إن الوحدة الوطنية في أي مجتمع هي الشرط الأول الضروري لتقدمه وتطوره، وبغيابها يتهدد وجود المجتمع ذاته، فيتجه أفراده وجماعاته للاقتتال الداخلي بدلاً من التعاون والتلاحم المشترك في مواجهة مخاطر الخارج ومشاكل التنمية والبناء.
والوحدة بين الجماعة الوطنية لا تعني التطابق والتماثل في كل صغيرة وكبيرة، وإنما تعني أنه لا خلاف على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، وما عدا ذلك يتم التعايش معه وتسويته عبر الآليات الديمقراطية، إن وُجدت.
والوحدة الوطنية لا تقتصر- كما هو شائع- على وحدة طوائف الأمة أو وحدة المسلمين والأقباط، فليس الخطر الوحيد الذي يهدد المجتمع هو الصراع الطائفي، وإنما قد يهددها أيضًا استئثار قلة من المجتمع بجلِّ ثرواته، وهو ما يُعرف بالاستغلال الطبقي أو الصراع الطبقي، وقد يهددها استئثار جماعة صغيرة بالحكم والسلطة وتقرير مصير البلاد، واستبعاد الجميع، وهو ما يُعرف بالاستبداد.
ولكن أخطر ما يهدد الوحدة الوطنية هو انقسام المجتمع حول الموقف من عدو خارجي محقق، مثل الموقف من الاستعمار والاحتلال أو من الاغتصاب أو من مخاطر عدوان قادم.. إلخ.
ويشتد الخطر إذا كان الطرف الذي اختار مهادنة العدو أو مسالمته هو السلطة، فبذلك يقع المجتمع في أزمة كبرى، فالقوة الوحيدة التي تملك حق حمل السلاح وتجييش الجيوش والأمر بالقتال لا تفعل ذلك ولا تريد، أما الشعب الأعزل فيجد نفسه بين شقَّي الرحى، فلا هو بقادر على رد المخاطر والمشاركة في الدفاع عن الوطن، ولا هو من ناحية أخرى بقادر على رد السلطات وتقويمها؛ لأن ذلك يضعه تحت طائلة القانون.
هذه هي بالتحديد الحالة التي تعيشها مصرنا الحبيبة الآن، فالقيادة السياسية بعد حرب 1973م اختارت- منفردةً- خيار الصلح مع عدو محقق قائم متربِّص ومستمر، وسحبت معها كل الدولة وأنظمتها في هذا الاتجاه وهذا الخيار، وبقي الشعب وكل قواه الوطنية على يقين بأن الكيان الصهيوني المسمى بـ"إسرائيل" هو العدو الأول، وهو العدو الحالي والسابق والقادم، ولم يقبل قط أو يبارك أو يشارك في هذه المصالحة الظالمة.
إنها حالة مماثلة لما حدث عام 1882م عشية الاحتلال الإنجليزي لمصر، عندما اختار عرابي ورفاقه المقاومة، واختار الخديوي توفيق وحاشيته الهرب إلى الإسكندرية والاحتماء بقوات الاحتلال ومباركتها، ومماثلةً لما يحدث الآن في فلسطين، من اقتتال داخلي لأول مرة في التاريخ الحديث، بين طرف تنازل عن فلسطين وطرف يتمسك بها.
ونفس الصراع موجود وقائم على امتداد الوطن العربي بين الأنظمة الرسمية وجموع الأمة، بدرجة أو بأخرى، وهو أيضًا مماثل لما حدث في مناطق كثيرة في العالم، أشهرها فرنسا في الحرب العالمية الثانية؛ حيث انقسم المجتمع إلى جماعة فرنسية موالية للاحتلال الألماني بقيادة الجنرال بيتان ومقاومة شعبية بقيادة الجنرال ديجول.
إن هذا الانقسام في أي مجتمع وبالتحديد في مصر هو مشكلة المشاكل، وهو العقبة الأساسية أمام أي خطوة إلى الأمام في أي مجال من مجالات الحياة؛ فإن لم تحل هذه المشكلة ويتوافق المصريون شعبًا وحكومةً على من هو عدوهم الرئيسي، وكيف يمكن مواجهته؛ فإن الانقسام سيستمر ويتعمق ويتحول- إن عاجلاً أو آجلاً- إلى صراع يستنفد حياتنا جيلاً وراء جيل، إلى أن يُحسم في النهاية وبالضرورة لصالح الشعب وقواه الوطنية، تمامًا كما حدث في حالة الاحتلال البريطاني لمصر 1882- 1956م.
إن الحالة التي نتحدث عنها ونعيش فيها الآن هي أخطر بكثير من الحالة التي تلت 1967م، فوقتها توحَّد الجميع في مواجهة العدو إلى أن حقَّقنا العبور في 1973م، كان الصراع وقتها مصريًّا صهيونيًّا، أما الآن فهو مصري مصري!.
ولهذا الانقسام الوطني آثار خطيرة:
أولها وأخطرها هو سقوط شرعية السلطة عند الناس.. فلا شك أن أفضل المجتمعات هي تلك التي تتوَّج فيها الشرعية الوطنية والتاريخية بالشرعية القانونية وتتوحَّد معها، وعلى سبيل المثال اكتسب الوفد شرعيته من ثورة 1919م، و جاءت شرعية ثورة يوليو من تأميم القناة والعدوان الثلاثي، واهتزت شرعيتها في عام 1967م، واستعادتها كاملةً في حرب أكتوبر؛ لتهتز مرةً أخرى بعد الصلح مع العدو في كامب ديفيد.
إن التزام الناس الحالي بالشرعية مصدره الخوف من سيف القانون، وليس مصدره المبايعة الشعبية للسلطة، والخوف كما تعلمون لا يدوم، وسقوط الشرعية الوطنية عن السلطة الحاكمة يُغري الكثيرين بالبحث عن شرعيات أخرى بديلة، فتتعدد الشرعيات والولاءات في المجتمع الواحد وينفرط العقد.
وتسعى كل الأطراف القوية والضعيفة، الطيبة والشريرة، إلى استقطاع ما تستطيعه من الوطن المشترك لصالح مشروعاتها وأجنداتها الخاصة، وتتصارع الأجندات.
ومن آثار الصلح مع العدو أيضًا لجوء السلطات إلى حصار القوى الوطنية التي لا تقبل المشاركة في نظام المصالحة، ومنعها من المشاركة في العملية السياسية، بل وتأميم العمل العام كله، وتفصيل نظام سياسي من حكومة ومعارضة على مقاس الصلح مع العدو، ويتهدد الاستقرار لغياب القبول الوطني، فتنشط الأجهزة الأمنية وتتضخم، ويحلُّ الأمن والإكراه محلَّ الحرية والحوار، وتستبدل السلطات القوى الوطنية بالقوى صاحبة المصلحة في الصلح مع العدو بحكم التجارة والبيزنس والدولار، إنهم أصحاب رأس المال، ورأس المال كما تعلمون جميعًا ليس له وطن، هكذا يتفاخر الرأسماليون كل صباح؛ فان كان المكسب والربح في الشغل مع الكيان الصهيوني أو حتى مع الشيطان، فعلى الرحب والسعة.
وتكفُّ السلطات من هذا النوع- وبالتدريج- عن الاهتمام بمشاكل الناس البسيطة؛ لأنها تعلم أنهم في الحساب الختامي في الجبهة الأخرى، مع المشروع الوطني؛ فهم أصحاب الأرض والوطن، فتتدهور حياة المواطنين ويفقدون أبسط الحقوق في السكن والتعليم والعلاج والعمل، وتنحطُّ دخولهم، ويدخلون في دوَّامات جهنمية تخطف منهم حياتهم سعيًا وراء الرزق ولقمة العيش، وينشغلون إلى حين عن الاهتمام بالشأن الوطني.
وسرعان ما تكتشف السلطات بعد أن فقدت شرعيتها في الداخل أن عليها أن تدعم شرعيتها في الخارج، فتتورط أكثر وأكثر كل يوم مع معسكر الأعداء وحلفائهم، ويغري كل ذلك العدو أو الأعداء الخارجيِّين المتربِّصين باختراق هذا المجتمع المتصارع المفتَّت لشراء الأنصار والتابعين واستقطاب العملاء والموالين، عبر المعونات والتمويلات والمصالح.
وفي هذه الأجواء ينشط اللصوص والانتهازيون، وتكون لهم الغلبة، فإن كان الصلح مع العدو مشروعًا فكل شيء مباح حتى الجريمة، فتسود السرقة والنصب والاحتيال، ويتقدم المنافقون الصفوف، فهذا زمنهم، فهم مطلوبون دائمًا من الأنظمة منزوعة الشرعية، فحرفتهم الوحيدة هي تبرير المواقف وتزييف الحقائق والدفاع عن السلطان ظالمًا كان أو مظلومًا.
وينسحب العلماء والشيوخ والناس المحترمون بعيدًا عن الأجواء الفاسدة، يراقبون عن بعد في حزن وحسرة وغضب، فتخسرهم الأمة.
هذا ما تيسَّر الحديث عنه اليوم في هذه الشئون، وإلى لقاء قادم بإذن الله.
-------------