![]() |
|
سري سمور |
قلت في المقال السابق إن عثرات الحوار الأساسية هي ثلاث: أموال المانحين، والرواتب، وتعهدات السلطة في الضفة الغربية مع وجود المشرف الأمريكي، ونمط التفكير والحسابات الخاطئة، ولأنه لا بد من إقالة أي عثرة، ولا بد من أمل بوجود جابر لعثرات الحوار، فإن النقاش الهادئ الذي لا يخلو من صخب، لأنه يتفاعل مع تفاصيل معروفة، لا بد منه، ونقاش كهذا ربما يسهل المهمة، لا سيما وأن الجميع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- على فرض إيماني شخصيًّا بهذه التسميات- يرى أننا مع نتنياهو مقبلون على ظرف صعب وتحديات تضاف للتحديات القائمة قبله.
السلطة والمال
متلازمتان في دول ما يعرف بالعالم الثالث، وفي المنطقة العربية بشكل أخص من الخاص، المال والسلطة.. يقولون إن من يملك المال فهو بالضرورة يملك السلطة والقرار، ويرى آخرون أن الطرف الآخر للمعادلة هو الأوضح للقارئين، أي أن أصحاب السلطة والنفوذ السياسي والأمني يتحكمون بالموارد المالية، ويضيف آخرون أن سعي بعض الأفراد والجماعات للسلطة والنفوذ هو في الحقيقة سعي وراء ما سيترتب على الإمساك بالسلطة من امتلاك للأموال والثروات والاحتكارات التجارية وقطاعات الخدمات العامة.
وفي حالتنا الفلسطينية، الوضع مركب ومعقد؛ فنحن ليس لدينا دولة مستقلة، ولو شكليًّا، وكل ما هنالك هو حالة من الحكم الذاتي الهش، بل إن هذا الشكل من الحكم الذاتي- بعد عملية "السور الواقي" في الضفة الغربية- قد أصبح خاليًا من كل مضامين كلمة "حكم"، واقتصر دور السلطة على دفع رواتب الموظفين، والقيام ببعض المهمات الإدارية والمدنية، والتي كانت موجودة قبل أوسلو؛ بل إن وجود السلطة- بشكلها الحالي- يعطي الاحتلال نوعًا من الراحة التي يحتاجها لتلعب دور "الماكياج" لصورته القبيحة، ولتريحه من دفع- ولو جزءًا- من فواتير وتكلفة الاحتلال.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة فإن هناك سلطة لها مؤسسات، ولو كانت فارغة المضمون، وللسلطة جواز سفر، ويعترف بها كثير من دول العالم، وهناك إصرار عنيد وعجيب- في آن معًا- على الحفاظ على السلطة الفلسطينية كما هي، دون مجرد تفكير بإعادة وضعها إلى ما كان عليه قبيل انتفاضة الأقصى، والسلطة تمتلك المال، ولو كان قروضًا من البنوك، أو مِنَحًا مشروطةً من دول الغرب والاحتلال، وفي ظل ضيق سبل العيش في مناطق السلطة، بسبب بناء الجدار العازل، والحصار، والحواجز، وهروب رءوس الأموال، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، تزامنًا مع زيادة عدد السكان، خاصَّةً من فئة الشباب، فإن لمال السلطة أهمية لا أستطيع أن أنكرها، ولن أطلب ممن يحرصون على السلطة أن ينسوا أو يزهدوا بأموالها، ولن أكون حالمًا فأُسْمِعَهم عبارات عن الثورات التي خاضتها أمم وشعوب أخرى، فهم- ربما- يحفظون ويعرفون أكثر مني، ودائمًا وكلما نوقشت هذه المسألة أو أي مسألة في الشأن الفلسطيني يأتي الرد المعروف بأننا حالة خاصة، وخصوصية الحال بنظر من يطرحها تعني أننا مطلوب منا أن ننحني للعاصفة، وبعد كل انحناءة نرى، أو بالأحرى يرون، أننا ولخصوصية حالنا يجب أن ننحني أكثر، حتى لم يعد للانحناء سبيل!
التضحيات لماذا؟
هل كنا بحاجة إلى انتفاضتين خلال 13 عامًا، وآلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى الذين أصيب الكثير منهم بإعاقات مستديمة، وإلى هذا الكم الهائل من الأسرى، وتفاصيل المعاناة التي تحتاج كل منها إلى مجلد كامل لتوثيقها، بدءًا من الحواجز ومنع التجول، ولا تنتهي بالرعب والخوف الذي سكنَ كل حي وكل زقاق وكل بيت وكل أسرة؟
نعم، كنا بحاجة ما دام الهدف هو التحرر من الاحتلال أما إذا كان الهدف هو بضعة ملايين، عفوًا.. عفوًا بضعة مئات الملايين من الدولارات المدفوعة من الدول المانحة، فقد كنا في غنى عن كل هذا لأننا كنا نعيش تحت الاحتلال نأكل ونشرب ونتعلم ونتزوج ونتنزه في كل أرجاء فلسطين من رفح حتى الناقورة، وليس فقط في رام الله وأريحا؛ كان هناك عمال داخل الخط الأخضر وكانت أسواقنا تعج بالبضائع والمتسوقين وكان حتى العتال في سوق الخضار قادرًا على فتح بيت وإعالة زوجة وأولاد بساعات عمل معدودة مع عطلة أسبوعية، وكان لنا في الخليج مئات الألوف من الموظفين والتجار والفنيين والعمال، فلماذا أدخلنا أنفسنا في هذا الدوامة؟ ولماذا ثكلت الأمهات أبناءهن؟ ولماذا ضاعت زهرات أعمار الشباب وراء قضبان الزنازين؟ ولم أصبحنا نعيش في كانتونات تصغر عامًا بعد عام؟
إذا كان الذين يدافعون عن موقفهم تجاه مال السلطة يرون أن الظروف الدولية والإقليمية لا تساعدنا، فمن حقي، ومن حق أي كان من هذا الشعب أن يسأل عن الكثير من القضايا والتفاصيل، وسأكتفي بالسؤال عن حيثيات موقف واحد وحسب؛ فبعد احتلال العراق للكويت صيف العام 1990 كان هناك نوع من الإرهاب الفكري وأنا شخصيًّا شاهد عليه، فقد شُتمت الكويت حكومةً وشعبًا، وأصبح انتقاد صدام حسين جريمة تضاهي الخيانة العظمى وكم سمعت عن أئمة أجبروا على النزول عن المنابر أو شُتموا وشُهِّر بهم لمجرد انتقادهم لحزب البعث وصدام وكان حتى محظورًا على الناس، أو لنقل بعض الناس، مجرد طرح احتمال أن صدام قد يهزم أمام الحشود الأطلسية الرهيبة في الخليج؛ لقد كان علينا أن نتبنى رأيًّا واحدًا مفاده أن صدام سوف يحرق نصف إسرائيل على أقل تقدير، وأن جيشه سيدخل إلى القدس مع أبي عمار، رحم الله الجميع، وأن الكويت أصبحت فعلاً محافظة عراقية، وكل من يجرؤ على الهمس بأن هذا غير واقعي فهو خائن مثبط للعزائم وعبد لأموال النفط أو البترودولار فاضطر العديد من الناس لقول كلام مخالف لقناعاتهم ومعتقداتهم السياسية وأخيرًا...... جرى ما جرى وخسرنا نحن أكثر من غيرنا؛ فقد كان لنا 450 ألفًا من أبناء شعبنا يقيمون ويعملون في الكويت، وكانوا يشكلون رافدًا ماليًّا هامًّا لمنظمة التحرير ولأهلهم وذويهم في الوطن وقد طردوا بغير ذنب ارتكبوه، فقط عقابًا لهم بسبب موقف قيادة منظمة التحرير.
لم هذا؟ الجواب قد يكون بأن الكرامة والعزة والتصدي للإمبريالية والصهيونية خير لنا من كل كنوز الأرض، حسنًا رائع جدًّا... وهل هذا التصدي يكون فقط في تأييد احتلال الكويت والتشفي بما جرى لها، ولا يكون في أخذ موقف من الإدارة الأمريكية الأكثر صهيونية في التاريخ (إدارة بوش) بل السير في ركبها ومحاباتها وتصديق وعودها الكاذبة؟!
والغريب في الأمر بل المؤلم أنه وبعد أن اختارت المنظمة السير في "نهج السلام"، والانخراط في ركب المفاوضات بعد "عاصفة الصحراء" انطلاقًا من مدريد وما تلاها من مفاوضات قادت إلى أوسلو، فإن أبناء شعبنا اللاجئين في العراق تعرضوا لمضايقات شتى من السلطات هناك، وأيضًا كان السبب هو موقف القيادة من "عملية السلام"، فلا نحن احتفظنا بأموال الكويت، ولا نحن بقينا من أحبة ومقربي العراق... ولا حول ولا قوة إلا بالله!.
القيادة إذا أخطأت
تدلنا التجارب على أن القيادة يجب أن يكون موقفها تاريخيًّا وحاسمًا بمرونة ومدروسًا وذكيًّا في آن معًا، بعيدًا عن العواطف، وبانعزال تام عن الأوهام، والفصل بين الأماني والحقائق على الأرض، ووضع خطة محكمة مرنة للوصول إلى الأماني أو الأهداف، لا التسليم المطلق بالوقائع على الأرض، أو تجاهل هذه الوقائع.
أنا شخصيًّا لم أقبض دينارًا واحدًا من الكويت، ولم أدخلها في حياتي، ولست بصدد التملق لها، ولكن التلوّن والتخبط في المواقف هو ما يستفزني؛ فلا يجوز أن نتبني موقفًا بدافع الثورية ومحاربة الإمبريالية والصهيونية اليوم، لننقلب عليه غدًا بدعاوى الواقعية والعقلانية، وتغير موازين القوى، وكأن الموازين كانت لصالحنا يومًا، فشعبنا المنكوب ليس حقلاً للتجارب السياسية.
وعليه فإن القيادة التي تقول إنها حريصة على مصالح الشعب أن تدرك أن أي خطأ في الحسابات سيوقعها ويوقع مجاميع شعبها في مشاكل معقدة، وسنرجع إلى الخلف سنوات، وسنعض أصابعنا ندمًا.
لكل فرد ولكل دولة ولكل مجموعة أو حركة نقطة أو نقاط ضعف، وهذا أمر طبيعي في حياة الإنسان منذ الأزل، وأخطر ما في نقاط الضعف أن يعرفها عدوك، فالحنكة والمهارة بألا يكتشف عدوك نقاط ضعفك، كبيرة أو صغيرة، فلكل قوي من بني الإنسان "كعب أُخيل" خاص به، وفي حالتنا أرى بأن العدو قد بات يدرك جيدًا بأن المال، وأعني المال المدفوع للسلطة من المانحين هو نقطة الضعف الأساسية لهذه السلطة؛ وهو كعدو لئيم ماكر يحسن استخدام واستغلال هذه النقطة، وهي تتيح له تعطيل الوحدة الوطنية، وضرب المقاومة ومحاصرتها، والهبوط بسقف الثوابت، أو جعل الثوابت محل مساومة، وإذا استمر الحال على ما نرى فإنه لن يكون مستغربًا أن يقول العدو لنا: المال مقابل التنازل عن أي شيء نتشدق بأنه من الثوابت والخطوط الحمراء، ولم لا؟ فتجربة العدو معنا أثبتت له أن خطوطنا الحمراء قابلة للتراجع حينما يريد، ولو كان هذا يأخذ بعض الوقت.
قوة الضعيف مع ضعف القوي
إذا أحسن الضعيف أن يتحرك بحيث تلتقي نقطة قوته مع نقطة الضعف لدى عدوه فهذا غاية المنى، ولقد كان عرفات قويًّا رغم حصاره، ولكنه لم يستغل نقطة قوة أتيحت له، وكانت كفيلة بقلب كل المعادلات في المنطقة، بل حتى في العالم كله، والسبب أنه ضُلّل من قبل بعض الأطراف العربية والأوروبية وبالتأكيد الفلسطينية حتى لا يستغل تلك النقطة.
فعندما هدده شارون بأن ذهابه إلى حضور مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، سيكون ذهابًا بلا عودة، فقد كان مع عرفات ورقة قوية للغاية وهي الخروج من المقاطعة والذهاب إلى بيروت، وشرح الموقف السياسي والميداني في خطاب علني، ثم تفجير أقوى القنابل: أي أن يعلن أنه الآن رئيس منظمة التحرير وحركة فتح وقائد لثورة الشعب الفلسطيني وأنه لا جدوى الآن من وجود السلطة بسبب ما قام ويقوم به المحتلون، وما كان لأحد أيًّا من كان أن يتجرأ على ادعاء استمرار وجود السلطة، أو ملء الفراغ، تحت أي مسمى، وإذا وجد مثل هذا فإنه موصوم بالخيانة ومدموغ بعارها، ولن يجد من يلتف حوله.. عندها سيسقط في يد شارون وسيوعز لأمريكا والغرب وبعض العرب بإخراجه من ورطته وإنزاله عن الشجرة، فو الله الذي لا إله إلا هو لقد كانوا على استعداد لتقبيل يديه فعلاً لا مجازًا كي يعدل عن قراره ويشترط شروطًا تضمن الحد الأدنى من فسحة الحركة وتقوية الموقف، فإما أن يعود إلى أرض الوطن مع قوة دفع جديدة مضمون بها عدم الابتزاز، أو أن يظل في الخارج فارضًا لواقع جديد لن يتحمله العدو.. ولكن الفرص تمر مرّ السحاب، ومرت الفرصة وربح شارون، في وقت كانت إبر التخدير بقرب رفع الحصار عنه تسرب كل يوم عبر وسائل الإعلام وألسنة الساسة الكاذبين من الشرق والغرب.
التخلص من الابتزاز ممكن
والآن يمكن وهناك مجال للتخلص من الابتزاز السياسي عبر التهديد بالحصار المالي، قد آن الأوان لحركة فتح، برغم كل ما لديها من مشاكل، والتي أعلم يقينًا أن بها تململاً وعدم رضى عما يجري، ولو كان هذا التململ نابعًا من مشاعر ورؤى حزبية وحتى شخصية، يمكن لفتح أو لجزء مؤثر فيها رفع الصوت والإعلان ألا خضوع للابتزاز المالي، وأنه إذا كان ثمن استعادة اللحمة الوطنية هو التضحية بأموال المانحين، فهو ثمن بخس، والأهم هنا هو تفجير القنبلة التي لا يزال صاعقها بيدها؛ فتعلن بوضوح لا يقبل التأويل أنها غير معنية بوجود السلطة، ولن تتردد في الإعلان عن حلها ما دامت هذه السلطة باتت تشكل عبئًا عليها وعلى شعبها، وهي عامل فرقة بين أبناء الشعب الواحد وأن تنظر للسلطة كوسيلة لا غاية، وأن تعيد الاعتبار لنفسها باعتبارها حركة تحرر لا حركة سلطة ومال، أو شركة تجارية كبيرة!
هذا أمر ليس بالمستحيل وهو يشكل ضمانة للخروج من الأزمة، فليس معقولاً أن يستمر الانقسام والاختلاف، مع وجود قناعة بضرورة الوحدة والتلاحم ولكن حينما يهدد العدو ومن يقف خلفه بسلاح المال يتحول الانقسام والتحزب إلى مطلب وطني، ولو استخدمت تعبيرات وتبريرات لستر قبح هذه العورة.
ولا بأس من تسريب هذا التهديد بوضوح عبر قنوات سرية وإعلامية، من باب التسخين وجس النبض ورفع الصوت تدريجيًّا وصولاً للانفجار وللقول بالفم الملآن: كفى ثم كفى ثم كفى! أعرف أن هذا الطرح يثير الاستهزاء عند البعض، والبعض الآخر يتمناه، ولكنه يراه مستحيلاً، ولهذا تعمدت سرد وقائع من الماضي القريب، حتى أبرهن أن اللحظات التاريخية لها مواقفها التي تحتاج إلى قرار حازم.
وتصريحات عضو اللجنة المركزية لفتح عبد الله الإفرنجي الأخيرة حول ضرورة إعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال، والتي تزامنت مع تصريحات زميله في نفس اللجنة أحمد قريع حول مأزق المفاوضات، وما قاله الأسير القائد مروان البرغوثي في ذات السياق تبرهن على أن هناك رؤية أخرى غير نظرية التفاوض السرمدي ولكن الأقوال تحتاج إلى أفعال.
أما إذا استمرت حالة التبعية المالية للآخر فعلى ما يسمى بالمشروع الوطني السلام وليعلم أصحاب نظرية ضمان استمرار تدفق المال ما دمنا نقدم التنازلات ونحترف الانحناء أن يعلموا أنه من المستحيل أن تبقى صنابير الأموال مفتوحة إلى الأبد، فما الذي يجبرهم على الدفع بعد أن نتنازل ويترسخ الانقسام؟ ثم إن العالم يمر بأزمة مالية خانقة تكاد تفتك باقتصاد أغني الدول، فهل سنكون نحن الاستثناء؟ ولا ننسى الاعتبار من الآخرين، فانظروا ماذا يجري للصحوات في العراق اليوم، بعد أن أدت "مهمتها" وقامت بدورها!
وللشعب خياراته
إذن ما يجبر عثرات الحوار ويقيلها هو منطق جديد وطرح مختلف عن الموجود أو القائم وتلويح بأوراق القوة التي لطالما سخر منها البعض.. ولكن إذا واصل أصحاب نهج التعامل مع العدو بمبدأ "حسن النوايا" أو الاعتماد على ضغوط أمريكية لن تأتي، والأخطر استمرار قناعتهم أن مصالحهم الشخصية هي بالضرورة مصلحة وخيار الشعب الفلسطيني فإن الأوضاع ستنفجر لا محالة، والسؤال هو "متى" لا "هل" على اليقين!
إن الشعب يراقب ويرى أصحاب السيارات الفارهة المعفية من الجمارك والمدفوع ثمن وقودها وصيانتها من المال العام في الغالب، وهناك من لا يجد أجرة الوصول لمكان عمله أو دراسته إلا بشق الأنفس، ويراقب الشعب كيف أن فئة تتمتع بأفضل أنواع الرعاية الصحية في المستشفيات الخاصة أو في الخارج، وكثير من المرضى لا يجدون ثمن الدواء، ويرى الجميع كيف أن أولاد هؤلاء يحملون النقود ويشترون بها ما يغيظ كثيرًا من الأولاد الذين لا يستطيع والد الواحد منهم أن يوفر له ولو "شيكلاً" واحدًا يوميًّا، والله أعلم كيف تستطيع معظم ربات البيوت شراء لوازم "طبخة" متواضعة فيما نساء تلك الفئة يدخلن "السوبر ماركت" ومحلات الملابس الأنيقة ليبتعن ما يلزم وما لا يلزم بآلاف الشواكل.. الشعب يراقب كل هذا ويتميز غيظًا، والظن بأن المشكلة محلولة بدفع الرواتب لا يغني من الحق شيئًا!
في القلوب براكين تغلي، ولو أصغى أصحاب الظنون ولو قليلاً لوجدوا أن الانفجار والخطر ليس من خطيب جمعة ولا مما يسمّى "مخططًا انقلابيًّا" بل من جمهور لا يجد إلا الاحتلال والفقر والبطالة ووعودًا زائفةً، وحديثًا عن مليارات لا أثر لها على حياته اليومية.
وبكل الصراحة فحتى أنا الذي، بحمد الله، آكل اللحم والأرز أشعر بالفرق، وأستشعر التميز الطبقي، وأتميز غيظًا من تلك الطبقة، وفي قلبي مما أراه شجونًا، فكيف بمن هم في صفوف البطالة، والمعوزين؟ فو الله إنك لتسمع منهم كلامًا مهولاً مرعبًا، وبعضهم اختار طريق الهجرة من الوطن، ولكن البعض لا يجد المال الكافي للهجرة، فيجلس يشحذ أحقاده ويراقب بعين الغضب الذي سيبلغ مخزونه حدًّا، الله وحده يعلم إلى ماذا سيقود يومًا ما قد لا يكون بعيدًا!
وبصراحة أكثر وإلى حد كشف المستور؛ فإن وضع المقاومة كان يدر دخلاً أكثر على الناس، نعم، فمثلاً نحن في مخيم جنين كانت التنظيمات الثلاث الرئيسية (فتح وحماس والجهاد)، تنفق في ساحته، وما دفعه العراق للشهداء وأصحاب البيوت المهدومة، ومشروع الإعمار الذي نفذته دولة الإمارات، عدا عن طرق أخرى للمساعدات والدعم صبت في المخيم، وقس على ذلك، فهل تكفي رواتب الموظفين، بعد "تجفيف المنابع"، أم أن البعض يظن أن النشاطات الترفيهية، والمهرجانات السخيفة كفيلة بالمهمة؟!
الأمر جدّ وهو غير مزاح، وإنقاذ الحوار وإقالة عثراته ضرورة، وإلا فإن الشعب، وكما عوّد العالم عبر التاريخ، سيجترح المعجزة التي يراها البعض وهمًا أو خرافةً، ولن يرضى بأن يظل رهنًا بأموال مانحين هم في الحقيقة مانعين، والواقع على ذلك شهيد.. والأيام والأسابيع القادمة هي لحسم الخيارات والتوجهات لا محالة!
--------
* قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة، حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة
* بريد إلكتروني: sari_sammour@yahoo.com/ _sammour@hotmail.com
