كل شيء توقعناه في عهد الكبت الفكري والسياسي وعهد اغتصاب الحرية وقص اللسان، ولم نفاجأ باعتقال الكاتب والمفكر السياسي والأكاديمي (عبد الستار قاسم)؛ لأن الأحرار هم مَن يدفعون ثمن الكلمة الحرة وضريبة الموقف الصلب.
عبد الستار قاسم لم يرتكب جريمة تخالف القانون عندما انتقد الفلتان الأمني، وأشار بأصابع الاتهام للجهات الأمنية في السلطة الوطنية، فهي تتحمل المسئولية عن أي خلل أمني يحصل؛ شأنها شأن الأجهزة الأمنية في كل دول العالم؛ لكن بما أننا لا نتقن ولا نفهم أن ينوه كاتب مفكر للوضع الفوضوي الذي وصلت إليه أجهزة السلطة وميليشياتها؛ وبما أننا لا نحترم الديمقراطية؛ فإن كلام عبد الستار وانتقاده أصبح جريمة يجرجر عليها القانون دون احترام للرجل، ولا لمكانته، ولا حتى لجيله، ولا لطلابه الذين رصدوا لحظة اعتقاله من الحرم الجامعي وبصورة تُخجل منفذيها.
مخجل جدًّا أن يتم اعتقال مفكر فلسطيني بهذه الطريقة القبيحة والتي يندى لها الجبين؛ فكاتبنا ليس رجلاً عاديًّا في زمن غير عادي؛ إنه صاحب الكلمة الحرة الجريئة، والذي لا يساوم على مواقفه؛ إذ سبق له أن اعتقل أكثر من مرة، وسبق له أن تعرض لمحاولة اغتيال، ورغم ذلك بقي شامخًا كالنسر، محلقًا في فضاء الكلمة الحرة، ناسجًا من أبجدياته أحلام شعب من حقه أن يحلم.
في بلد عادي، وفي ظل نظام عادي يكرمون أمثال الكاتب عبد الستار قاسم لجرأته في تناول قضايا شعبه وقضايا الحرية والاستقلال؛ لكننا نعيش في بلد ليس عاديًّا، وتحت مظلة نظام غير عادي؛ نظام يضطهد المفكر، ويسجن الكاتب، ويعتقل المناضل؛ فالميليشيات صادرت الكلمة وأخرست الصوت، وما زلنا ننادي بالاستقلال والتحرر الوطني.
لنتحرر أولاً من ذاتنا المريضة، ومن كوابيسنا المرعبة، ومن عنجهيتنا القاتلة، ولنقر بأننا لسنا إلا نسخة عن الأنظمة العربية القمعية البائدة، وبأننا لا نستحق وجود عبد الستار قاسم وأمثاله بيننا.. ويل لأمة تضطهد مثقفيها، وويل لنظام يقمع مفكريه.
رقصنا وزغردنا عندما عاد أمراء الفصائل إلى أرض الوطن، وقلنا قد تزول المحن، وسننعم بمساحة واسعة من الحرية؛ لنمارس لعبة الأفكار والتسييس، لنمارس حريتنا بطلاقة بلا احتلال؛ لكننا اكتشفنا بأننا استبدلنا بالاحتلال احتلالاً آخر ربما أقسى وأمر، استبدلنا بالبارود السياط واستبدلنا بالقنابل السيوف، سيوف أهلنا وأبناء جلدتنا، إنه ظلم ذوي القربى الذي يبقى أشد إيلامًا وأعمق جرحًا.
نخجل من أنفسنا سيدنا المفكر عبد الستار قاسم؛ لأننا لا نستطيع فك أسرك، ونخجل بقيادتنا التي تهين المفكر بدل من أن تقدره وتحترمه، نخجل بهم جميعًا، وندري أنك ستكون نقطة تحول ومنعطف في تاريخ الديمقراطية الفلسطينية؛ فاعتقالك كشف زيفهم تمامًا، وعراهم أمام التاريخ والشعب.
نقولها بفم ملآن: لا نريد دولة كهذه .. دولة اضطهاد وقمع فكري؛ بل نريدها كما رسمها الشهداء في مخيلاتهم، وكما رسمها الأطفال في دفاترهم.. دولة تحترم شعبها وتقدر أبناءها.
-----------
* كاتب وسياسي فلسطيني