ينشغل الكثير من الصحفيين والصحف وخاصة الفضولية منها، والعدائية لحركة المقاومة الإسلامية حماس حول ترتيب البيت الداخلي الحمساوي، ولطالما انشغلت أقلامهم في التكهن حول المكتب السياسي لحماس، والخوض في تفاصيله من الداخل.

 

ويأتي هؤلاء الكتاب باستنتاجات لا أدري من أين استقوها، وأين دلائلها، وما هي مصادرها، وكان آخرها على ما كتب في صحيفة خليجية مفاد الخبر أن المكتب السياسي لحماس أبعد محمد نزال، وأن المكتب يعتكف على تغيير مصطلح مكتب سياسي إلى لجنة تنفيذية، وأن الحركة تعمل على الموازنة ما بين القاهرة وطهران لإرضاء الطرفين- على حد تعبير هذه الصحيفة- وهذا الأمر جعل الصحف التي تكن العداء لحماس تصطاد في الماء العكر، وأصبحت تستنج على هواها المعادي، بل إن كتَّابهم بدأوا يشرحون أن هناك انشقاقًا بدأ في صفوف الحركة، وهذا أصلاً كنا نسمعه منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

بداية تعليقي على ما أوردته من أقوال تلك الصحيفة أعلاه، أن حماس تقوم على تغيير اسم رأس الهرم السياسي للحركة وهو المكتب السياسي واستبدال "لجنة تنفيذية" به، فما هو الفرق طالما أن مضمون ذلك لم يتغير، بل وصل تحليل الصحيفة إلى أمر عادي الجميع يعرفه لكن هذه الصحيفة اكتشفناها آخر من تعلم، وهو اعتماد حماس على أعضاء اللجنة الجديدة من الخارج والضفة وغزة وسجون الاحتلال، وهو أصلاً ما يعتمده المكتب السياسي وأن أي قرار يتم اعتماده يجري التشاور به ما بين جميع هذه الأطراف، وهو ليس بالأمر السري، وطالما قادة الحركة اعترفوا بهذا المنهج في التعامل مع أخذ القرارات على وسائل الإعلام، فأين الجديد الذي أتته الصحيفة؟ بل وتعدت إلى أبعد من ذلك وبدأت تتكهن مَن تم إبعاده ومن سيتم ترقيته، فهذه كلها تعتمد على من يتم انتخابه، ولا جديد في هذه القضية.

 

إلى هذه النقطة يحق لأي كائن من كان التكهن واستنتاج عن طبيعة النظام السياسي الداخلي المتبوعة لدى حماس؛ لكن أن يذهب المستنتج إلى أبعد من ذلك، ويقول إن حماس تريد من تغيير نظامها الداخلي إرضاء طهران، أو القاهرة، أو دمشق، أو الدوحة، أو أوروبا، إلى هنا ويجب أن نشرح لهؤلاء، ونبين لهم أن حماس لا تكترث لإرضاء طرف على حساب طرف آخر، ولا تكترث لإرضاء جميع الأطراف على حساب مبادئها وعقيدتها، حماس لا تنكر أنها بحاجة إلى جمع الدعم المحلي والإقليمي والدولي، من الأنظمة والشعوب، وتسعى لإرضاء جميع الأطراف بدون المساس بمبادئها، فإن كسبت مصر ونظامها فهذا خير، وإن خسرته فهذا مؤسف، ونفس الأمر يتعلق بالنقيض الآخر، وهي طهران، كذلك دمشق والدوحة والرياض.

 

على هذه الأقلام أن تذكر أيضًا أن أطرافًا عربيةً وأطرافًا فلسطينية داخلية حاولت حشر حماس وجعلها طرفًا في معادلة إقليمية، إلا أنها لم تنجح في ذلك والدليل سأذكره لاحقًا!، حماس لديها إستراتيجية محددة وهي تدعو جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج إلى عدم التدخل في أي شأن داخلي لأي بلد في العالم، فهذا من إستراتيجية حماس السياسية في التعامل مع بلاد العالم، ولكن غيرها تدخل في شئون ليس لنا علاقة بها، ولم يتعلم من أخطائه وما زال يرتكبها حتى اللحظة، فعلى سبيل المثال، المصيدة التي وقعنا بها في حرب الخليج حينما دعمت منظمة التحرير العراق لغزو الكويت كلفت الفلسطينيين ثمنًا باهظًا كنا نستطيع أن نستغني عنه، كذلك الأمر يتعلق في الأردن ولبنان، والآن جاء الدور في الصراع الدولي بين إيران وأمريكا، ولكن بالرغم أن حركة حماس تعد حليفًا وصديقًا مدعومًا من إيران؛ إلا أنها تتمتع بعلاقة جيدة مع مصر والتي هي راعية للحوار الداخلي، وهي بالتأكيد لن تألو جهدًا لتطوير علاقتها مع مصر وغير مصر لكن دون المساس بالثوابت.

 

أما عن الدليل أن حماس استطاعت أن تخرج وبذكاء من معادلة إقليمية حاولت بعض الأطراف الداخلية جر حماس إليها، وهو التوتر الأخير الذي حدث بين طهران والمنامة على خلفية تصريحات لأحد أركان النظام في طهران، وقال فيها إن البحرين هي محافظة من محافظات إيران، كان في ذلك الوقت رئيس المجلس التشريعي أحمد بحر في طهران، وبعد هذا التصريح خرجت الأصوات المنددة بطهران، وبدأت تسوق حملة ضدها وضد أصدقائها، لكن بحكمة حماس وقيادتها، لم تتأثر حماس بهذا الصراع ولا بالأصوات التي تلمز إليها، وطارت طائرة رئيس المجلس التشريعي من طهران إلى المنامة، واجتمع مع ملكها أيضًا في نفس الوقت اجتمع مع السيد خالد مشعل، والذي قدم من العاصمة السورية (حليف إيران الأول)، وذلك بكل بساطة، هو أن حماس لا شأن لها بما يطلق من تصريحات بين الدول، لدينا أيضًا همومنا ومشاكلنا ولا داعي للدخول في مشاكل الغير.

 

في النهاية علينا أن نقول إن حماس هدفها الأول بعد إرضاء رب العباد، هو إرضاء المسلمين والأحرار والمستضعفين في الأرض؛ لأنها حركة تحرر وطني تسعى لهدف تطهير الاحتلال، والعيش بكرامة وحرية كما فعلت الشعوب الحرة، والتي تخلصت من الاستعمار سواء في الجزائر أو أفغانستان أو فيتنام، فهي بذلك كسبت مودة وحب شعوب العالم الحر في كل مكان.

 

واستكشف واستطلع يا صاحب القلم المتصيد، اذهب واستطلع الأمر لدى الشعوب المستضعفة والشعوب الحرة ورأيها عن حماس، مرة أخرى، حماس تسعى إلى دعم مشروعها بدون المساس بالمبادئ والثوابت، وبدون المساس بكرامة فلسطين وشعبها، وبدون المساس بكرامة الإسلام والمسلمين والأحرار، حماس معادلة صعبة لدى أعدائها وسهلة وسلسة جدًّا لدى محبيها، فلن تستطيع أيها القلم الأصفر من حل المعادلة طالما بقيت عقليتك على المراقبة والتصيد في الماء العكر لحماس التي امتزجت دماء قادتها مع دماء الأطفال والنساء في حرب غزة الأخيرة، وخلال الانتفاضة؛ بل ومنذ تأسيسها، ولن تفلح أبدًا في رأيك طالما كنت حاقدًا، واعرف أنه من راقب الناس مات هما، ولطالما نفخت على حماس لتطفئ نورها فستتعب قواك ولن تضرَّ بك حماس!.