أثار الغياب العربي المذهل عن مؤتمر مكافحة العنصرية في جنيف أبريل 2009م تعليقات المراقبين.
لقد غاب كل القادة والزعماء العرب، ولم يخاطب أحدهم- كما فعل الرئيس الإيراني- ذلك الحشد الدولي، بل قام مندوبو الدول العربية- وفي مقدمتهم الوفد الفلسطيني للسلطة- بالتنازل عن أهم القضايا التي كان يجب إدارجها في البيان الختامي وهي:
1- إدانة الصهيونية كأبشع صور العنصرية؛ استمرارًا لما حدث في ديربان (1) الذي كان انتصارًا للقضية الفلسطينية.
2- إدانة صريحة للعنصرية الأوربية ضد الإسلام ونبي الإسلام.
3- إدانة السياسات الغربية العنصرية وكذلك الأمريكية ضد العرب والمسلمين، والتي تصاعدت عقب أحداث سبتمبر 2001م.
تنازل العرب الرسميون عن كل تلك القضايا، واكتفوا بالإشارة إلى مقررات ديربان (1) وكلام عام لا يجرح مشاعر الأوروبيين والأمريكيين، مقابل اكتمال عقد المؤتمر بحضور الدول التي هدَّدت بالمقاطعة، وكان صمت الفلسطينيين مذهلاً.
الذي حدث هو أن المقاطعين قاطعوا ولم يحضروا، وازداد عددهم، فلم يقتصر على أمريكا والعدو الصهيوني فقط، وأن البيان خرج باهتًا، أهدر كل تلك القضايا المهمة، وأن الحضور العربي كان هزيلاً، والأهم أن الذي خطف المشهد كله وملأه وشغل الناس والدنيا كان الرئيس الإيراني والمرشَّح لدورة رئاسة ثانية محمود أحمدي نجاد.
ونتساءل عن التمدد الإيراني والنفوذ الإيراني، ولا نحاسب أنفسنا عن الغياب العربي، حتى في قمة حلف الأطلنطي الأخيرة كان الصوت التركي هو المعارض لتولِّي رئيس وزراء الدنمارك لموقع أمين عام الحلف؛ بسبب أزمة الرسوم الكاريكاتورية المهينة والمسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، سجَّل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان هدفًا آخر بعد هدف دافوس.
الغريب أن الهدفين طاشا في الحساب الختامي لمعارك "أردوغان"؛ فلم تزدَد شعبيته الحزبية في الانتخابات المحلية، بل تراجعت! والسبب هو تراجع "أردوغان" نفسه عما حدث في دافوس في اتصال هاتفي مع "بيريز" وأنه تراجع عن موقفه في قمة الأطلنطي ليتولَّى الدنماركي أمانة الحلف، وهكذا الديمقراطية تُحاسب على النتائج وليس الأقوال.
العرب اليوم- شعبيًّا ورسميًّا- في حالة غياب مذهل؛ فلم تحضر هيئات شعبية عربية مسجّلة في الأمم المتحدة كمراقبين ليدافعوا عن الحق العربي والفلسطيني، في حين حضرت عشرات المنظمات الصهيونية للدفاع عن العنصرية الصهيونية حتى في ظل غياب الرسميين الصهيونيين، ورأيناهم على شاشات التليفزيون يهاجمون الرئيس الإيراني ويلقون عليه الطماطم أثناء إلقائه لخطابه المثير والقويّ والحادّ.
هذه الهيئات العربية شاركت بقوة في "التحالف من أجل دارفور"، وشاركت من قبل في ديربان منذ سنوات، فلماذا غابت اليوم؟! هل هو الغياب العربي المذهل؟!
في ظل هذا الغياب الكبير تظهر تساؤلات خطيرة:
- هل فشلت الدولة الوطنية أم ازداد مأزق الدولة الوطنية؟
- هل فشل مشروع الوحدة العربية؟ وإلى أين تسير القومية العربية؟
- هل يملك العرب- فرادى أو مجتمعين أو هيئات- قراراهم المستقل؟
- هل هناك رؤية للخروج من المأزق العربي الراهن الذي يجسّد الفشل على كل المستويات:
السياسية/ غياب الحريات.
الاقتصادية/ فشل التنمية المستقلة والتكامل العربي.
الاجتماعية/ حالة الاستلاب الكبيرة والغربة في بلادنا.
الثقافية/ تراجع حادّ في الإبداع والإنتاج الثقافي.
التكنولوجية والعلمية/ تخلُّف واضح بالقياس لدول أخرى في المنطقة.
وقد فرض هذا الغياب على القوى الكبرى التي تهيمن على العالم وتخطط لمستقبله ضرورة البحث عن بديل للعرب، وفي ظل فشل المشروعين اللذَين هدَّدا العالم العربي حتى الآن-المشروع الصهيوني والمشروع الفارسي- ظهرت من جديد فكرة العودة إلى أحضان الأتراك أو العثمانيين الجدد بعد انتهاء حقبة الاستعمار الغربي.
لماذا البحث عن قائد للمنطقة بدلاً من تفجيرها وتفتيتها وتقسيمها كما كان مقررًا من قبل؟!
كان المخطط الاستعماري هو فَرْض الوجود الصهيوني على الفلسطينيين والعرب، ولقد واجه هذا المخطط في السنوات العشرين الأخيرة تحديًا خطيرًا؛ هو ظهور المقاومة الإسلامية، بعد تدجين حركات المقاومة العلمانية، وشراء رجالها ورموزها؛ حتى باتوا يتحدثون بلغة المحتل الصهيوني، وفرض نخب علمانية على الشعوب العربية.
وامتدت المشكلات إلى المحيط الإقليمي من باكستان إلى إيران إلى القرن الإفريقي، وتم السماح للحزب ذي الخلفية الإسلامية في تركيا بالظهور والسيطرة والتمكين.
إن إجهاض أي مشروع مستقل للنهضة، وقطع الطريق تمامًا على أي مشروع تنموي للمنطقة هو الهدف؛ فالمطلوب أن تبقى هذه المنطقة بثرواتها إلى مدى قرن آخر، وبنفوذها الحضاري الكامن، وبقدراتها الشبابية الحماسية؛ رهن السيطرة، وفي أفق الضياع، حتى يسترد الغرب عافيته من حقبة "ما بعد الحداثة" التي هدَّدت وجوده، وكادت تؤدي به إلى حالة من العدمية والعبث.
فأيّ مفكِّر أو فيلسوف سوف يطَّلع على كتابات وبحوث تدلّ على عمق مأزق الحضارة الغربية؛ حتى إن (النيوزويك) كتبت في عددها الأخير مقالاً مطولاً لـ"جون ميشام" Jon Meacham (صـ10-14) بعنوان "نهاية أمريكا المسيحية"، وقبل سنوات جعلت على غلافها تساؤلاً خطيرًا عن "مستقبل إسرائيل"، وأكبر التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية اليوم، وهي "الهجرة" التي تغيِّر التوازن الديموجرافي "والمخدرات" التي تقتل طاقة الشباب.
وجاءت الأزمة الاقتصادية لتُظهر عمق الأزمة الأخلاقية لرجال المال والأعمال، لتضاف إلى فضائح رجال السياسة والحكم، بل وصلت الأزمة إلى فضيحة انتهاكات حقوق الإنسان، وممارسة التعذيب المنهجي في أمريكا، وحتى المنظمات الدولية التي يسيطر بها الغرب على العالم بدأت تفقد فعاليتها، مثل: "الأمم المتحدة"، و"صندوق النقد الدولي"، و"البنك الدولي"، و"منظمة التجارة العالمية".. و.. و.. إلخ.
الحروب الاستباقية فشلت، والتهديد النووي الصهيوني لم يفلح، والنظم العلمانية العربية المستبدة تكاد تنهار، والغضب الشعبي يتصاعد، والغليان يزداد في كل المجتمعات العربية لأسباب مختلفة، وفشلت حربان في القضاء على المقاومة الإسلامية المسلَّحة في لبنان وفلسطين.. إذًا فنلجأ إلى البديل التركي أو العثمانية الجديدة.. تحالف (أمريكي- تركي)، تعاكسه أوربا حتى الآن، يهدف إلى توظيف تركيا في أماكن كثيرة في العالم.. ضد روسيا، وضد إيران، وضد الفشل العربي.
أمريكا تريد من تركيا القيام بدور مهمّ وخطير، كما أرادت منها ألمانيا من قبل في الحرب العالمية الأولى، وكانت النتيجة هزيمة الخلافة والسلطنة العثمانية وتفتيتها لصالح الحلفاء المنتصرين آنذاك.. بريطانيا وفرنسا.
اليوم تركيا تختلف عن الخلافة العثمانية.. أمس رفض السلطان عبد الحميد الثاني هجرة اليهود إلى فلسطين، وإقامة وطن قومي لهم على حساب المسلمين!.
اليوم تركيا لها علاقات وثيقة، عسكرية واقتصادية، مع الكيان الصهيوني.. أمس كانت السلطنة والخلافة متهمةً بإساءة معاملة الأقليات وإبادة الأرمن.
اليوم هناك جهد واضح لتطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، واستقلت الأقليات من البلقان إلى بلغاريا إلى وسط آسيا، وهي في حاجة إلى حماية تركية.. أمس وقفت الخلافة ضد النفوذ والتدخل الأجنبي، وتحالفت مع ألمانيا ضد الحلفاء.
اليوم تركيا في الجانب الأقوى ظاهريًّا، مع أمريكا ضد خصومها ومنافسيها.. أمس كانت الخلافة ترفض الدستور والمشروطية والديمقراطية والعلمانية.
اليوم تركيا هي النموذج الديمقراطي العلماني للدول الإسلامية، واقتصادها من أقوى الاقتصاديات، وجيشها من أقوى الجيوش، ونفوذها الحضاري يحتاج إلى مسحة إسلامية وتصالح مع العالم العربي.
إذن آلة الزمن عادت إلى الوراء بالعرب ليقبعوا من جديد تحت الحماية التركية؛ بعد أن خلع الأتراك الطربوش ولبسوا القبعة والبرنيطة.. ولا عزاء للعرب!!.