معتصم أحمد دلول

توقفتُ عن كتابة المقالات منذ بداية الحرب على قطاع غزة، وكان ذلك في البداية بسبب تدمير بيتي بعد أن قصفته الطائرات الصهيونية بصاروخي (16f)، وجعلته كومةً من الركام، وكنتُ كلما هممتُ بأن أمسك قلمي لأشرع في كتابة مقال جديد معلقًا على أحداث تدور هنا وهناك وجدت نفسي مشغولاً جدًّا في محاولةِ تجميع بعض الأشياء التي فقدتها أو مشغولاً في محاولةٍ لتوفير البدائل عنها.

 

ولكنني اليوم وعندما سمعتُ خبر استهداف النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني الشيخ العالم حامد البيتاوي، رئيس رابطة علماء فلسطين، صُعِقتُ ولم أكد أصدق أن الأخبارَ التي توردها وسائل الإعلام صحيحة.

 

طبعاً لقد توارد إلى ذهني حالات انتهاك القانون وقضية استهداف المقاومة والتنسيق الأمني بين الاحتلال الصهيوني وأجهزة التحرير الساهرة على أمن وأمان المواطن في الضفة الغربية ومحاولة المسِّ بكرامة هذا العالم، ولكن لم أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد- استهداف ومحاولة اغتيال- في حقِّ نائبٍ انتخبته أكثرية كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني.

 

حينها قمتُ بالتواصل مع أحد الزملاء الصحفيين العاملين في الضفة الغربية وسألته عما جرى وهل هذا خبرًا صحيحًا أم لا؟ فأجابني بأنه فعلاً خبرٌ صحيحٌ، وأن أحدَ أفراد الأمن الوقائي الفلسطيني الذي يعمل على حمايةِ المواطنين قد قام بإطلاق النار عليه بعد خروجه من المسجد وكال الشتائم والإهانات له.

 

وقد أخذتُ أتابع وسائل الإعلام لعلي أسمع أو أقرأ الشجب والإدانة لهذا العمل (الخسيس) على لسان قادة ومسئولي الأجهزة الأمنية المسئولة عن ذلك المجرم أو على لسانِ كبرائهم؛ حيث إن هذا الأمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام- طبعًا إذا كان هناك اعتبار للقانون كما يدعي (ممثلي الشرعية في الضفة الغربية).

 

 

ولكن- وللأسف- لم نسمع من أحد المسئولين رفيعي المستوى الرسميين أية إدانة أو على الأقل تعليقًا على الحادث.. فقط بعض الإدانات التي لم تخلُ من إظهار أن الأمرَ طبيعي وبعضها يُدين الشيخ البيتاوي نفسه. طبعًا؛ لأن الشيخ البيتاوي هو شخصٌ عادي وليس عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني ولا ممثلاً عن الشعب لا يستحق أن يدين الرئيس (المنتهية ولايته) ما حدث مع الشيخ ولا يستحق تعاطف من زملاء كانوا يجلسون معه تحت قبة البرلمان، ولا ولا ولا...

 

وكأنَّ الحادث عرضي، وكأنه مشكلة جنائية حصلت بين تجار مخدرات أو لصوص؛ ولذلك فإنه يكفي من الناطق باسم المؤسسة الأمنية العريقة التعليق والتوضيح وتسمية المجرم بالمشتبه به على الرغم من اعترافه كما أفادت المؤسسة الأمنية بذلك، وكأنَّ المؤسسة الأمنية تريد أن تأخذ القضية وقتًا لتموت وتُوضع في أدراج النسيان.

 

ومن ثَمَّ يقوم الناطق باسم محافظ نابلس بالقول بأنه لا يسمح لأي اختراقٍ للقانون، وكأنه يضع المستمع أو القارئ في حيرةٍ من الأمر. فهنا لا يعرف القارئ أو السامع في هذا الظرف مَن هو الذي انتهك القانون؟ هل هو الشيخ حامد البيتاوي أم ابن الأمن الوقائي الذي أطلق عليه النار؟؟؟.

 

ويخرج علينا أو ليلي عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية ليستغل الموقف لكيل الاتهامات للمؤسسة الأمنية في قطاع غزة بأنها ترتكب مجازر ضد القانون رابطًا هذه التصريحات بإدانة لما حدث من اعتداءٍ على الشيخ.

 

وبعدها يأتي الناطق باسم فتح ليتهم حماس بالكذب وينفي ما تناقلته وسائل الإعلام بأن هناك محاولة اغتيال للشيخ البيتاوي، ويقول بأن الشجارَ عائلي بين الشيخ وهذا الذي أطلق عليه النار؛ وذلك نتيجة تراكمات كبيرة جدًّا لمشاكل عائلية، وكأنَّ الشيخ شغله الشاغل الاعتداء على الناس وعلى أعراضهم، وأن الجهات المعنية لا تستطيع أن توقفه عند حده مما استدعى هذا الشخص من التعرض له وإطلاق النار عليه.

 

ويخبرنا الناطق باسم فتح بأن المؤسسة الأمنية ستحقق في الأمر وفي جذور تلك الخلافات وتقدم المعتدين من كلا الطرفين للعدالة، وكأنه يقدم بذلك إلى تجريم الشيخ وإمكانية أن يتم اعتقاله في أعقاب انتهاء القضية؛ لأنه مجرم، ولعلَّ محاولة الاغتيال هذه قد كشفت ما كان يُخفيه الشيخ من اعتدائه على الآخرين.

 

وهذا يجعلنا نُفكِّر لعل مئات الشجارات العائلية التي لم تستطع أي جهة رسمية أو غير رسمية من حلها وإصدار أحكام شرعية بها، والتي حقنت دماء مئات الناس تشهد بأن هذا الشيخ فقط شغله الشاغل هو بث الفتن بين الناس والاعتداء عليهم.

 

وفي المقابل مما يحدث في الضفة الغربية من تغطية لمثل هذه الأعمال، فإن هناك آلةً إعلاميةً مُسخَّرةً فقط لنسج الأكاذيب حول أي حدث يحصل في قطاع غزة الذي قهر أعداء الشعب الفلسطيني ووضع حدًّا للجيش الذي لا يُقهر.

 

فعندما قامت مجموعةٌ من عناصر فتح الذين تم تعيينهم عشية الانتخابات التشريعية بخطف إبراهيم أبو النجا أحد رموز فتح بغزة وقامت بحلق نصف شاربه على إثر إشكاليات في رواتبهم، قامت الدنيا ولم تقعد، واتهمت قيادة فتح بأن عناصر حماس ومؤسستها الأمنية هي التي قامت بهذه الفعلة وأصبح الحدث مادة غنية لكيل الاتهامات ليس لشخصٍ ما من حماس أو مؤسستها الأمنية، بل لقيادة حماس ورأس حكومتها الشرعية في غزة.

 

نعم، فالذي وضع القانون هو الذي يعرف كيف يتم تفسيره؛ لأن القانون وضعته لجان أشرف عليها المجلس التشريعي في حقبة سيطرة فتح وحقبة أبو النجا، فإن أبو النجا وفتح هم الذين يعرفون كيف يفسرونه.

 

فحسب ذلك القانون، فإن اعتداء عناصر فتح على أبو النجا يجب أن يُرد عليه بكيل الشتائم والتهم بخرق القانون لحماس وحكومتها، أما محاولة اغتيال الشيخ حامد البيتاوي على يد أحد عناصر الوقائي يعتبره القانون جريمةً بحق الشعب وبحق المواطنين وبحق الأجهزة الأمنية الذين ما فتئ الشيخ البيتاوي يعتدي عليهم مما أوجب الردع القاسي له ولأمثاله.

 

فالذي وضع القانون أعلم بمضمونه وتفسيراته ودقائق الأمور التي تتعلق به، والمؤسسة الأمنية التي أنشأها ويُشرف عليها الذين وضعوا القانون هي الأجدر بتطبيقه لأنها أكثر استيعابًا وفهمًا لمفرداته.

 

ونحن نرى ذلك الفهم للقانون عندما تقوم تلك المؤسسة بحماية المواطنين في الضفة الغربية من الاعتداءات الصهيونية فتقوم بوضعهم في السجون؛ خوفًا عليهم إما من الاغتيال أو الاعتقال على أيدي القوات الصهيونية، وتقم بقتل أئمة المساجد وحفظة القرآن؛ لأنهم يُفسدون في الأرض، وكذلك تقوم بحماية المواطنين من الصهاينة عندما تجد أحدهم دخل إلى المدن والقرى الفلسطينية (بدون إذن)، وتقوم بحمله مباشرة وتسليمه لأقرب نقطة تفتيش صهيونية يذوق المواطنون من خلالها العذابات في تنقلاتهم من مدينةٍ لأخرى.

-----------

* كاتب وباحث فلسطيني