ما أكثر الكلام الذي يدور حول مجلس الشعب حاليا: هل يحل، أم يُبْقَى عليه حتي ينهي مدته مواصلاً مسيرته؟ وما أكثر الرؤى التي يقترح أصحابها "قانونًا" نموذجيًا للانتخابات القادمة، ولكني لا أنكر أن هذا المجلس يُذكِّرني بقصيدة للشهيد هاشم الرفاعي متحدثًا للحاكم عن نوابنا "الأشاوس جدًا" ومنها هذان البيتان:
ها همٍ كما تهوَي فحركهم دُمًى = لا يفتحون بغير ما ترضَى فما
إنَّــا لَنَعلمُ أنَّهم قد جــُمًّعوا = ليصفقوا إن شئت أن تتكلمـا
أبنت في مقالٍ سبق أن التزوير أصبح في حياتنا السياسية من أول قيام الميمونة سنة 1952م وامتدادًا إلى الحكم المباركي، أصبح هو الأصل، أما الأمانة والديمقراطية والنزاهة فكلها استثناءات، وحتى على هذا الاعتبار نكاد نحكم بأنها لا وجودَ لها، وأقدم في كلمات خاطفة بعض مظاهر هذا التزوير:
فمنها تزوير الاستفتاءات الرياسية وما يُسمَّى بانتخاب رئيس الجمهورية.
ومنها: تزوير انتخاب مجلسي الشعب والشورى.
ومنها: تزوير انتخاب المحليات.
وابتكرت أجهزة الأمن المصرية أسلوبًا جديدًا هو الأول من نوعه على مستوى العالم لتفويت الفرصة على مرشحين ليسوا على هواها للحيلولة دون تقديمهم أوراقهم في انتخابات الشورى.
والوقعة الثابتة أن ضباط أمن الدولة ومديرية الأمن بمحافظة البحيرة وضعوا "أقراصًا منوِّمة" في كوب شاي قدموه كواجب ضيافة للمحامي عصام حمبوطة الذي ذهب يوم الخميس 7/5/2007 لتقديم أوراق ترشيح الأستاذ طارق حشاد كمرشح لجماعة الإخوان المسلمين عن دائرة دمنهور، ذهب على أثره في غيبوبة وفقد وعيه لعدة ساعات حتى انتهى وقت الترشيح في هذا اليوم، ثم اقتادوه خارج المديرية بعد ذلك وهو يترنح من أثر المنوِّم الذي دسته أجهزة الأمن له!!.
الأستاذ عصام حمبوطة توجه لطبيبٍ أجرى له العديدَ من التحاليل الطبية التي أكدت تلقيه عقارًا يؤثر على توازنه الجسمي والنفسي لمدة 48 ساعة، ومنحه تقريرًا طبيًّا وتحليلات للدم تثبت ذلك.
النائب د. أحمد أبو بركة عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن دائرة كوم حمادة علَّق على الوقعة التي حدثت بأنها أحد أنماط إرهاب الدولة والبلطجة السياسية التي مورست بشكلٍ مبتكر، مارس فيه السادة الضباط دورَ خفافيش الأوكار والبؤر الإجرامية بأن قاموا بإعطاء وكيل المرشح بلا أخلاق ولا مراعاة لإنسانيته عقارًا مؤثرًا على التركيز العصبي والنفسي بما أفقده وعيه لمدة يومين كاملين، وقد أثبتت التحاليل الطبية ذلك.
وقال أبو بركة: إن الأستاذ عصام لم يتخيل أبدًا أن تصل الخيانة السياسية لهذا الحد، وأن تلجأ الأجهزة الأمنية لهذه الأساليب القذرة، واصفًا ما حدث بأنه جريمة ارتُكبت في حق كل مصري، وطالب أبو بركة النائبَ العام بالتحقيق في الوقعة.
*****
وفي آخر انتخابٍ لمجلس الشعب استعمل رجال الأمن وقادة الحكم من الوسائل ما لا يتفق مع الحد الأدني من الإنسانية والرجولة فقُتِلَ عددٌ لا يُستهان به برصاص الأمن، وأغلقت اللجان في وجه الإخوان مرشحين ومنتخبين، حتى لجأ بعضهم إلى السلالم المنقولة لدخول اللجان عن طريق أسوارها، واعتقل أعداد ضخمة من الأبرياء، وخصوصًا مندوبي المرشحين، ومع ذلك استطاع الإخوان أن ينتزعوا 88 مقعدًا في مجلس الشعب وحقهم لا يقل عن 120 مقعدًا.
*****
وفي ليلٍ ساج، امتد بسكونه على الورى، وطابت به للوادعين المراقد، وجدتني وأنا- كالعادة الساهر الوحيد في الأسرة- أداعب نفسي، وأقول: إن النقد مسألة سهلة، وإذا اشتدَّ تحوَّل من نقدٍ إلى نقض، وأصعب من النقد أو النقض البناء، فلأكن هذه المرة من "البناة"؛ لأن بناءنا السياسي أصبح أعجز من أن يتحمل نقضًا، وهَمَستْ إليَّ نفسي: أنت لستَ أقل ممن يكتبون، ويخططون، ويقترحون، فكن مُستقبليَّ النظرة، وتقدم بـ"مشروع قانون لانتخابات الشعب القادمة"، ورأيتُ قلمي يصدع بما همست به إليَّ نفسي، وأخذ يجري على أوراقي يلثمها، ويطبع قبلاته على سطورها.
وصدقوني ما هي إلا ساعة وبعض ساعة، ورأيت قلمي يتنفس الصعداء بعد أن انتهى من آخر كلمةٍ في هذا المشروع الذي أتقدم به- دون مراجعة- لحكومتنا الرشيدة، لا أريد به جزاءً ولا شكورًا، معترفًا بحقها في رفضه، ولا أمانع من حذف اسمي ونسبة المشروع إليها، أو إلى لجنةٍ من لجانها، كذلك لا أمانع في أن تجري عليه استفتاء شعبيًّا، وهاكم نص المشروع، بأداء لغوي مبسط، قد يبتعد قليلاً عن الصياغة القانونية.
*****
الديباجة
لا شك أن الدستور والقوانين المهمة التي تنظم سلطات الدولة، وتحدد العلائق التي تربط بين أفراد الشعب، وكذلك بين الشعب وسلطات الدولة، يجب أن تستلهم روح الشعب وأعرافه وعاداته وتقاليده وكل فئاته، دون ميل أو جنوح إلى باطل أو فساد، أو ضرر أو ضرار.
وقد ثبت أن نظام الانتخاب الفردي، ونظام الانتخاب بالقوائم النسبية- وهما قائمان على الحياة الحزبية- لم يحققا ما تحرص عليه حكوماتنا الثورية الرشيدة على مدى قرابة النصف الأخير من القرن الماضي؛ لذلك كان لا بد من قانون جديد يتفادى عيوب القوانين السابقة، ويستلهم طوابع شعبنا الأصيل وأبعاده الاجتماعية، وخصائصه النفسية، وهي تتركز في ثلاث هي:
1- الاعتزاز أو العصبية الأُسْرية.
2- حب الشهامة والفهلوة، والجدعنة، والفتونة.
3- الغرام بالكرة وحبها إلى درجة الهوس.
ومن الناحية الواقعية نرى الاعتزاز الأسري، أو التعصب العائلي مقدمًا- في الغالب- على الاعتزاز الوطني، يشهد بذلك مذابح الثأر التي تمتد لعشرات من السنين بسبب مقتل فردٍ واحدٍ من أسرة.
ومن مظاهر هذا الاعتزاز كذلك أن الابن إذا تزوَّج، وأراد أن يستقل بسكن- غير بيت العائلة الكبيرة- اعتبر الأب ذلك غدرًا وخيانة، وعقوقًا.
أما أننا شعب كروي- تجري الكرة في دمه- فحقيقة لا ينكرها أحد، فكم من مشجعٍ مات بالسكتة القلبية بسبب هزيمة النادي الذي يشجعه، وكم من زوجةٍ طُلقت طلاقًا بائنًا لأنها أظهرت الشماتة في النادي الذي يُشجعه زوجها بعد هزيمته.
وحبنا للجدعنة والفتونة حب له جذور في التاريخ، وأصبحت كلمة "جدع" وصفًا لكل قويّ متميز متفوق في عمله ومجاله، فيقال: واد جدع، ومدير جدع، ووزير جدع، وتقابلها كلمة "خِرع" التي شهَّرها عبد الناصر في كلمته المشهور "أنا مش خرع زي إيدن".
نص المشروع
مادة (1) يتكون مجلس الشعب من ستة آلاف نائب ممن تتوافر فيهم الشروط القانونية الواردة في هذا المشروع.
م (2) يكون الترشيح على أساس أسْري- لا حزبي ولا مستقل- مع التسوية التامة بين المواطنين، بصرف النظر عن الدين والطائفة والمهنة والطبقة.
م (3) لا يكون للأسرة أكثر من نائب، وإن كان من حقها أن تتقدم بأكثر من مرشح.
م (4) يقصد بالأسرة كل كيان اجتماعي لا يقل عدد أفراده- إلى الدرجة الثالثة- عن مائة.
م (5) إذا كانت الأسرة أقل من العدد المذكور فمن حقها أن تنضم إلى أسرةٍ أخرى لها نفس الحالة حتى تستوٍفي العدد المطلوب.
م (6) يقوم "مجلس الأسرة" باختيار مرشحه- أو مرشحيه- بحيث لا تقل سن المرشح عن 25 سنة، ويتقن القراءة والكتابة، ولم يصدر ضده أي حكم نهائي في أية جريمة مخلة بالشرف.
م (7) يكون الانتخاب على مرحلة واحدة، وبإشراف قضائي جاد، ويُختار الآلاف الستة من أعلى المرشحين أصواتًا.
م (8) يتولى رياسة المجلس أعلى المرشحين أصواتًا على مستوى الجمهورية، بشرط أن يكون حاصلاً على مؤهلٍ عال، وإلا عُيِّن مَن يليه في عدد الأصوات وتوافر فيه الشرط السابق.
م (9) يكون للمجلس عشرون وكيلاً من الحاصلين على الأصوات التالية، مرتبة ترتيبًا تنازليًّا.
م (10) يعين رئيس الوزراء عضوًا من كل نادٍ رياضي، وعضوين للنادي الحاصل على الكأس، وعضوين للنادي الحاصل على بطولة الدوري، وفي حالة جمع النادي بين البطولتين يُعيِّن من أعضائه ثلاثة، وحق التقدم بمَن يُعين متروك لمجلس إدارة النادي.
م (11) يوحد زي أعضاء المجلس، ويتكون الزي من بنطلون قصير (شورت) أو طويل لونه أسود، وفانلة تضم كل ألوان فانلات الأندية، أما اللونان الأبيض والأحمر، وهما لون فانلة كل من الزمالك والأهلي- فيحتل كل منهما من مساحة الفانلة 15% نظرًا لشعبية الناديين.
م (12) نظرًا لضخامة عدد المجلس تعقد اجتماعاته في استاد القاهرة، وتكون الجلسات علنية مذاعة تلفازيًّا على الهواء، مع حضور مَن توجَّه إليه الحكومة الدعوة من الجمهور.
م (13) يكون لكل نائب "رقم كودي"، ويمنح جهازًا اسمه "جهاز الرأي الإلكتروني"- وهو في حجم الهاتف المحمول ـ للتعبير عن رأيه علي «لوحة الرأي» الالكترونية الضخمة في الاستاد.
م (14) اللغة المستعملة في عرض المسائل والموضوعات هي اللغة العربية بالكلمات الضوئية على اللوحة، مرسلة من الجهاز الذي يحمله النائب، وهو اختراع مصري لم يُسبق من قبل، ولا يملك العضو إلا التعبير بـ"نعم" و"لا" على المسائل التي يعرضها رئيس المجلس بإيجاز على اللوحة.
م (15) في حالة تساوي الأصوات تستخدم طريقة "كراسي الرأي الترجيحية" باختيار أسبق عشرة في إبداء الرأي بالموافقة، ومثلهم أسبق عشرة في إبداء الرأي بالرفض لإجراء مباراة بين الفريقين- في وسط الاستاد- بالكراسي الموجهة لمدة ربع ساعة على النحو التالي:
أ- لا يزيد طول "كرسي الرأي" على متر، ووزنه قرابة 3 كجم، ويكون مصنوعًا من "البامبو" الخفيف، ويُكسى بالجلد- لصقًا أو ربطًا- دون استخدام المسامير.
ب- تتم المباراة في مساحة ألف متر من وسط الاستاد (20 ×50) مقسومة بخط طولي، بوجود حكم ومساعدين.
جـ- المباراة مدتها ربع ساعة، ويُباح الضرب بالكراسي على الجسم كله ما عدا الوجه والرأس، والفائز- الذي يرجح رأيه- هو من يُسقِط من الفريق الآخر العدد الأكبر.
د- إذا تساوي عدد الساقطين على الأرض، تمد المباراة لمدة خمس دقائق بعد استراحة لثلاث دقائق، وفي هذا الشوط الإضافي يؤخذ بقاعدة "الكرسي الذهبي"، وهو الذي يُسقط عضوًا من الفريق الآخر، وبه تنتهي المباراة فإذا لم يتحقق ذلك حسمت المسألة بالقرعة.
تذييلات..
1- يكون حفل الافتتاح بحضور مجلس الوزراء، أما رئيس الوزراء فيحضر في طائرة "هليكوبتر" ينزل منها في دائرة "السنتر" مرتديًا فانلة المجلس ذات الألوان المتعددة، وفي ذلك مشاركة وجدانية لها قيمتها وأثرها الطيب.
2- لهذا المشروع المتواضع الذي أقدمه على استحياء مزايا متعددة من أهمها:
أ- تعليم النواب فضيلة الصمت؛ فالكلام إذا كان من فضة فإن السكوت من ذهب، وفي هذا الصمت توفير للوقت، كما أنه يدل ضمنيًّا على اعتزازهم بأثرٍ من أهم آثارنا الفرعونية وهو أبو الهول.
ب- أنه يحقق- بهذا العدد الضخم- الوسطية بين نظام الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية غير المباشرة.
ج- أنه "ينقذ" الدولة من "مشاغبات" التكتلات الحزبية المعارضة، وخصوصًا ممثلي "الجماعة المحظورة" والتيار الإسلامي.
د- أنه يضع مصر في مقام الريادة باختراع "جهاز الرأي الإلكتروني" الممنوح لكل نائب.
هـ- أنه يعد- إذا أخذ به- تحقيقًا عمليًّا لدعوة الحزب الوطني- حزب الأغلبية- (!!) إلى "فكر جاد ي ي يد جديد".. فمن الجديد: الاعتماد على التمثيل الأسري لا الحزبي، وتوحيد زي النواب، وفكرة "كراسي الرأي الموجهة"، وفكرة الجهاز الإلكتروني، واللوحة الإلكترونية، وتحقيق إشباع عاطفة شعبنا كرويًّا، وبث روح الجدعنة والفتونة والفهلوة بين الناس.
تنبيه: أكرر أنني لا أمانع أن ينسب أحد كبار لجنة السياسات الموقرة، أو أحد عمالقة الحزب الوطني- حزب الأغلبية (!!!!)-، لا أمانع أن ينسب مشروع هذا القانون لنفسه؛ فالمهم عندي مصلحة الوطني قبل كل شيء، والله ولي التوفيق.
-------------
* komeha@menanet.net