميد توقيع الاتفاقية التي توصل إليها الجانبان خلال 11 عامًا من عملية المفاوضة، استجابة لدعوى مقدمة من قِبل السياسيين المسيحيين؛ فأصدرت قرارًا في اللحظة الأخيرة بعدم دستوريتها، وزعمت أن ذلك التجميد صورة أمثل في الديمقراطية؛ حيث إنها تستمع إلى نداء شعبها، مطالبين بمراجعة الاتفاقيات، وإجراء الاستفتاء العام عن هذا الإطار.
كانت الجبهة الإسلامية وشعب مورو بأسره خلال 11 سنة في المفاوضة مع الحكومة الفلبينية تأمل، وتطالب بإيجاد حلٍّ سلميٍّ للصراع في البلاد، لكن الحكومة الفلبينية تجاهلت تلك المطالب وكأنَّ مفاوضي الحكومة الذين يتفاوضون مع مفاوضي الجبهة الإسلامية غير ممثلين شرعيين من قِبل ديمقراطية الحكومة، ومن العجيب أنها تدّعي الديمقراطية لأجل تنفيذ سياستها المستبدة ضد المسلمين، وهي تؤثر على أرواح شعبها لمطامعها التافهة، وكأن الديمقراطية أصبحت قوة تستخدمها للدفاع عن مصالحها الخسة، وليس عجبًا للدولة تصحيح مسارها وهويتها السياسية؛ لتتيح فرصة العدالة، والديمقراطية الحقيقية، والسلام الدائم، والحرية العامة التي تنبثق من بيئة أكلها الظلام المتوحش منذ العقود، ولعل أخطاء التاريخ لم تعد لها فيعيش المجتمع بالاستقرار والأمان والحرية، ويا ليت للفلبين أن تفعل ذلك لكن هيهات هيهات!!.
شعب مورو المجاهد
وجدير بالذكر أن شعب مورو يكاد يحتشد كل يوم بالملايين فردًا فردًا خلال العقود الماضية، يطالب بحقوقه من خلال "حق تقرير المصير"؛ حتى جلس في المفاوضة لبحث حلٍّ سلميٍّ للمشكلة، بيد أن أبناء الاستبداد سيظلون مستبدين، ويستحال أن يتحول الثعبان إلى هرة، وكل تلك الانتهاكات من قِبل الحكومة تدل بأن في الفلبين ليس هنالك مكان للأقلية المسلمة، فهي لا تبالي بانتهاكات ضد دستورها طمعًا في مصالحها، وهي لا تريد الحرية والسلام؛ ليتمتع بها أهل منداناو، فكان ذلك كله يعد تشجيعًا لأبناء الشعب المجاهد إلى مواصلة الكفاح لنيل حق تقرير المصير.
ومما جرى بغزة الحبيبة في الأمس القريب درس مهم للمقاومين ومطالبي الحقوق، بل ولكل أقليات محاصَرة في كل الأقطار المعمورة، بأن دعاة الديمقراطية الساحرة وعبادها السفهاء لن يتدخلوا في أوضاعهم القاسية، ولن يتخذوا موقفًا نحوها إلا بعد أن يسقط آلاف من القتلى، وإذا وقع أخوهم في دائرة الخطر والهزيمة؛ فسيستعجلون بوقف إطلاق النار ليقع العالم في سحرهم نحو إنقاذ الوضع، ويطفئون الحريق إذا ما اقتربت بهم، وهكذا يفعلون، أعاذ الله منها شعب مورو الصامد وجميع المقاومين والمحاصرين في أنحاء العالم.
﴿إنَّمَا أشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلىَ الله﴾ (يوسف: من الآية 86).
-------------
* البلد: مدينة كوتاواتو، منداناو (جنوب الفلبين)- al_hadziq85@yahoo.com